تطلعات مبنية على الوهم- الاتحاد الأفريقى

عدنان زاهر

 

"البشير اتضح أنه غير ديمقراطى، و قد رفض طوال السنين الماضية العمل على حل مشكلة دارفور."

كواره  أده - محلل استراتيجى بمعهد جنوب افريقيا

 

"سوف تكون المرة الاولى أن يكون قائد جيش يحارب ثوار"دارفور" رئيسا لمنظمة قارية. أن هذا ضد المنطق ومخالفا للقانون الدولى، كما أنه سوف يعطى البشير رخصة ليفعل ما يريد فى دارفور"

جون  ياهو – محاضر بكلية العلوم السياسية بجامعة  جنوب افريقيا.

هذا جزء بسيط من الاقوال و التعليقات العالمية التى قيلت قبل انعقاد  مؤتمر الاتحاد الافريقى. والتى كانت نتيجته هزيمة ساحقة وماحقة لسياسات السلطة المراوغة ودبلوماسيتها ، أفقدها التوازن حتى كتابة هذه السطور. لكن السؤال المهم الذى يقفز الى ذهن المتابع ، هل كان السودان يعتقد أنه يمكن أن يكون رئيسا لهذه الدورة ؟! القراءة المستمدة من وقائع الاحداث تقول نعم ، رغم تعارض هذه "النعم" مع المنطق السليم والقراءة الموضوعية لوقائع السياسات السودانية ، ومسارات السياسة العالمية تجاه السودان.

يبدو أن السودان قد بنى امنياته عتى عدة اشياء  منها ، أنه قد أخذ وعدا من رؤوساء القمة المتواجدون فى الخرطوم فى العام الماضى بعد اختيار الكنغو برازفيل بديلا عنه، و أن يختار هو للدورة القادمة ، الصرف البذخى والذى اتبعته السلطة على القمة المنعقدة فى الخرطوم، وبصرف من لا يخشى الفقر من أموال الشعب السودانى المنهوبة ، ثم الوعود بالمساعدة الاقتصادية لبعض الدول الافريقية. كل ذلك مستهدفا أن ينال دعم الرؤساء الافارقة رئيسا للاتحاد الافريقى . تلك هى حسابات سلطة الانقاذ المطمئنة اليها ، ولكنها نسيت أن هنالك اشياء لا تشترى ، كما أن هنالك حسابات معقدة لدورة المصالح العالمية لا تجدى معها "الفهلوة" السياسية، وأن مثل تلك المسائل تعالج فقط وفقا لدراسات علمية و موضوعية صارمة. اضافة الى كل ذلك فان السودان ظل يستهين بقضايا حقوق الانسان التى اصبحت لا تتجزأ من السياسة العالمية.

السودان قبل انعقاد هذا المؤتمر، رفض بشكل حاد و قاطع العمل على حل مشكلة دارفور، ليس ذلك فقط بل عمل على ازدياد اشتعالها، و ها هو المشير البشير يعترف علنا بقصف القرى و المدن الآمنة. هذا الوضع غير السوى أدى الى قيام حملة عالمية ضخمة لاجبار السودان بالاسراع لحل تلك المشكلة. أحد الوسائل لتحقيق ذلك الهدف كان الحيلولة دون يتبوأ السودان رئاسة الاتحاد الافريقى فى دورته الحالية. الحملة شملت كل المنظمات الانسانية ذات الوزن والمصداقية، كما شمل أيضا شخصيات ذات وزن تأثير عالمي وقد نجح جهدها في حرمان السودان من الرئاسة.

عندما اختارت 53 دولة افريقية مجتمعة في اديس ابابا "بينهم مصر" أن تكون دولة غانا المرشحة من قبل جنوب أفريقيا رئيسا للدورة الحالية، كانت تلك رسالة موجهة بذكاء وقوة للسودان. غانا كانت واحدة من الدول التي عملت بجدية من أجل اصدار قرارات في المحافل الدولية لاجبار السودان لحل مشكلة دارفور، والتي تساهم فيها السلطة بشكل مباشر بدعم القبائل العربية "الجنجويد" ضد القبائل الأفريقية. بكلمات واضحة لا لبس فيها، الاتحاد الأفريقي يقول للسودان بشكل ناعم ولكنه قاطع وحازم، لكي تختار رئيسا للاتحاد الأفريقي يجب عليك احترام حقوق الانسان والأخذ برأي المنظمات الانسانية والعالمية التي تتشرف بعضويتها.

حكومة الانقاذ بعد هذه "الركلة" ظلت تكابر كعادتها، تكذب وتناور، وتحاول جاهدة بكل الطرق اقناع الشعب السوداني أن ما تم ليس مهما وليس ذو تأثير على السودان. كما تحاول بأقوال مبتورة ولاهثة أن تذكر أن ما تم في ذلك المؤتمر كان بارادتها واختيارها هي!!...لنضرب مثلا للقارئ يوضح فقدان البوصلة لأهل السلطة، فقد قال أحد أعضاء الوفد السوداني بأديس أبابا "أن المنصب أسند الى غانا بموجب اقتراح من رئيس جنوب أفريقيا" - صحيفة الرأي العام 30 يناير 2007. أما وزير خارجية السودان السيد لام أكول فهو يصرح لرويترز "أن اختيار غانا للرئاسة كان اقتراح السودان!!"...هل هنالك تناقض فاضح أكثر من ذالك؟!

ما يدعو الى الدهشة حقا واتساع حدقات الأعين، ردود أفعال قادة الانقاذ ازاء ذلك الحدث، فها هو السيد الرئيس عمر البشير وهو يفتتح مشروع دار الوثائق القومية بتاريخ 5 فبراير 2007 يجدد اصراره على مواقفه السابقة ويقول في عناد "الداير يحصل يحصل!". في نفس الوجهة وفي نفس التوقيت  يقول د.نافع معلقا على الأحداث في واحد من خطبه العلنية "محل رهيفة تنقد".

أقوال ومواقف في مجملها تعبر عن اليأس، قلة الحيلة، الأنانية وضيق الأفق، كما أنها مؤشر اٍلى أن سلطة الانقاذ تدفع السودان - دون وازع من ضمير أو اخلاق- الى الهاوية التي تسعى اليها بخطى متسارعة وحثيثة.

11 فبراير 2007