لما الدهشة؟!
عدنان زاهر
أرسل اٍلي صديق خبر أوردته الصحف العالمية جاء فيه أن الحكومة الكينية قد رفضت عرضا من شركة نيوزيلندية لمنحها بسكويت صنع (خصيصا للكلاب) وذلك لمساعدة الحكومة الكينية في القضاء على المجاعة التي تهدد حياة 4 مليون شخص.
وقد جاء على لسان مدير المنظمة المانحة لتبريره ذلك العرض المهين أن الطعام "الكلبي" به نسبة غذائية عالية ومستساق!! ويمكن تناوله من قبل البشر "يقصد الاٍنسان الأفريقي" دون أضرار تذكر. وعبر صديقي عن دهشته و أسفه لوقاحة العرض وافتقاره للمثل والأخلاق واحترام الاٍنسان.
قبل مناقشة رأي صديقي قررت أشراككم معي في بعض المعلومات التي أحاول اٍيرادها في شكل نماذج وهي تتعلق بالسياسات العامة لبعض الدول الأفريقية والآسيوية وهي القارات المعنية بالخبر أعلاه. لا بد لي أن أضيف هنا أن هذه الأحداث الواردة في النماذج حدثت وقائعها قبل عدة أشهر، أسابيع أو أيام وليست مستمدة من التاريخ البعيد للأنظمة الحاكمة في تلك البلدان.
نموذج (1)
جاء في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية الصادرة بتاريخ 15/3/2005 أن رئيس دولة ملاوي قد تخلى مؤقتا عن سكنه في المقر الرئاسي وقد طلب الرئيس الملاوي "الهمام" من القساوسة طرد الأرواح الشريرة التي تسكن القصر وتقوم بمضايقته. وقد قال القس مالاني متونجا مستشار الرئيس لشئون الكنيسة (نعم نعم لقد طلب الرئيس من القساوسة طرد الأرواح الشريرة ولكن يجب أن تعلموا أنه لن تفلح أية مكائد شيطانية ضد الرئيس "يقصد من قبل الشعب الملاوي" لأننا طلبنا مساعدة كنسية ضد أي مؤامرات شيطانية تستهدفه.) الطلب لطرد الشياطين قد قدم للكنيسة الكاثوليكية بروما التي ينتمي اٍليها الرئيس كما قدم طلب أيضا لكل من الكنيسة اللوثرية وكنيسة الصليب ويتمثل الطلب في اٍقامة صلوات خاصة لتطهير المقر الرئاسي. الرئيس الملاوي يسمع في جوف الليل بأقدام تسير في القصر وأصوات غريبة كما يحس بزواحف تسير على جسده.
جدير بنا أن نذكر أن القصر الرئاسي الذي شيد في العاصمة "ليلنجوي" وهو شبيه بقصور ألف ليلة وليلة وبه 200 غرفة وقد كلف تشييده ملايين الدولارات. ملاوي هي أحد أفقر الدول الأفريقية التي يسكنها بشكل دائم الفقر والجوع والمرض والجهل وينهك قواها "الاٍيدز".
نموذج "2"
الأخبار الداخلية كما الأخبار العالمية تتحدث عن حكومة الخرطوم وقيامها بشراء يخت رئاسي صنع في اليونان بتكلفة 37 مليون دولار وتشييدها لفلل بتكلفة 50 مليون دولار وذلك لاٍستضافة الرئساء الأفارقة الذين حضروا لمؤتمر الاٍتحاد الأفريقي الذي انعقد في الخرطوم.
اليخت الذي استورد لا زال يقبع في اليابسة بعد فشل السلطة ومهندسيها اٍنزاله الماء! السودان تدور به حرب أهلية في الغرب راح ضحيتها زهاء الثلاثمائة ألف شخص وشرد أكثر من 2 مليون من منازلهم ويعيشون في المعسكرات أو الدول المجاورة ولا زالت القرى تحرق وتزهق أرواح الأبرياء بالمئات، كما هنالك حرب تدور رحاها في الشرق. حرب الجنوب التي راح ضحيتها أكثر من مليوني شخص وانتهت بتوقيع اتفاق قبل عام لا زال يماطل في تنفيذه وآثار الحرب كما هي وتتفاقم كل يوم.
السودان يعشعش فيه المرض، الجوع، الأمية والعطالة المزمنة وتذهب عائدات نفطه المقدرة بملايين الدولارات اٍلى جيوب لوردات المؤتمر الوطني وبارونات الحرب والماليشيات الشعبية التابعة للسلطة. دخل السودان النفطي الذي يمكن أن يجعل شعبه يعيش مرفها أو على أقل تقدير مستورا تجوب شوارعه عربات منظمات الاٍغاثة من كل نوع وبمختلف التخصصات والأسماء.
السودان وعلى لسان وزيره يقبل وبدون حياء أن تدفن النفايات اليونانية على أرضه مقابل عدة دولارات! ولا تهمه حياة مواطنيه ولا صحتهم ولا مستقبل الأجيال القادمة.
نموذج "3"
ذكرت صحيفة البيان الأماراتية الصادرة بتاريخ 4/2/2006 أن ملك مملكة "بوتان" ويدعى جيمي سنجاي قد قرر تأجيل منح مواطنيه بعض الحريات الديمقراطية اٍلى العام 2008 بعد أن نصحه المنجمون بذلك أو كما قالوا (أن النجوم تحبذ أن يحدث ذلك عام 2008، كما أن التخلى عن النظام الملكي له عواقبه الوخيمة!)... الخبر يعني ببساطة أن الشعب البوتاني غير مؤهل لممارسة الديمقراطية كما أن أي اٍصلاحات في النظام الديكتاتوري له عواقبه الوخيمة! لا أدري لماذا ورد في ذهني قول المفكر تيري جيري في سياقه الآخر (أن ما هو واقعي ليس عقلانيا وماهو عقلاني ليس واقعيا.)
مملكة بوتان هذه تقع في جبال الهيمالايا بين الهند والصين ويقطنها حوالي سبعمائة ألف نسمة.
نموذج "4"
هذا الخبر أيضا من صحيفة البيان الاٍماراتية الصادرة بتاريخ 5/2/ 2006 سأقوم بتلخيصه دون اٍخلال بالمعنى أو المضمون وهو خاص بالجارة مصر. فقد غرقت العبارة المصرية قبل عدة أيام والتي تدعى السلام – 98 في البحر الأحمر وهي في طريق عودتها من ميناء "ضبا" السعودي اٍلى ميناء "سفاجا" المصري. وكان على متنها 1415 بينهم 1318 راكبا و 96 من أفراد الطاقم وفي خضم التصريحات المتناقضة من المسئولين المصريين حول أسباب الحادث فأن من تبقوا أحياء لا يتجاوز 400 فردا.
أوردت شركة "لويدز ريجستر" في نشرتها التي تصدر يوميا أن السفينة السلام -98 في خريف عمرها كما أن معايير السلامة المطبقة في الاٍتحاد الأوربي لا تنطبق عليها مما جعلها ممنوعة من الملاحة في البحار الأوربية (أضيف لها لاحقا طابقين). ذكر الخبر أن الشركة الاٍيطالية التي أصدرت شهادة اٍستيفاء معايير السلامة للعبارة المصرية وهي شركة تدعة "رينا" ملاحقة قضائيا لاٍصدارها قبل ستة سنوات شهادة مماثلة (مضروبة بالتعبير المصري) لناقلة نفط مالطية تدعى "اٍريكا" انشقت في عرض المحيط اٍلى قسمين متسببة بانتشار كميات هائلة من النفط اٍجتاحت السواحل الفرنسية دون التحقيق مما اٍذا كان هيكل السفينة ومواردها وبنيتها تؤهلها للحصول عليها. ويبدو جليا ظلال الفساد في هذه الحادثة الاٍنسانية والتي تحاول السلطة المصرية باٍعلامها مواراتها، أو التقليل من وقع سقوطها أو الغوص في البحث عن جذور أسبابها الحقيقية وموت أكثر من ألف شخص من البسطاء لا قيمة له.
هذه النماذج وعينات من دول أفريقية وأخرى أسيوية – ودون التجنى على أحد – يمكن تعميم ذلك النمط من السلوك على معظم دول القارتين ما عدا قلة قليلة. ويلاحظ أن القاسم المشترك بين كل تلك النماذج هو:
1) اٍفتقار تلك الدول اٍلى الديمقراطية ووصول معظم حكوماتها اٍلى السلطة عن طريق الاٍنقلابات العسكرية أو باٍعادة هيكلة الديكتاتورية باٍجراء انتخابات صورية يعود بعدها الديكتاتور منتخبا اٍلى سدة الحكم بنسبة 99.8%.
2) الفساد الذي ينخر في هيكل الدولة والذي أصبح سمة طبيعية في أجهزة الحكم (يقدر البنك الدولي في تقرير صدر العام الماضي أن حوالي 80 مليار هي المبالغ المخصصة لصفقات الفساد.)
3) قمعها وتغييبها لشعوبها واللامبدأية واللا أخلاقية في الممارسات السياسية.
بعد اٍنتفاء الدهشة.... نقول أن الحكومات غير المحترمة لا يستطيع أحد اٍجبار الغير على اٍحترامها، لذلك يظل العمل الصعب هو كيفية التوضيح للآخرين التفريق بين الحكومات المتسلطة على شعوبها والشعوب المغلوبة على أمرها واٍيصال أن تلك الشعوب لا تتحمل مسئولية وأخطاء الطغم الحاكمة والجاثمة على رقابها.
شئ أخير أريد قوله، أن العرض المستبطن ب(الحقارة) وأقصد به عرض أكل مخصص للكلاب ليتناوله البشر هو وصمة في جبين من قام بتقديمه، اٍهانة وممارسة لاأخلاقية تتعارض وأبسط حقوق الاٍنسان.
10 فبراير 2006