وما الحياة: صراع البقاء في دارفور وأخواتها 

مجدي الجزولي

(1)

اكتفى معظم المراقبين، طوال الصراع الدائر في دارفور ومنذ اشتعاله، بخطة العرق منهجاً لتقصي وتحليل أسباب اندلاع الحرب وكيفية وضع نهاية لها بما يخدم رغبات الأقوياء من المتصارعين. وافق هذا المنهج رغبة السلطة الحاكمة في تصوير أهل دارفور طالبي الحقوق كمحض (غَرَّابة) حاقدين -  طامعين في تقويض سلطة (أولاد البحر)، وبذلك سوقت نفسها كحامي حمى مقاتل يريد نصرة قومه الأقربين ضد مهدد بربري. كما وافق هذا التصور أطرافاً في الحركات المسلحة وجدت في (العرق) سلعة مواتية لكسب الدعم الدولي وفي التجييش المحلي. بالطبع، تزعمت عدة أطراف دولية، رسمية وشعبية، حملة (النصرة الإثنية) هذه، بعضها بدافع نبيل في إنقاذ الضحايا، وبعضها بغرض لا يخلو من شبهة الأنثربولوجيا الاستعمارية. 

لا شك، رغم الجمل التقريرية السابقة، أن عنصرية فاسدة تسم حرب دافور، وأن (التجريدة) الحكومية ضد (زرقة) دارفور حققت جل شروط (الإبادة الجماعية) أو جميعها، كما تفصلها التشريعات الدولية، وأن بغضاً متبادلاً بين متساكني الإقليم (زرقة) و(عرب) شكل عنصراً دافعاً للاقتتال بين الطرفين. لكن لا يسعفنا هذا التحليل (العرقي) لشرح السلام في دارفور ما قبل الحرب، كما لا يسعفنا عند تقصي الدرب الواصل إلى السلام ما بعد الحرب. كما أن إدراكاً للعقلانية النسبية التي يتصف بها البشر، ومعرفة بصراعات مماثلة كالحرب الرواندية، وفهماً لمحركات التاريخ المتشابكة، جميعها تحول دون الركون إلى (المنتهى العرقي) في تفسير الصراعات البشرية. هذا إلا إذا كان اختيارنا أن نقبل بفقه الاستعمار القائل بمفارقة مصير شعوب افريقيا لسنن الكون كونها (متوحشة) و(بدائية) لا يصح بصددها ما يصح على غيرها من أقدار الحداثة والاجتماع، أي نزاعات الطبقات والفئات الاجتماعية في محتوى الاقتصاد السياسي للرأسمالية. وهو قول، على تعليلاته الأنثربولوجية، يتسق كل الاتساق وعنصرية ذات جذر إمبريالي، كما إنه يعفي مروجيه (الاستعماريين) من طرح الأسئلة الأصعب: تلك التي تتصل بجرم الرأسمالية تاريخاً وحاضراً في تشكيل الخريطة السياسية في البلدان الافريقية بخاصة ما يتعلق منها بأزمة (التنمية) واستحالة عدالتها وفق شروط الانتخاب الرأسمالي وعلاقات إنتاجه، إلى جانب إهدار وتخريب الموارد المصاحب لنمط الإنتاج الرأسمالي، وبالطبع، التحالف اللازم لتحقيق أهداف (الاستثمار) بين رأسمالية المركز الإمبريالي والطبقات الرأسمالية الوكيلة في بلدان الهامش الاقتصادي الكوني. وجميعها قضايا حاضرة في واقعنا السياسي لا بد من الوعي بها ومقارعتها إذا كان هدف (البناء الوطني) ما زال هو مقصود سعينا، وإذا أردنا الإفلات من المصير الذي رسمه سيسل رودز – الإمبريالي البريطاني الأشهر – لبلدان افريقيا زمان التهافت الاستعماري على القارة بزعمه أن ليس ثمة شعوب في افريقيا وإنما (أقليات) فقط!! في وجه من الوجوه يعكس القبول المؤمن بخطة (العرق) في دارفور استكانة لحكم الاستعمار الساري على افريقيا، أي أنها لا تحوي شعوباً ولا طبقات وإنما قبائل وأعراق متصارعة. وهو تقرير مهما استحسنه البعض من باب (التحليل) لا يفي تاريخ افريقيا حقه، خاصة أن الحديث من هذا التاريخ يتطابق وتاريخ الامتداد الرأسمالي في القارة بنار الاستعمار وسيفه، أي أن صراعاته هي بالضرورة صراعات حول مكاسب الحداثة وبأدواتها وليست (داحس) أو (غبراء) في سبيل الاصطفاف العرقي ليس إلا، وأن العرق في هذا المحتوى تابع للاقتصاد السياسي وليس قائد له. ذات المنطق قائم حال بحثنا في تاريخ الرأسمالية الأوروبية حيث شكلت العنصرية آيديولوجية (تمكين) مواتية للطبقات القائدة في كل من ألمانيا وإيطاليا، وكان لها نفوذ راسخ في الخطاب السياسي لغالب البرجوازيات الأوروبية، حتى انتصار الحلفاء على الفاشية في الحرب العالمية الثانية. بل إن (وصلة) عنصرية ما زالت تصاحب خطاب أحزاب (اليمين) في أوروبا كلما أرادت تجييش الدعم الشعبي لصد الهجرة من الجوار الأوروبي (الأقل نمواً) أو من بلدان العالم الثالث. في جميع هذه الحالات لا ينتهي التحليل برصد اختلاف (العنصر) وإنما يقفز إلى دوافع الانتباهة العرقية من جهة الاقتصاد السياسي. فما خطب افريقيا، إذن، لا يسري عليها من (الحداثة) سوى السلاح!

بالمقابل، تراكمت في الفترة الأخيرة أدبيات توثق لأصل صراع دارفور في محنة (التحديث) وسكة (التنمية الرأسمالية) ونالت حيزاً أكبر في الاعتبار السياسي، سوى أنها جعلت عنوان ذلك (التدهور البيئي) و(الاحتباس الحراري)، حتى أن كبريات الصحف الأوروبية أزاحت عبارة (الزرقة والعرب) كعنوان جانبي لأخبار حرب دارفور واستبدلتها بعبارة (أولى الحروب البيئية). مناط استدلال هذا الانقلاب في النظر إلى مسألة دارفور قائم في شاغل التحولات الحادثة والمتوقعة جراء الارتفاع في درجة حرارة الكوكب وما يتبعه من تغييرات مناخية أثرت وتؤثر على إنتاج الغذاء وسبل كسب العيش وشروط البقاء البشري في أقاليم الأرض المختلفة. من ذلك ما نقلته جريدة (الإندبندنت) البريطانية في تقرير لها بعنوان (التغيير المناخي: الحروب على الموارد ستشعل العالم ناراً) بلسان آخيم ستاينر، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة البيئي (UNEP)، والذي حذر من تصاعد النزاعات على مستوى العالم نتيجة للتغييرات المناخية قائلاً: "إن تغييرات كبرى مثل ارتفاع مستوى المحيط الهندي وزحف صحراء الساحل الافريقي ستؤدي إلى اشتعال حروب جديدة. فالناس يتخطون الحدود الفاصلة بين مناطق سكناهم ونفوذهم الموروثة بدافع تغير المناخ، ما يقود إلى النزاعات بينهم. والمجتمعات ليست على استعداد لمجابهة سرعة ومدى هذه التغييرات وتبعاتها"، ليضيف في مقطع تال أن "العالم قد شهد في الحقيقة أولى الحروب الناجمة عن التغيير المناخي حيث ساهمت تغييرات مناخية مهولة في تشكيل خلفية الصراع الدائر في إقليم دارفور السوداني، والذي أسقط 200 ألف قتيل وشرد ما يربو على 2.5 مليون شخص. إن ما نراه في دارفور هو في الواقع ظاهرة تغير بيئي تلقي بثقلها على المجتمعات المحلية" (الإندبندنت، 21/06/07م).

في هذا السياق أصدر برنامج الأمم المتحدة البيئي في يونيو الماضي تقريراً ضافياً ترافقه الصور في 374 صفحة يفصل في شأن العلاقة بين البيئة والصراع في السودان بعنوان (السودان: تقييم بيئي ما بعد الصراع). وهو نتيجة جهد مشترك وبحوث ميدانية قام بها عدد من الخبراء الدوليين والوطنيين في الفترة من يناير إلى أغسطس 2006م شملت ولايات الشمالية والبحر الأحمر وكردفان والخرطوم، وولايات دارفور الثلاث، وولايات البحيرات وشمال وغرب بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية. أثبت التقرير في تصديره أن قضايا البيئة تشكل عاملاً أساسياً من عوامل النزاع في البلاد، بالذات ما يتعلق بالموارد: البترول، المياه، الأراضي، والأخشاب، كما أن المواجهات بخصوص أراضي الرعي والأراضي الزراعية تشهد بشكل بارز على العلاقة الوثيقة بين الصراعات المسلحة وندرة الموارد. لأهمية ما جاء في التقرير أورد في التالي بعضاً مختصراً من محتوياته:

(1)        انتقل الفاصل بين الصحراء وشبه الصحراء مسافة 50 إلى 200 كيلومتر جنوباً مقارنة مع أولى قياسات هطول الأمطار والغطاء العشبي في الثلاثينات من القرن الماضي، كما يتوقع أن يستمر زحف هذا الفاصل جنوباً ما يهدد الأراضي الزراعية الواقعة في مجال شبه الصحراء، التي تشكل بدورها 25% من أراضي السودان الزراعية.

(2)        بحسب هذه التقديرات يتوقع هبوط انتاج الغذاء بمقدار 20%، كما أن لهذا التغيير المناخي أثراً هداماً متعاظماً على مجتمعات السودان الرعوية، خاصة في كردفان ودارفور، ما يشكل عاملاً لتفاقم الصراعات.

(3)        الزراعة، وهي أكبر قطاع اقتصادي في السودان، تشغل موقع المركز في مشاكل السودان البيئية، بخاصة ما يتصل منها بتدهور الأراضي، وتآكل مجرى النيل، وسوء إدارة المبيدات في المشاريع الزراعية الكبيرة، وتلوث المياه. أشد التدمير البيئي ناجم عن الزراعة المطرية الآلية غير المرشدة والتي تغطي مساحة 6.5 مليون هكتار، وذلك نسبة لقطع الغابات، وإهدار الحياة البرية، وتدهور الأراضي الشديد.

(4)        إن النمو العظيم في أعداد الماشية، من 28.6 مليون رأس في 1961م إلى 134.6 مليون رأس في 2004م، أدى إلى تدهور واسع في المراعي.

(5)        إن علاقات الأرض غير الملائمة تشكل قاعدة لعديد من المشاكل البيئية، وحاجزاً أمام الاستغلال المستدام للأراضي، حيث يفتقد المزارعون للمحفزات التي تشجعهم على الاستثمار في الموارد الطبيعية وحمايتها.

(6)        يتراوح معدل فقدان الغطاء الغابي في السودان ما بين 0.84% في العام (على المستوى القومي) إلى 1.87% في العام (بحسب التقديرات في المناطق التي خضعت للدراسة)، وذلك بسبب الحوجة إلى الطاقة (الفحم النباتي) والزراعة. فقدت البلاد في الفترة من 1990م إلى 2005م 11.6% من غطاءها الغابي، أي ما يعادل تقريباً 8 ملايين و835 ألف هكتار من الغابات. على مستوى الأقاليم، فقدت مناطق شمال ووسط وشرق السودان ثلثي غطاءها الغابي في الفترة من 1972م إلى 2001م. أما درافور فقد فقدت في الفترة من 1973م إلى 2006م ثلث غاباتها، وفقد الجنوب 40% من غاباته منذ الاستقلال في 1956م.

(7)        في السودان ما يفوق العشرين مشروعاً لبناء خزانات كبرى، إما قيد التنفيذ أو في مرحلة التخطيط، وهي تشكل أعظم تهديد بيئي للموارد المائية في البلاد. يتوقع أن يحقق خزان مروي إضافة مقدرة في مجال إنتاج الطاقة الكهرومائية، لكنه من الناحية الأخرى يقف مثالاً على المشاكل الاجتماعية والبيئية التي تصاحب مشاريع الخزانات الكبرى. رغم أن المشروع رافقته دراسة للآثار البيئية إلا أنها لم تحقق المعايير الدولية في هذا المجال، كما كانت تعوزها الشفافية، ولم تخضع لنقاش وتشاور في المجال العام. أما أبرز المشاكل البيئية المتعلقة بالخزان فتشمل فقدان الطمي اللازم لخصوبة أراضي الزراعة الفيضية، تراكم الطمي في الخزان، تآكل مجرى النهر بسبب اندفاع المياه العالي خلال فترات إطلاق المياه القصيرة.

(8)        يعتمد 15% من سكان السودان في الحاضر على المعونات التي تقدمها المنظمات الدولية، من غذاء وخلافه، سيشكل انتقالهم إلى سبل معيشة مستقلة ومستدامة قضية بيئية معقدة. في الحقيقة، السودان واقع في قبضة دائرة شريرة مكوناتها الاعتماد على المعونات الغذائية، وتخلف الزراعة، وتدهور الأراضي الزراعية. إذا تم في الوقت الحالي تخفيض المعونات الغذائية بغرض تشجيع العودة إلى الزراعة ستكون النتيجة في بعض المناطق مزيد من فقدان الأمن الغذائي وتعاظم التدهور في الأراضي الزراعية، ما سيؤدي بالتالي إلى قابلية أكبر للفشل، ومن ثم تجدد النزوح.

لا يختص برنامج الأمم المتحدة البيئي بشرح العوامل المتداخلة وهذه الحقائق والاستنتاجات، وهذا بطبيعة المؤسسة، لذا فإن التقرير يغفل البيئة الاقتصادية الاجتماعية والسياسية التي أدت ببلادنا إلى هذا الدرك. لكن بداهة أولية في الاقتصاد السياسي تشير إلى أننا بصدد فشل تام لنموذج التطور الرأسمالي كما عرفه السودان، ليس الفشل بمعنى عدم النجاح في الوصول إلى الهدف فقط، لكن الفشل على طريقة (الأرض المحروقة)، أي الذي لا يبقي ولا يذر. فالقارئ للتقرير يدرك دون عون من (الحزب الشيوعي) أن المسألة أعظم من البيئة وتغييرات المناخ، وإنما تتعلق في جذرها الاقتصادي والسياسي بإدارة الدولة والطبقات الحاكمة للموارد استغلالاً وإهداراً، وأن استمرارنا في هذه (السكة) حتماً يؤدي بنا إلى هلاك لن تنقذنا بإزاءه جميع إتفاقيات العالم، وذلك حال معاصر لا ينتظرنا في المستقبل إنما نشهده في الحاضر. من ثم فإن أي تصور للإسعاف لا بد أن يقوم على أساس الاعتبار الكامل لقضايا العدالة الاجتماعية، والاستغلال والتوزيع الأمثل للموارد، ولا يمكن أن يستقيم دون تخطيط علمي منهجي يكامل بين طلب الريع الاقتصادي والكلفة الاجتماعية والبيئية. جميع ذلك غير ممكن إلا بتحول عميق في طبيعة السلطة السياسية وفي هيكل الدولة، من دولة ريعية تخدم مصالح رأسمالية متخلفة إلى دولة ديموقراطية تمثل شعبها وتخدم مصالح طبقاته المنتجة على أساس من المعرفة العلمية بإدارة التوازن بين الموارد الطبيعية والتطور الاجتماعي.

 

 

 

 

 

 

(2)

جاء في الجزء الأول من هذه الكلمة أن اتباع الخطة العرقية في النظر إلى مسألة دارفور قد يساعد في تصنيف الوقائع كما تشخص حاضراً لكنه لا يغني عن حق أزمة التنمية والتحديث شيئاً، كما أنه يباعد بيننا وتلمس الطريق المفضي إلى الحل، كونه يسجن الفكر السياسي في تناقضات ساكنة بين جماعتي (العرب) و(الزرقة) في الإقليم، ويصمت عن الحراك الاجتماعي الذي قاد إلى نشوء الهوية السياسية لهاتين الجماعتين من جهة، وعن التحولات الملازمة لصراعهما من جهة أخرى، وفي هذا الإطار عن المحتوى الكلي للصراع والذي نجد تفصيله في شبكة من العوامل المتصل بعضها ببعض، من بينها التدهور البيئي المتسارع، وزيادة عدد السكان، ومناهج التراكم الرأسمالي البدائي، وأنماط ملكية الأرض، وكساد مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

من تبعات خطة (العرق) تصوير جنائي لـ(عرب) دارفور كمجرمين و(الزرقة) كضحايا، وهو تمييز، على صحته في محتوى طلب العدالة الجنائية وتحديد المسؤولية الفردية، لا يستقيم في شأن الجماعات البشرية المتصارعة، إلا إذا قبلنا أن للجماعات العرقية خواص ثابتة جوهرية لا تاريخية. كما أنه في عموميته يؤبد لوعي كاذب مفاده أصالة وديمومة الحلف بين السلطة الحاكمة في الخرطوم وبين (عرب) دارفور، واستحالة التقاء (عرب) و(زرقة) دارفور على قاعدة مشتركة، هذا مع العلم أن الإثنين في عداد ضحايا أزمة الإقليم الكلية، بل إن الهوية السياسية/العرقية الفاصلة بينهما لم تتولد إلا في إطار هذه الأزمة وكناتج لها. بذا فإن ضلال الخطة العرقية يكمن في تغييب القضية الكلية في دارفور واستبدالها بالصراع الداخلي ما يهزم وحدة الإقليم ويكبل مستقبله في الحرب، إلا ما كان منحة (سلام) من السلطان في الخرطوم، وهو ما شهدنا في اتفاقية أبوجا وما نتج عنها، ليس الحاجز بين (العرب) و(الزرقة) فقط، وإنما الانقسامات الانشطارية داخل معسكر (الضحايا)، حتى أصبحت المسألة الأولى في دارفور (توحيد الحركات) على موقف تفاوضي واحد بدلاً عن مخاطبة نحر الإقليم بمدية محنته البيئية الاقتصادية والاجتماعية وعلى يد المتصارعين، كل يساهم بطعنة. في هذا المحتوى قد تجوز المقارنة بين ادعاء السلطة أن محاربي دارفور من الحركات المسلحة ما هم إلا قطاع طرق وشذاذ آفاق لا قضية لهم، وبين الزعم الساري أن (الجنجويد) هم كومة مجرمين حرفتهم القتل. في الحالتين، يتم عزل الصراع، على طريقة التحقيق الجنائي، من سياقه التاريخي، وهو سياق غني بالدوافع والأسباب والعوامل المعقدة، منها المباشر الذي يتصل بفتنة (العرق)، وأغلبها ما يتجذر فيه (العرق) شارة للنزاع الاقتصادي والسياسي. من ثم فإن مهمة البحث التاريخي هي تحديد هذه العوامل وتفكيكها، لا تغييبها واختصارها في أبد (مانوي) طرفاه (الزرقة) و(العرب). كما لا تستقيم المساواة الدارجة بين (زرقة) دارفور و(الحركات المسلحة)، أو بين مليشيات (الجنجويد) و(عرب) دارفور، إذ بذلك ننفي عن الإقليم تاريخه السلمي، كما ننفي قدرة أهل دارفور على بناء السلم الأهلي بينهم دون أن يكون السلاح هو الفيصل في هذا المسعى على طريقة من الغالب ومن المغلوب، بحيث يعني ذلك الاستسلام للتغييرات السكانية التي فرضتها الحرب، أي تفريغ القرى إما بالقتل أو التشريد وتطويق أهلها في معسكرات حول المدن. هذا على اعتبار أن هذه التغييرات لن تصب حتى في مصلحة غمار (الجنجويد)، بل في مصلحة (رأسمالية طفيلية) هدفها تحقيق (تراكم بدائي) تستولي فيه على أراضي الإقليم وخيراته المادية بعد تمييع نظم الملكية فيه والانتقال بها من (ملكية قبلية) إلى (ملكية فردية) بقهر الدولة وجبروتها. وهنا ساحة للصيد الثمين تشابه ما دار في السودان الشمالي والأوسط أول القرن الماضي حيث جعلت الحكومة الاستعمارية جميع الأراضي في البلاد تحت سيطرتها، إلا ما كان موثقاً كملك فردي بصك من الإدارة التركية، ثم أخذت ترسم الخارطة الطبقية التي توافقها بمنح ما تشاء لمن تشاء. اليوم أعادت الطبقة الحاكمة رسم جغرافية دارفور السكانية، مستغلة تبعات الاصطراع الداخلي حول الموارد المعيشية، لتملأ الفراغ الناجم عن حرب أدارتها بالوكالة (by proxy).

يتجلى هذا الفراغ في فقدان أهل الإقليم لقوامهم الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي صوتهم السياسي الجماعي. المقصود بهذا القوام أنماط المعيشة التي كانت تضمن للإقليم اكتفاءاً ذاتياً في الغذاء وقدراً من الفائض الاقتصادي. سادت في الإقليم قبل الحرب ثلاث أنماط رئيسة: الزراعة والرعي والعمل المأجور المهاجر. أما مناطق إنتاج الفائض الاقتصادي فكانت تعتبر مصدراً للتشغيل والغذاء للمناطق الأقل حظوة، وهي في هذا المحتوى الأفقر بيئة، أي المناطق الشمالية الشرقية. بحسب ر. س. أوفاهي تنقسم دارفور إلى ثلاث مجالات بيئية/اقتصادية: (1) شمال دارفور فقيرة البيئة الطبيعية والتي يقطنها رعاة الإبل من عرب الزيادية والرزيقات الأبالة، إلى جانب الزغاوة والبديات؛ (2) وسط دارفور على جانبي جبل مرة، ويقطنها مزارعون مستقرون من الفور والمساليت والقمر والتاما والميما؛ (3) جنوب دارفور حيث يعيش رعاة الأبقار (البقارة)، الرزيقات والهبانية وبني هلبة والتعايشة. في هذا السياق لم تكن اللغة علامة دالة على العرق، على سبيل المثال يتحدث البرقد والبرتي اليوم اللغة العربية لكنهم لا يعتبرون أنفسهم (عرب)، كما لم يكن (العرق) ذاته دالة ثابتة جوهرية، فمزارع الفور الناجح الذي يستطيع مراكمة قدر من الفائض بحيث تتجاوز ملكيته من الماشية حدود الإنتاج المعيشي قد يعبر الفاصل (العرقي)، ويتحول إلى فرد من (البقارة) ليراكم نسباً (عربياً) خلال أجيال معدودة (ر. س. أوفاهي، ضمن تقرير "التدهور البيئي كسبب للصراع في درافور"، جامعة السلام – الأمم المتحدة، الخرطوم ديسمبر 2004م). بطبيعة الحال يعتمد أهل دارفور في زراعتهم ورعيهم على موردين أساسيين: الأرض والمياه، وكلاهما واقع تحت ضغط تدهور بيئي غالب، بالتالي فإن التنافس على هذين الموردين يشغل موقعاً مركزياً في ديناميكيات الصراع الداخلية، حيث أفضى التدهور البيئي المستمر إلى نتائج كانت عوامل مباشرة في استعار الصراع الدموي: (1) أدى انخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية تبعاً لتناقص الأمطار وتنامي الآفات إلى توسع جغرافي في الأراضي الزراعية لمقابلة تدهور الإنتاج؛ (2) زاد تدهور المراعي وتنامي أعداد الماشية من حدة التنافس على الأراضي بين المزارعين المستقرين والرعاة العابرين؛ (3) تبعاً للضغط البيئي على مجمل مناطق الساحل الافريقي أصبحت أراضي دارفور قبلة للرعاة العابرين من تشاد وجوارها (عبد الجبار عبد الله فضل، ضمن المصدر السابق).

في بحثهما عن جذور (الجنجويد) أورد المؤلفان ألكس دوفال وجولي فلينت مقابلة كان الأول قد أجراها في العام 1985م مع والد موسى هلال الناظر هلال محمد عبد الله، ناظر الرزيقات الأبالة من بطن المحاميد. كان الناظر حينها في العقد الثامن من العمر ويشهد انهيار العالم الذي يعرفه بسبب الجفاف المتطاول. أثبت المؤلفان في كتابهما تأسي الناظر على الأيام الخيرة التي كان يحل فيها ورهطه من (أم جلول) ضيفاً على المزارعين من التنجر والفور في رحيلهم السنوي جنوباً ناحية جبل مرة، حيث كان شرتاي الفور ابراهيم دريج يستقبلهم بالذبائح والولائم فيشتري الرعاة من المزارعين حصادهم من الحبوب ويساعدون في بيع المحصول بتوفير الإبل للنقل إلى الأسواق بينما ترعى قطعانهم في الأراضي الزراعية بعد الحصاد على حلها. عند المغادرة كان الناظر يقدم للشرتاي هدية من إبله دلالة على التعاون والمنفعة المتبادلة. شدد الناظر على أن كل هذا قد تغير بسبب الجفاف: المزارعون الفور أصبحوا يسدون على (الأبالة) مسار رعيهم مما اضطر الرعاة إلى الحركة أقصى الجنوب حتى أصبح المسار الذي يبدأ في (رهد جنيد) يمتد حتى جنوب تشاد وافريقيا الوسطى. بذات القدر اشتد التنافس ناحية الشمال بين الرزيقات الأبالة وبين جيرانهم رعاة الإبل من الزغاوة والميدوب (ج. فلينت وأ. دوفال، "دارفور: تاريخ قصير لحرب ممتدة"، نيويورك 2005م، ص 35 - 36). إذا كانت الضائقة البيئية عاملاً رئيساً في تشكيل خلفية الحرب الدائرة في الإقليم فإن الصراع المسلح أكمل دورة تدمير نظم الحياة والمعيشة، كما عرفتها دارفور، إلى أقصاها، بحيث لا يمكن تصور حل قائم على استعادة الوضع القديم، بل يلزم صناعة مستقبل جديد لدارفور بتحول نوعي في أنماط الإنتاج وأسس الاقتصاد المحلي، وذلك للأسباب التالية: (1) فقدان رأس المال البشري، إما بالإبادة أو التهجير القسري أو بالنزوح إلى أواسط السودان؛ (2) نهب القليل المتوفر من أدوات الإنتاج ورأس المال والبنية التحتية للزراعة المحلية؛ (3) نهب الماشية، أو فقدانها بالبيع أو خلافه، إلى جانب تجميد حركة الرعي الموسمية، وبالتالي تناقص أعداد الماشية إما بالمرض أو العطش؛ (4) تناقص إنتاج الغذاء في الإقليم نتيجة لتدمير البنية التحتية للزراعة من معينات ومدخلات إنتاج، ونتيجة لاستيلاء الرعاة على الأراضي الزراعية وطرد المزارعين إلى المعسكرات؛ (5) تدمير البنى التحتية العامة، أي خدمات الصحة والتعليم وآبار المياه؛ (6) توقف حركة العمالة المهاجرة في داخل الإقليم أو إلى خارجه وبالتالي تناقص تحويلات العمال المهاجرين إلى قراهم ومجتمعاتهم المحلية؛ (7) تضاعف معدل التدهور البيئي خاصة الناجم عن استغلال الرعاة البالغ للأراضي الزراعية وموارد المياه الشحيحة (م. بوخانان سميث و س. جاسبرز، "الصراع، المعسكرات والقسر: أزمة المعيشة المستمرة في دارفور"، تقرير إلى برنامج الغذاء العالمي، يونيو 2006م).    

عند عرض حجة الصراع حول موارد بيئية شحيحة في دارفور يتصور المرء أن القضية نقصاً مطلقاً في هذه الموارد، لكن الواقع أن العجز ليس في الموارد لكن العلة في الدولة، فالدولة التي استولت عليها (الرأسمالية الطفيلية) أصبحت أداة طبقية تعمل لصالح جوقة حاكمة تعتبر مواطنيها إما حواجز أمام استثماراتها أو زبائن لتجارتها. دارفور، على نكباتها، ما زالت أرضاً بكراً. لا تتجاوز نسبة استغلال الأراضي الزراعية في الإقليم 50%، في جنوب الإقليم 24 مليون فدان من الأرض الزراعية لا يستغل منها سوى 7,2 مليون فدان بالري المطري و76 ألف فدان كبساتين. تبلغ مساحة أراضي (القوز) الرملية الصالحة للزراعة في شمال الإقليم 7 مليون فدان، بينما لا تزيد نسبة زراعتها على 50%، وتبلغ مساحة الأراضي الطينية الزراعية 2 مليون فدان، المستغل منها 15% فقط. في دارفور حوالي 12 مجرى مائي (وادي)، 3 في شمال الإقليم، و9 في جنوبه، توفر ما مجموعه 993,8 مليون متر مكعب من المياه، هذا بالإضافة إلى مخزون من المياه الجوفيه يفوق 2 بليون متر مكعب. وفي الإمكان ري ما يفوق 1,5 مليون فدان من الأراضي الزراعية بواسطة المياه الجوفية في ساق النعام ووادي هور فقط (عبد الله أحمد عبد الله، ضمن تقرير "التدهور البيئي كسبب للصراع في دارفور"، مصدر سابق). إذن، ما نحن بصدده هو تنامي طبيعي للطلب على موارد الإقليم تبعاً لتزايد السكان وتنامي الثروة الحيوانية، يقابله تدهور البيئة الطبيعية وتخلف أساليب وعلاقات الإنتاج والأرض المعهودة عن استغلال هذه الموارد بما يضمن تحقيق مطلوبات التنمية الاجتماعية والسلم الأهلي. إذا صح ما سبق فإن الاكتفاء بالمدخل الجنائي إلى مسألة دارفور، أي لهب حريقها دون حطبه، يتيح كل الفرصة لمرور أجندة الطبقة الحاكمة ودارفور تشهق من شدة محنتها سبياً مستسلماً لخطة (الرأسمالية الطفيلية). 

يوليو 2007م