نحو إمكانية سلام عادل  ودائم  وشامل بالسودان

بقلم: د. منصور يوسف العجب

رئيس المنظمة السودانية لحقوق الإنسان

ونائب دائرة الدندر سابقاً

 
 

 

هذه الدراسة مهداة للشعب السوداني العظيم وللوطن الحبيب ، الذي لا أسوى شيئا بدونه

 myelagab@hotmail.com


 تنشر الديمقراطي في هذا الباب الفصل الثاني من الدراسة التي ستصدر في كتيب قريباً


 
 

الفصل الثاني

ب) دعائم السلام العادل والشامل والتسوية السياسية الشاملة:

قضايا الشرعية والفقر وحقوق الإنسان

نسبة لتعقيد وحدة الصراع وعمق الأزمة وتعدد أشكالها واتساعها بالسودان، فان السبيل الوحيد لحلها يكمن في نظرنا في تحقيق السلام العادل والشامل. فالمشاكل المعقدة والمتسعة والشاملة كما يقول المثل تحل فقط بطريقة شاملة. صحيح ان تحقيقها بهذه الطريقة اصعب من نهج المصالحة والاستيعاب، ولكنها تحقق نتائج  ثابتة ومتينة ودائمة.

لتصبح هذه التسوية شاملة وعادلة وفاعلة ، على الأقل نظريا، لابد لها ان تتصدى لجذور المشكلة التي تتجاوز النظرة الضيقة المرتكزة على معالجة الظواهر والأعراض (symptoms).

لابد في المقام الأول ان تهدف لحل النزاع بين الدولة والمجتمع، من خلال بناء المؤسسات والهياكل المرتكزة على الجماهير والتي تضمن المشاركة الحقيقية للمواطنين في القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

في هذا الخصوص لابد من التمييز بين مفهومين، قانوني وشرعي. ليس كل ما هو قانوني شرعي ، ولكن كل ما هو شرعي قانوني. ان عدم القدرة على فهم هذه الحقيقة الهامة، يؤدي في حالات كثيرة لتقنين أنظمة غير شرعية كما هو الحال  بالسودان من خلال الانتخابات الصورية التي يجريها النظام.

إن الشرعية باختصار شديد تعني الأحقية او الحق (rightfulness ) الذي يمنح الحاكم السلطة ويضمن انصياع المواطن لها كواجب وليس بسبب الخوف. فبغياب الشرعية كما هو الحال بالسودان الآن، يصبح الحفاظ على الحكم مرتكزا على العنف وتخويف الجماهير وترهيبها. يقول الفيلسوف الفرنسي روسو في العقد الاجتماعي عام  1792 " الأقوى لن يكون قويا كاملا ليستمر دوما سيدا، الا عندما يحول القوة لحق والطاعة لواجب".

ويركز البروفسير الإنجليزي ديفيد بيتهام من جامعة ليدز، على أن الأنظمة التي تحتكر السلطة فيها بواسطة الأقوياء وتعمل على اصطناع وتلفيق الأحقية بواسطة حملات العلاقات العامة وما شابهها لا تكون شرعية.

عليه هناك ثلاث شروط لتحقيق الشرعية :

ممارسة السلطة تحت سيادة القانون.

القوانين يجب ان تجد مبررات سنها بواسطة القناعات المشتركة بين الحاكم والمحكوم.

يجب ان تكون الشرعية محسوسة (must be demonstrated) من خلال تعبير الجماهير بإجماعهم عليها . وهذا  يعني انه لكي تصبح الأنظمة شرعية، لابد ان تحكم من خلال الإجماع الشعبي.

فقدان هذه الشروط يقود لازمة الشرعية التي يتحايل عليها النظام بالهيمنة والسيطرة الأيديولوجية وممارسة البطش والاضطهاد للمعارضين. ولكن المتابع للتاريخ يتبين له بان ليس هنالك نظام استطاع أن يستمر في الحكم من خلال ممارسة القمع وإثارة المشاعر مهما بلغت قوته الأمنية .

وعلى عكس هذا النوع من الأنظمة، عادة ما تتبنى وتتبع الأنظمة الشرعية دساتيرا تشترك الجماهير في وضعها وإقرارها ، اشتراكا حقيقيا وليس صورياَ. هذه الدساتير النابعة من الإرادة الشعبية ، تمنح الشرعية بتقييد نشاط الحكومات بالقانون حيث تصبح الحكومة الممثلة حقيقة للجماهير حكومة دستورية، تمارس سلطاتها بعقلانية قانونية (legal rational ). بمعنى أن السلطة تصرح بالقانون الدستوري.

وفي نفس الاتجاه لابد من معالجة قضية الفقر ذات الارتباط الوثيق بالنزاع. كما ذكرنا سابقا ترجع أسباب هذه القضية أساسا للتوزيع غير العادل للدخول والسلطة. فالسيطرة غير المتكافئة على المواقع الهامة بواسطة الصفوة مقارنة بالجماهير العريضة، مع الضغط الناتج عن الممارسات التجارية (commercialization ) على القطاع شبه المعيشي، تخل بالتوازن بين النشاطات الاقتصادية والبيئية وتؤدي لانكماش قاعدة الموارد بالبلاد وتكرار المجاعات والنزاعات.

عليه لابد من قلب وتبديل هذه الأوضاع الداعمة للنزاعات. ان تحقيق ذلك يتطلب في المقام الأول تمكين (empowerment) الشعوب المهمشة خاصة النساء والنازحين ، وتقوية وتطوير منظمات المجتمع المدني في كل من القطاعين التقليدي والحديث ومشاركتها المباشرة والفاعلة في عمليات اتخاذ القرار وفض النزاعات وبناء السلام.

وزد على ذلك لابد من إشراك كل القوى المتصارعة في بناء جسور الثقة. نعني بذلك المسائل المتعلقة بالحقوق (rights) والاستحقاق (entitlement) لكل المواطنين كأفراد وجماعات ، وببناء المؤسسات المتسمة بالشفافية وبالمسئولية الجماعية نحو البلاد إذا أردنا أن نحافظ عليها ككيان (entity).

تحقيق كل ذلك لا يتوافق مع غياب سيادة القانون وانتهاك حقوق الإنسان كما نشاهده الآن.

بهذا المفهوم لابد من التركيز على تحقيق السلام العادل والشامل على احترام حقوق الإنسان بإلغاء القوانين المقيدة للحريات مع احترام حق المواطنة، وتبني الإصلاحات الدستورية وتحسين الفرص الاقتصادية للجماهير العريضة لتنعم بحياة افضل. فالديمقراطية لابد أن  تكون معاشه لتصبح مستدامة.

نعتبر الاتجاه نحو الوفاق الوطني اتجاها سليما لتحقيق السلام ، ولكن ذلك يتطلب اتخاذ خطوات هامة بواسطة الحكومة لتأكيد حسن النوايا.

خطوات تهيئة المناخ للوفاق الوطني:

إلغاء كل القوانين المقيدة للحريات السياسية والمدنية والحقوق القانونية والاقتصادية.

إلغاء قانون تسجيل الأحزاب.

 إلغاء حالة الطوارئ .

الاعتراف بالمعارضة وكل القوى السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني بالبلاد.

إطلاق سراح المعتقلين والسجناء  السياسيين. (نشيد بالخطوات التي اتبعت مؤخرا في ذلك).

إيقاف مطاردة الطلبة وصغار السن وتجنيدهم قسرا للقتال ولاستعمالهم كدروع بشرية .

حل كل المليشيات وأجهزة القمع الأمنية.

الموافقة على توسيع قاعدة المشاركة في المفاوضات وبناء السلام لتشمل كل القوى السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني وزعماء القبائل والكيانات الدينية والشخصيات الوطنية.

إرجاع المفصولين للخدمة.

المشاركة العريضة للمتخصصين في وضع المقررات المدرسية.

على المجتمع الإقليمي والدولي أن يتسما بالحياد في الضغط على كل أطراف النزاع لتتخذ خطوات جادة نحو السلام.

مواضيع هامة لابد من علاجها لتحقيق السلام:

من الضروري أن نوضح في البداية إن السلام الحقيقي الذي ننشده يعني وضعا تتم فيه إزالة كل الأسباب التي تخلق النزاعات، وتتوفر فيه التعددية بمفهومها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتحترم فيه الحقوق الأساسية للإنسان، ويتمكن فيه اللاجئون من العودة لديارهم من دون عقبات او تمييز. بمعنى آخر إن السلام ليس فقط وقفا لإطلاق النار على الرغم من أهميته. بل يتطلب تحقيقه اتفاقا سياسيا شاملا يسبقه. في هذا الخصوص هنالك ضرورة هامة لاعادة تعريف أسباب النزاع بصورة علمية وشاملة لتوفر الأرضية المشتركة للتفاوض والوفاق الوطني بين الأطراف المتنازعة.

لكن نجد وللأسف في مثل هذه الظروف المبشرة بالسلام ، أن يصر بعض أصحاب السلطة والذين يخشون من ضياعها نتيجة للتغيير المرتقب ، على التمسك بها واللجوء لأساليب القمع السياسي والتمترس  بالأيديولوجيات المتزمتة، ما يسميه أدب العلوم السياسية ( عقلية القلعة). هؤلاء عادة ما يقاومون الحاجة لاعادة تعريف الأسباب، وفي نفس الوقت يرفضون التغيير. هذا ما يحدث تماما الآن حيث اصبح بعض القائمين على السلطة اكثر عنادا، خاصة المنتفعون منهم والصقور الملطخة أياديهم بالدم. عمد هؤلاء على تثبيت وتوسيع عقلية القلعة وممارسة الاستقطاب بصورة تآمرية حادة، خوفا من مغبة التغيير لفقدانهم الشرعية. هذا  الأمر لا يقتصر على أصحاب السلطة وحدهم بل يشمل بعض المعارضين - وهم قلة - الذين يتهيبون التغيير الديمقراطي من خلال عملية السلام العادل والشامل التي تضر بمصالح بعضهم.

تؤكد التجارب الإنسانية المشابهة في فض النزاعات ، آن الحل يكمن في ضرورة عزل وإزاحة  هذه الجماعات العنيدة التي تعرقل وتقف سدا منيعا أمام تحقيق السلام.

عليه من المهم أن نفهم المصالح الحقيقية للفاعلين (players)، لمعرفة آن كانت لهم مصالح شخصية في استمرار النزاع نسبة – كما ذكرنا سابقا- لخوفهم من السلام الذي يشمل التغيير من خلال انتخاب الآخرين ديمقراطيا.

على ضوء ما سبق نضع رؤوس المواضيع التالية التي يجب ان تحسمها المفاوضات والإجماع الوطني:

الدستور وعدم استغلال الدين في السياسة.

لا أحد منا ينكر مكانة الدين في مجتمعنا. ولكن من المهم أن ندرك أن مسألة العقيدة الدينية لا يمكن حسمها بأي حال من الأحوال على أساس مبدأ الأغلبية والأقلية.

قناعتنا ان هنالك حاجة ماسة في بلد متعدد الثقافات والأديان والأعراف وليبقى موحدا، لابد من عدم استغلال الدين في السياسة. وحدة الدين واللغة والعرق لربما تكون عوامل مساعدة للتوحد ولكنها ليست بالعامل الحاسم. ( decisive factor for unity).

إن كانت هي العامل الحاسم، لما حدث ما حدث  بالصومال.

إذن علينا أن نبحث عن العوامل الأساسية للتوحد في المصالح المشروعة وفي الحقوق والواجبات التي يحددها برنامج حد أدنى وطني ديمقراطي ، أساسه الدولة المدنية المرتكزة على دستور جديد يقره اهل السودان ويمنع استغلال الدين في السياسة.

من المهم ألا يتعارض هذا الدستور مع القوانين والأعراف الدولية لاحترام حقوق الإنسان وان يضع في الحسبان خصوصية المجتمع  السوداني في ذلك.

في تقديرنا ما ينشده أهلنا هو اتباع القيم الحميدة للأديان السماوية المتمثلة في الوصايا العشرة. هذه القيم يمكن نشرها بواسطة منظمات المجتمع المدني ، إسلامية كانت أم مسيحية، مع دور محدود للمؤسسات العامة الرسمية كما كان معمولا به قبل وصول النظام الحالي للسلطة . في هذا الخصوص نقترح إنشاء وزارة للأديان بدلا عن وزارة الأوقاف.

يجب أن نوضح أن الدستور الحالي بالسودان ليس هو نفس الوثيقة التي قدمتها اللجنة الفنية. فلقد عدلت تلك الوثيقة لاعتبارات حزبية وسياسية ، وشمل على ضوئها الدستور العديد من المواد التي أعطته صبغة دينية معينة. كما أن الاستفتاء الشعبي الذي اجري حوله افتقد عنصرا هاما لهذا النوع من الاستفتاءات. إن الاستفتاء الدستوري يختلف أساسيا عن الاستفتاء السياسي. فبينما تختصر الاستفتاءات السياسية في الغالب على سؤال محدد تتطلب الإجابة عليه بلا أو نعم كما حدث بفرنسا حول استمرار او عدم استمرار الرئيس الفرنسي ديجول في الحكم، تتطلب الاستفتاءات الدستورية حملات توعية وإعلام لشرح المواد القانونية المعقدة  في الدستور. هذه المسالة تصبح اكثر أهمية في المجتمعات التي تسود فيها الأمية كالسودان ، وتتطلب في المقام الأول مناخا ديمقراطيا لعكس وجهات النظر المختلفة حول مواد الدستور والمشاركة في صياغتها النهائية. السؤال هل تم ذلك بالسودان؟ الإجابة بالطبع لا.

عليه نقترح قيام مؤتمر قومي دستوري في الفترة الانتقالية تشترك فيه كل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وتتبعه حملات توعية للجماهير بمحتواه قبل عرضه للاستفتاء الشعبي.

لذلك نتحفظ على الفرضية التي ارتكزت عليها مشاكوس قبل إجراء الاستفتاء، بتقسيم السودان على أساس ديني كشمال وجنوب ونعتبرها تراجعا عن إعلان المبادئ المنصوص عليه في مبادرة الإيقاد، وتتعارض تعارضا صريحا مع مبدأ المواطنة كأساس للحقوق والواجبات وعدم استغلال الدين في السياسة.

نظام الحكم السليم (good governance):

في تقديرنا ان انسب نظام لحكم السودان هو النظام البرلماني الديمقراطي في إطار حكم فيدرالي حقيقي تشارك فيه الجماهير على كل المستويات المحلية والإقليمية والمركزية.

الجمهورية الرئاسية في نظرنا لا تتناسب مع السودان لاسباب أهمها:

تعدده العرقي والديني والثقافي يجعل من الصعوبة توفر الإجماع المناسب حول أي رئيس منتخب بنسبة تفوضه لحكم السودان. ففي تقديرنا في ظل هذه التعددية لن يحظى أحد على أكثر من ثلث أصوات الناخبين في إنتخابات رئاسة الجمهورية إذا تمت على أسس ديمقراطية. مدلول ذلك معارضة قطاع عريض له منذ اللحظة الأولى، مما يعقد إمكانية حكمه واستقرار البلاد. الشيء الذي يعزز من قولنا هذا ، ليس بالسودان مانديلا آخر في الوقت الحاضر.

الشي الآخر الهام ربما تؤدي الجمهورية الرئاسية لعزل الآخر بسقوطه لغياب البدائل الأخرى كما في الديمقراطيات البرلمانية من إمكانات للمعارضة السلمية داخل البرلمان، او الائتلاف الحزبي أو اللجوء لصوت الثقة. في هذه الحالة ربما يلجا من يجد نفسه معزولا خارج حلبة السياسة، للعنف كخيار وحيد.

الجمهوريات الرئاسية والتي شهدها السودان تؤكد تبعية الجهازين التنفيذي والتشريعي للرئيس. فتعيين الوزراء وفصلهم مثلا يتم بواسطة الرئيس الذي لديه السلطة العليا بالبلاد. ففي هذه الحالة يبصم الوزراء فقط على القرارات الرئاسية خوفا على مواقعهم مما يضعف من الممارسة الديمقراطية. والعكس يحدث إلى حد ما في الديمقراطيات البرلمانية حيث يستمر الوزير المعزول نائبا بالبرلمان رافعا صوته.

بالجمهوريات الرئاسية نجد إمكانات ممارسة صوت الثقة ضد الرئيس ضعيفة جدا او معدومة  مقارنة بالديمقراطيات البرلمانية، مما يفاقم من الأزمات  ويعقد من حلها. في تاريخنا المعاصر لم تحدث إقالة رئيس ديمقراطيا ، إلا في حالتين ، الأولى في حالة الرئيس الأمريكي  السابق نيكسون والثانية في حالة الرئيس الاندونيسي السابق وحيد.

عادة ما يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة. هذه المسالة في غاية الخطورة  في غياب خدمة مدنية قوية تتسم بالكفاءة الفنية كما هو الحال في معظم الدول النامية والسودان على وجه الخصوص بعد حملات التطهير الشرسة للخدمة المدنية. ان غياب الخدمة المدنية ذات الكفاءة ، يصعب معه تحجيم القرارات السياسية الفردية غير المرتكزة على المعرفة العلمية.

إن الحديث عن تجربة الجمهورية الفرنسية الخامسة باعتبارها نموذجا يمكن احتذاؤه في السودان، يفتقد للفهم العلمي السليم لمضمون تلك التجربة والظروف التاريخية التي نشأت فيها. فالجمهورية الفرنسية الخامسة تركز صلاحيات وسلطات واسعة في يد رئيس الجمهورية ، والتي من بينها حل الجهاز التشريعي. فقد  ساعدت ظروف تاريخية معينة في إقرارها، ويتمثل ذلك في إعطاء صلاحيات واسعة للرئيس السابق ديجول لمواجهة تمرد الجنرالات الفرنسيين بالجزائر ومعارضتهم لاستقلالها. ولكن ما يميز فرنسا عن السودان المستوى العالي للتعليم للمواطن الفرنسي ، علما بان التعليم بفرنسا بالمجان، والمستوى العالي للوعي بالحقوق الأساسية للمواطن المرتبط بدرجة المعرفة والتراث الموروث عن الثورة الفرنسية، والخدمة المدنية القوية  ذات الكفاءة ، ونظام الحكم المحلي والإقليمي الديمقراطي المتأصل بفرنسا، والمستوى الرفيع لمنظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان. يجب أن نتذكر أن الفيدرالية العالمية لحقوق الإنسان مقرها فرنسا. لم يكن ذلك بمحض الصدفة ، بل يرجع  للصراع الطويل لتثبيت حقوق الإنسان كمبدأ إنساني أصيل.  زد على ذلك أن فرنسا عضو بالمجموعة الأوروبية والتي تمثل فيها المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان المرجعية العليا في قضايا حقوق الإنسان.

طبيعة القيادات السودانية الأبوية ، عسكرية كانت ام ديمقراطية، تعشق الانفراد بالسلطة والقرار السياسي. فمجلس السيادة الذي يعتبر من انسب التجارب لبلد كالسودان، حيث الرئاسة الدورية، للأسف خرق هذا التقليد الديمقراطي باستبداله بالرئاسة الدائمة مرتين تحت نظم ديمقراطية. هذه الرئاسة الدورية لمجلس السيادة سمحت بان يرأس السودان شخص غير مسلم في وقت من الأوقات وكان ذلك أمرا طبيعيا.

وفي نفس الاتجاه ، رأس الجمعية التأسيسية الأخيرة رئيسان ، على الرغم من إحترامنا الشخصي لهما ، لم يوفقهما الحظ في الانتخابات للدخول للجمعية التأسيسية، وكان ذلك قرارا فوقيا تم  تلطيفه بالأغلبية الميكانيكية لحزبي الائتلاف بالجمعية التأسيسية في معادلة تقسيم الحقائب السيادية بينهما وتعامل بسذاجة مع الدستور الذي يسمح بتعيين أي شخص لرئاسة الجمعية بغض النظر إن كان نائباً أم لا .

من المهم أن نتذكر أيضا إصرار القيادات الحزبية الحاكمة في فترة الديمقراطية الثالثة، على عدم إجراء الانتخابات للجان الشعبية بالمجالس المحلية خوفا من فوز التيار الإسلامي بالمدن. وعليه لم تقم تلك الانتخابات أبدا ، بل بدلت بتعيين عضويتها من الأحزاب الحاكمة حتى في المناطق التي لم تفز فيها هذه الأحزاب ، والتي فاز فيها بدلاً عنهم مستقلون.

وأخيرا تجارب السودان المريرة تحت نظم الجمهوريات الرئاسية.

إن الديمقراطية في الحكم التي ننشدها هي أوسع من أن تقتصر على التمثيل النيابي للأغلبية الذي عهدناه، بل يجب ان تتعداه لنظام التمثيل النسبي. كما لابد من أن تتسم بالشفافية والمحاسبة واستقلال القضاء والمشاركة الشعبية الحقيقية.

أهمية النظام الفيدرالي:

لابد من تبني نظاماً فيدرالً حقيقيً ، يتجاوز الفهم الضيق الانتهازي والاستغلالي للفيدرالية كأداة لتكريس القبضة الأمنية وزرع الجيوب من عملاء النظام والمركز ، لزعزعة الاستقرار بالأطراف وإخضاعها بصورة أشرس وأقوى للمركز بالحفاظ على مصالح النخبة وتركيزها وتقنينها.

إن المطالبة بالنظام الفيدرالي تجد مبررها في تآكل الدولة المركزية، وتراجعها عن مسئولياتها التاريخية وفقدان الثقة فيها، وفي ارتفاع الأصوات في مناطق مهمشة كثيرة مطالبة بنوع حكم جديد يختلف اختلافا جذريا عن القديم الذي عهدوه. يجب ان يكون واضحاً بأن غالبية سكان الأطراف  لن تقبل باستمرار حكمهم من المركز كما كان سابقا، ولا من خلال الصيغة المشوهة للحكم الفيدرالي التي تعمل على خلق عملاء للنظام بالأطراف كما هو الحال الآن. إن النظام الفيدرالي  ، في نظرنا سيساعد في حسم إشكالية الصراع على المركز والذي كان يحسم تاريخياً لصالح القوى التقليدية على الرغم من الحالات التي تم فيها تبني نظام الدوائر المهنية في بعض الأوقات . فالدوائر المهنية على الرغم من أهميتها ، إلا أنها لم تغير من توازن القوى  داخل البرلمان . كما أنها إجراء يتعارض مع مبدأ (صوت واحد لشخص واحد) (one man, one vote). لذلك نرى أن نظام الحكم الفيدرالي السليم والديمقراطي ، سيساعد في حسم هذه الإشكالية بصورة إيجابية من خلال المشاركة في القرار على المستويين القاعدي والمركزي ، مما يقلل من أهمية الصراع  للسيطرة على المركز . (راجع بروفسير بيتر وود وورد ، عام 1994).

إن الفيدرالية التي ننشدها تعنى بالعلاقة بين البشر وليست الأشياء . وبهذا الفهم تتجاوز الفضاء الجغرافي او الطبيعي ، لتشمل الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى ، بهدف إصلاح الاختلالات والتشوهات لمجمل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية لتمكين المهمشين وهم الأغلبية العظمى ، ورفع درجة استحقاقهم. لذلك تستوجب تبني الإصلاحات المؤسسية لتوسيع الخيارات المادية والمعنوية للمواطنين، ولزرع ثقافة التسامح واحترام الإنسان لأخيه الإنسان بغض النظر عن العرق او النوع او الدين ، ولرفض ومحاربة ثقافة العنف واحتكار الحقيقة ان كانت دينية ام سياسية. ان تمكين المهمشين بالأطراف ورفع استحقاقهم يستوجب التوظيف المنتج للفقراء ، وزيادة الاستثمارات في قطاع الزراعة التقليدية والقطاعات غير الرسمية (informal sector)، وتوفير السبل والوسائل لوصولهم (access) للخدمات الأساسية والقضاء مع خلق المؤسسات التي تمكن الفقراء من المشاركة الفاعلة في التنمية، وإعادة توزيع الدخول لصالحهم مع توفير الاحتياجات الأساسية لهم وضمان حقهم في  الملكية خاصة في الأراضي الزراعية مما يستوجب إصلاحا زراعيا حقيقيا يتعدى توزيع الرقع ليشمل عمليات الإنتاج والتسليف الزراعي والتسويق والترحيل والتخزين وتوفير البنية التحتية والإرشاد الزراعي والرعاية البيطرية وحماية البيئة، ودعم مدخلات الإنتاج كالبذور والالات، والصحة الأولية.

أهمية إصلاح وتطوير القطاع التقليدي وضبط الممارسات الضارة للزراعة الآلية لنجاح الحكم الفيدرالي :

في الحقيقة يعتبر قطاع الزراعة التقليدية المطرية المتمثل في المزارع المطرية الصغيرة بالريف ، ضحية للسياسات الزراعية الداعمة للزراعة المروية والآلية بهدف تحقيق أعلى قدر من الإيرادات. لقد عمدت الحكومات المتعاقبة على حكم السودان، على فرض الضرائب على منتجات القطاع الزراعي التقليدي كالصمغ العربي مثلا مما اضر بالإنتاج . هذه العملية أثرت سلبا على دخل الأسر بالريف، وعملت على عدم تشجيع زراعة الهشاب الذي يعتبر صديقا للبيئة لمحافظته على التربة ومنعه للتصحر، كما عملت على حرمان البلاد من مورد هام للعملات الصعبة. وفي بعض الحالات عملت السياسات الزراعية على تقويض جدوى الزراعة الصغيرة في غرب السودان لتشجيع هجرة العمالة الرخيصة لمشروع الجزيرة ومشاريع الزراعة الآلية.

ومن المهم أن نعلم أن نجاح نظام الحكم الفيدرالي ، ليس مرتبطا فقط بالتقنين الدستوري له على الرغم من أهميته ، بل لابد أن تتوفر له الإمكانات المالية والبنية التحتية ليكون ذا جدوى.

عليه لابد من معالجة العديد من المواضيع لضمان نجاحه والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

أ) تحديد السبل التي تتبعها الحكومة الفيدرالية لتوزيع الإيرادات لحكومات الولايات . إن التجارب السابقة في إساءة استعمال الموارد المالية بواسطة الحكومات الإقليمية ، تتطلب ضوابطا صارمة على حق التصرف الولائي والمركزي في هذه الإيرادات. ويعتبر الدستور الفيدرالي من أهم الضمانات لذلك ، خاصة اذا علمنا ان المعادلات السابقة للحكم اللامركزي والتي حافظت على سلطات المركز في توزيع الإيرادات للأقاليم ، كانت من أهم الأسباب لفشل تلك التجربة. عليه لابد من وضع المعادلات السليمة (formulae) لتوزيع الدخل ، والدين (debt) ، وضمان الإئتمان (credit guarantees) ، مع الإلتزام الصارم بتحديد حد أدنى من الإيرادات والإنفاق لكل مستويات النظام الفيدرالي . (راجع K. Wolmuth، Alternative Strategies for the Sudan، Short cut to decay، 1994، Page 238).

ب) لابد من الاتفاق على نظام تتقاسم فيه الأدوار بين الحكومة الفيدرالية والولائية في التفاوض المباشر مع المانحين الأجانب. توضح التجارب ان هناك بعض العون الخارجي يستوجب التعامل معه بواسطة الحكومة الفيدرالية، بينما البعض الآخر يمكن التعامل معه مباشرة  بواسطة الحكومات الولائية كمشاريع المنظمات غير الحكومية، وصندوق الصرف على إعادة التعمير في مناطق الحرب، وبعض المساعدات من خلال الاتفاقيات الثنائية والمتعددة. أما صندوق النقد والدول الدائنة  في نظرنا، ستصر على التعامل مع الحكومة الفيدرالية. وذلك لان الدعم المقدم من جانبهم مرتبط باسترداد الديون، وبالسياسات النقدية والضرائبية، كما هنالك مسائل أخرى يتم حسمها فقط بواسطة الحكومة الفيدرالية. من الممكن ان تكون لحكومة الجنوب مثلا السلطات في الدخول في مفاوضات مباشرة مع المانحين كما جاء في مقترحات الحركة الشعبية . لكن في تقديرنا سيواجه هذا الأمر بإصرار الدول المانحة على الاتفاق مع الحكومة الفيدرالية في بعض المسائل المرتبطة بالديون والسياسات النقدية والضرائبية الخ... ولكننا نعتقد في نهاية المطاف ستحتفظ الدول المانحة بالخيار في التعامل مع أي من الجهتين.

ج) لابد من توزيع الإيرادات من صادرات الثروة المعدنية والبترولية والزراعية بصورة تفضيلية للمناطق المهمشة ومناطق الإنتاج، بإعادة استثمارها فيها مع توفير الخدمات الأساسية في هذه المناطق.

د) هنالك مسألة أخرى هامة غير متعلقة فقط بالعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولائية،  بل  بتداخل النشاطات بين الولايات المرتبط بالفضاء الاقتصادي المشترك. يعتبر التعامل معها بعلمية باتباع نهج التخطيط الإقليمي للتنمية، من اهم الوسائل في تكامل التنمية وتوازنها بين الولايات ذات النشاطات المتداخلة والفرص المتفاوتة، كما ستساعد في تعبئة الفوائض الاقتصادية وتوجيهها بصورة علمية للاستثمارات الإنتاجية المشتركة بين الولايات ذات العائد الحقيقي للمواطن.

لذلك نقترح قيام مؤتمرات تنمية إقليمية حقيقية تشارك فيها كل الجماهير على أسس ديمقراطية.

العمل الجاد على جذب استثمارات القطاع الخاص للأطراف. من المعوقات التي  تواجه  ذلك ، غياب او ضعف البنية التحتية . عليه لابد من العمل الفوري  على إعادة تعمير القائم منها، خاصة المواصلات كاسبقية عليا.وذلك بتحسين السكك الحديدية، والطرق السريعة بما فيها الطرق المغذية (feeder roads) من وإلى مناطق الإنتاج الزراعي والنقل النهري والجوي بين الولايات، بالإضافة للاتصالات السلكية والتي شهدت تحسنا ملحوظا تحت النظام الحالي.

عليه نقترح في حالة عدم  توفر الإمكانات للدولة او توفر العون الخارجي ، أن تدخل الدولة في شراكة مع القطاع الخاص لتحسين البنية التحتية.

كما نقترح أيضا نوعا من الإعفاءات الضرائبية ، كحافز للقطاع الخاص للإستثمار  بالولايات . من المهم أيضاً إتخاذ الإجراءات اللازمة لتطوير شريحة رجال الأعمال ، خاصة بالولايات النائية لانعدامها فيها، من خلال دخول المصارف معهم في مشاريع مشتركة. كلنا يعلم ان الريف السوداني عانى من غياب الخدمات المقدمة من القنوات الرسمية للتمويل ، ولكننا نرى ان نموذج التسليف الإسلامي بالمشاركة في الربح والخسارة  وبالتحديد المشاركة في المخاطرة (risk sharing) قد يكون صيغة ملائمة ، لذلك نوصي بان يوضع في الاعتبار بشرط التخلي عن توجهه الأيديولوجي. كل ذلك يتطلب تطوير وسائل الاتصال والخدمات المصرفية.

وليلعب القطاع الخاص دورا هاما في تنمية هذه المناطق المهمشة كما ذكرنا سابقا، لابد أيضا من اتخاذ الإجراءات التالية الهامة:

أ) ضرورة فك الرباط بين الجيش والمصالح التجارية. هذه مسالة في غاية الأهمية لان ترابط المصالح بين الشركات التجارية الخاصة والقوات النظامية وأجهزة الأمن، يصعد من إمكانات القهر والنشاطات غير القانونية، ويعزز من زعزعة الاستقرار. كما ان دخول رجال القوات المسلحة والأمن في العمليات التجارية وبحثهم عن الأرباح، يضعف من حيدة ومهنية القوات المسلحة مما يهدد استقرار النظم السياسية الديمقراطية مستقبلا. عليه لابد من فرض القيود على الضباط الذين يمارسون النشاطات التجارية. كما من المهم أيضا الرجوع للضوابط الصارمة التي كانت متبعة في فرز العطاءات للإمداد.

ب) من المهم أيضا تبني ميثاق سلوك للمستثمرين (code of conduct for investors). يجب ان يغطي الميثاق الجوانب التالية:

قوانين لعلاقات العمل تحترم حقوق النقابات، والسلامة  في العمل وعدم التمييز في التوظيف.

حماية البيئة وفرض العقوبات عند الأضرار بها.

على المستثمر الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمواطني مناطق الاستثمار.

الالتزام باحترام حقوق الإنسان.

الامتناع عن استعمال قوات الأمن الخاصة او المرتزقة، او المليشيات الخاصة لحماية  الاستثمارات. يجب الاعتماد فقط في ذلك على الشرطة وشركات الحماية المعترف بها.

كما هو معلوم القوانين وحدها لا تكفي. لذلك من المهم تطوير دور منظمات المجتمع المدني لتكون رقيبا على نشاطات القطاع الخاص. وفي نفس الاتجاه ولعلمنا بان بعض الاستثمارات ذات الربح السريع خاصة في مجال التعدين تجذب بعض الشركات الرأسمالية الناهبة و غير المنضبطة (bandit capitalists)، نقترح تدريب بعض الصحفيين في الشؤون المالية والاقتصادية لكي يتحققوا من تجاوزات بعض الشركات بصورة مهنية رفيعة.

من المهم أيضا ضرب بؤر الفساد والفاسدين على كل المستويات، مع العمل الجاد على الحفاظ على الثروات الوطنية المستخدمة والكامنة منها والعمل على تعبئتها وتوظيفها توظيفا علميا لدفع عجلة التنمية المستدامة التي تستهدف في المقام الأول الإنسان وتحسين أوضاعه المعيشية.

كما ذكرنا سابقا لقد تفشى الفساد تفشيا خطيرا بالبلاد ، خاصة الفساد البيروقراطي. ارتبط ذلك الى حد كبير بغياب سيادة القانون وبالمرتبات الضعيفة، والخوف الشديد من التشريد وضياع الوظيفة لاحادية النظام والضغط على حجم القطاع العام ، والتسلط واللوائح المتشددة اكثر مما يلزم، واغراءات الرشاوى بواسطة رجال الأعمال في ظل ظروف المعيشة القاسية.

علاج ذلك يستوجب وضع برنامج شامل لمواجهة هذا الخطر والذي يجب ان يشتمل على الآتي :

احترام سيادة القانون واستقلال القضاء.

تفعيل دور منظمات المجتمع المدني.

إصلاح نظام المرتبات والأجور ودفع الحوافز على أساس الكفاءة  

Paying efficiency wages)). راجع ((Dilip Mookherjee, combating the crisis in government accountability, Boston University, No 117, 2001. ).

إصلاح نظم الرقابة (reform monitoring systems ).

لصعوبة المحاسبة الداخلية ، لابد من تبني نظم أخرى والتي من أهمها اللامركزية السياسية والمدنية باشراك القواعد في تحديد المشروعات ووضع الميزانيات، ومراقبة الأداء والمتابعة. في هذا الخصوص ، لابد من ان تكون اللجان الشعبية المنتخبة ديمقراطيا بالمجالس المحلية صاحبة القرار في وضع السياسات العامة واتخاذ القرارات لاختيار المشروعات، وعلى ان يقتصر دور الضباط الاداريين على تنفيذ القرارات وتوفير الخبرات الفنية. ان تجارب السودان تشير لعكس ذلك، حيث يهمش الضباط الإداريون دور اللجان الشعبية. من المهم ان يكون رئيس المجلس المحلي كما معمول به في الدول الديمقراطية الشخص المنتخب والذي يمثل الأغلبية وليس الضابط الإداري الأول بالمجلس المحلي. دور الضابط في جلسات المجلس هو بمثابة المقرر الذي عليه ان يتابع تنفيذ قرارات اللجنة الشعبية للمجلس وليس رئيسا لها وعلى ان  يكون محاسبا من قبلها.

توفير المعلومات وتسهيل عملية الوصول لها ، خاصة المرتبطة بالمسائل المالية . يجب على الجهاز التنفيذي ، المركزي والإقليمي والمحلي ان ينشر تقارير دورية عن أدائه المالي وعن الأموال الموجهة للمشروعات من المركز للإقليم والمحلية.

خفض السلطات الحكومية على القطاع الخاص، بتبني آليات اكثر مرونة وشفافية في إصدار التراخيص.

إنشاء مكتب للرقيب العام (ombudsman) ليلجأ له المواطن المتضرر من القرارات المجحفة والعشوائية من قبل الموظفين.

على السياسيين قبل تبنيهم للمناصب السياسية، ان يعلنوا دخلهم وممتلكاتهم واي مصالح تجارية أخرى لهم.

يجب ان تكون مسئولية التفاوض حول العقودات الحكومية ورخص الاستيراد والتصدير والبرتكولات التجارية بين الدول، هي مسئولية لجان تمثل فيها مع الجهات الرسمية الأخرى وزارة المالية وديوان النائب العام وديوان المراجع العام. بمعنى اخر، يجب الا تكون مسئوليتها حكرا لشخص منفرد وان كان وزير التجارة الخارجية، تجنبا للانفراد بالقرار الذي ربما يفتح الباب للفساد.

وضع الأسس والضوابط التي تضمن الشفافية وتضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.

إعادة هيكلة جهاز الدولة:

ونعني به الخدمة المدنية والقوات النظامية. كما ذكرنا سابقا لقد عمد النظام الحالي إلى إفراغ جهاز الدولة من غالبية الذين لا ينتمون له بتبنيه نظاما آحاديا ، حزبيا، وعقائديا لا سابق له بالسودان. كما عمل على استبدال الكوادر المؤهلة بعناصر حزبية تقل تأهيلا وخبرة. النظام الحالي اتبع نهج الفاعلية (effectiveness) في تحقيق الهدف ولم يأبه بالكفاءة (efficiency) في الوصول للهدف بأقل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية. استمرار هذا الوضع نتج عنه سوء في إدارة الاقتصاد وتفشي الفساد واعادة توزيع الدخول بصورة غير عادلة، عمقت من تهميش الأغلبية في البلاد وأعاقت الاستقرار السياسي وتحقيق السلام. إن الأمانة العلمية تتطلب نقد وإدانة ممارسات التطهير التي مارستها الأنظمة السابقة وتسيسها لجهاز الخدمة المدنية حتى في النظم الديمقراطية.

عليه  لابد من إعادة هيكلة جهاز الدولة على أسس وطنية، ودراسات علمية يتفق حولها، وبإرجاع كل المفصولين عن العمل او تعويضهم خاصة الذين بلغوا سن المعاش.

إصلاح قطاع الخدمات بما فيه القطاع غير الرسمي (informal sector):

يمثل قطاع الخدمات حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي، اي ما يزيد عن مساهمة القطاع الزراعي فيه. وعلى الرغم من ركوده بصورة عامة ، الا ان بعض قطاعاته تنمو نموا سريعا كمجالات تجارة التجزئة (القطاعي) ، والاتصالات السلكية ، والخدمات المالية، والتعليم والتدريب الخاص، والملاهي ، والفنادق والخدمات الأخرى كالإنترنت والبريد الإلكتروني والتي يتوقع لها ان تتسع في المستقبل. من المهم تكامل هذا القطاع مع القطاعات الإنتاجية الأخرى من خلال الاستراتيجيات والبرامج. وكما هو معروف يتمركز القطاع الرسمي للخدمات (formal service sector) في المناطق الحضرية، ويتسم بكثافة الواردات فيه (import intensive) وكثافة المهارة العالية (skill intensive) . ولكن على الرغم من انه يوفر فرصا واسعة لتطوير المهارات لرجال الأعمال بالمدن، إلا ان النمو في هذا القطاع لا يتوقع منه أن يؤثر أثراً مباشرا على إزالة الفقر ، مع تسليمنا بأهمية اتساع شبكة الاتصالات الهاتفية لخارج المدن مما يساهم في تخفيف التفاوتات الإقليمية ويسهل تحويلات المغتربين المالية لذويهم بالريف.

 أما القطاع غير الرسمي للخدمات (informal sector) فيمثل جزءً كبيراً من الاقتصاد الوطني، ويشتمل على نشاطات لرفع دخل الفقراء. تمثل هذه النشاطات شريان الحياة بالنسبة للأعداد الكبيرة من قطاعات الفقراء الواسعة بالبلاد. وتعتبر بذلك من اهم الآليات للبقاء ومواجهة المجاعات. وعادة ما تشتمل هذه النشاطات بالريف على العمالة في المزارع الصغيرة المملوكة للقرويين الأقل فقرا، وعلى بيع الحطب وفحم الحطب للوقود والبناء والأعشاب والبرسيم كعلف الحيوانات، وعلى جمع وبيع ثمار الأشجار الخلوية، وعلى حمل وتوزيع المياه، وعلى العمالة المنزلية على أعمال أخرى مشابهة. هذه النشاطات من الممكن ان تعين أعدادا قليلة بالريف في الظروف العادية. اما في ظروف نقص الغذاء ، فالطلب على هذه الخدمات ومنتجاتها ينخفض في الوقت الذي يزداد عرضها. يجب ان نعلم أيضا ان هذا القطاع لا يقتصر فقط على الريف، بل ينتشر بصورة واسعة في المدن . كما انه لا يقتصر على الفقراء . فهنالك العديد من أفراد الطبقة الوسطى من المهنيين العاملين في جهاز الدولة  يضطرون للعمل في هذا القطاع في وظائف موازية لوظائفهم كسائقي سيارات أجرة، او باعة. ولكن الغالبية التي تعتمد على هذا القطاع هي الفقراء، خاصة النازحون الذين يوفرون عمالة رخيصة في مجال التشييد ، ويعملون كباعة متجولين. واجه هذا القطاع إجراءات تعسفية من قبل الحكومة، ولكنها لم تنجح في الضغط عليه، وعلى العكس تولد عن ذلك الضغط تحايل على القانون وتشجيع لافساد القائمين على تنفيذه. فعادة ما يتحايل أفراده على نظم الرقابة ، اذا توفر العرض والطلب.

عليه نرى من المفيد في المدى البعيد، التسامح معه وتشجيعه. وذلك للفوائد التي يمكن أن تجنيها الدولة إذا تراكم فيه رأسمال كاف يساعد في تحوله للقطاع الرسمي، او إذا انتعش بالقدر الذي يشجع أفراده على تسجيله للاستفادة من الحماية والفوائد التي تتبع ذلك ، وبالتالي دفع الضرائب والرسوم كمقابل.

لذلك نقترح ان تبنى السياسات الموجهة لهذا القطاع على الاعتراف بأهميته وتشجيع نموه.

من الإجراءات الهامة لتطوير هذا القطاع نقترح الآتي:

توفير التدريب المهني اللازم.

إعادة تعمير المناطق الريفية.

 تطوير الصناعات الصغيرة والحرف اليدوية.

كل هذه ستلعب دورا اقتصاديا هاما في تنمية القطاع غير الرسمي.

أهمية السياسة النقدية واصلاح النظام المصرفي:

أ) السياسات النقدية

تلجا الحكومات لاستعمال السياسات النقدية لتنظيم عرض النقود وعرض الائتمان (credit) ، ومستوى وتركيبة (structure) سعر الفائدة، بهدف تحقيق الأهداف الاقتصادية. ولكن تلعب السياسات النقدية في العديد من الدول النامية دورا اقل اهمية من السياسات الضرائبية، نسبة لضعف تطور المصارف والبنية المالية فيها.

عادة ما تهدف السياسات النقدية لشيئين:

التأثير على الطلب الكلي من خلال تنظيم أسعار الفائدة، وتوفير الائتمان وتوزيعه. هذا الدور يعني بالتركيز او الاستقرار (stabilization). لكن هنالك خلاف حول درجة تدخل الحكومات في سياسات التركيز للسيطرة على الأدوات النقدية، ودور السوق في ذلك.

كما للسياسات النقدية أيضا دور في تشجيع النمو. المهمة الأساسية هنا تتمثل في تحويل الموارد لأغراض الإستثمار  من المجالات التي لديها فائض في العرض للتي بها طلبً زائدً. وعموما يكون الدافع في عملية التحويل هذه، تحسين الربحية للاستثمار.

ان الوسيلة الأساسية لتطبيق السياسة النقدية هي من خلال التغييرات في عرض النقود. كما هو معروف يحدث التغيير في عرض النقود، عندما يحدث تغيير في الأساس النقدي         (monetary base) والمتمثل في حجم العملة المتداولة في الاقتصاد، واحتياطي المصارف التجارية بالمصرف المركزي ، إضافة لعملية خلق الودائع (deposit creation) بالمصارف التجارية. يجب ان نذكر ان عملية خلق الودائع بواسطة المصارف التجارية، مسالة في غاية الأهمية لعملية عرض النقود ومن المهم التحكم فيها.

ب‌)        أهمية النظام المصرفي:

يمثل النظام المصرفي عنصرا هاما في ادارة الاقتصاد من خلال السياسات النقدية المقررة للسيطرة على عرض النقود والمرتبطة بدور المصرف المركزي في ذلك، وعلاقته بالمصارف التجارية. هذه العلاقة ترتبط بالموجهات التي يفرضها المصرف المركزي على المصارف التجارية في تحديد حجم ودائعها الائتمانية، واحتياطياتها النقدية بالمصرف المركزي ، والنسبة القانونية بين الاحتياطي والودائع.

عادة ما يسيطر المصرف المركزي على عرض النقود من خلال حجم الائتمان الذي يوفره لقطاع المصارف والحكومة ، وبفرض الاحتياطي اللازم ، وبإقناع المصارف التجارية لتغيير سلوكها.

وللمصرف المركزي أيضا القدرة على تغيير الائتمان بإعادة النظر في التسهيلات المالية المقدمة للمصارف التجارية والمستحقين من المقترضين. يلجأ المصرف المركزي في تحقيق ذلك للحدود الائتمانية ، ولتعزيز احتياطي المصارف بالمصرف المركزي، ولسعر الفائدة المسمى بالفئة القاعدية (base rate).

إن اللجوء للفئة القاعدية ، يقصد منه تحديد مسار السياسة النقدية في واحد من اتجاهين. اما توسعي او انكماشي، وذلك برفع او خفض هذه الفئة. عليه يعمل المصرف المركزي على السيطرة على الائتمان من خلال الفئة القاعدية للمصارف. ففي حالة الرغبة في تقييد عرض النقود، يعمل المصرف المركزي على رفع هذه الفئة للمصارف التجارية. ومن الوسائل المتاحة ايضا  للمصرف المركزي للتأثير على الائتمان ، هي بيع السندات الحكومية.  تتوقف فاعلية هذا الإجراء على مستوى سوق السندات ونوعيته.

وسيلة اخرى للمصرف المركزي، هي التمويل بالعجز للحكومة، باعتبار المصرف المركزي مصرفا للحكومة. فعادة ما تلجا الحكومة لتمويل عجز الميزانية بالاستدانة من المصرف المركزي.

ان لجوء الحكومة للمصرف المركزي لتمويل منصرفاتها ، يؤدي  لزيادة العرض المحلي للنقود من خلال الدفعيات (payments) للسلع والخدمات. ولكن الأثر على عرض النقود الكلي، يعتمد على حجم معامل أو مكثر النقود (money multiplier). من الممكن ايضا ان يؤثر المصرف المركزي على حجم العرض من النقود بتنظيم الاحتياطي المطلوب من المصارف التجارية، وبفرض السقوفات الائتمانية على المصارف التجارية لتقييد امكاناتها في خلق الائتمان.

ويمكن أيضا اللجوء لمعدل سعر الفائدة (interest rate)، الذي يلعب دورا هاما في السياسة النقدية بالتأثير على سلوك الادخار والاستثمار. لكن اللجوء لسعر الفائدة يواجه بمشكلتين:

الأولى ، تتعلق بتحديد مستوى سعر الفائدة، هل يكون عاليا او منخفضا؟  ففي حالة ارتفاع سعر الفائدة باعتبار الشح النسبي لراس المال ، ربما يساعد ذلك في تشجيع الادخار المحلي ولكنه سيضر بالاستثمار لانه يرفع من تكلفته.

المشكلة الثانية، ترتبط باستعمال سعر الفائدة كأداة للسياسة النقدية. فعلى الرغم من الرغبة في تخفيض سعر الفائدة لتشجيع الاستثمار ، لكنه عادة ما يتحقق ذلك من خلال زيادة كمية النقود والتي من الممكن ان تقود للتضخم. عليه فان التوسع النقدي من المحتمل ان يقود بدوره لسياسة نقدية اكثر تقييدا (restrictive monetary policy)، تقود لرفع سعر الفائدة، مما يقيد استعمال سعر الفائدة كاداة للتنمية الاقتصادية في المدى الطويل.

كل هذه الأدوات عادة ما تستعمل على درجات متفاوتة ، اعتمادا على وضع الأسواق المالية ومستوى تطور مؤسساتها. ولكن التجارب توضح ان أنجعها في الدول النامية هي وسيلة نسبة الاحتياطي (reserve ratio) لضبط عرض النقود.

من الضروري أن نذكر أيضا أن من الممكن أن تلجا الحكومة  للمصارف التجارية والقطاع الخاص في تمويل منصرفاتها.

ان لجوء الحكومة للاستدانة من المصارف التجارية  من الممكن ان يزيد من عرض النقود، في حالة زيادة المصارف التجارية لاعارتها للحكومة من دون ان تخفض سلفياتها للقطاع الخاص. ويمكن تحقيق ذلك اذا كان للمصرف المركزي الاستعداد في زيادة عرض الأصول الاحتياطية للمصارف التجارية او في حالة ان تكون للمصارف التجارية احتياطيات زائدة.

ان زيادة عرض الأصول الاحتياطية بواسطة المصرف المركزي ، عادة ما تنتج عن ضغط المصارف التجارية، او الحكومة او المصرف المركزي نفسه، لتخفيض الآثار المترتبة على مديونية الحكومة على سعر الفائدة او لتوفر التسليف لبقية القطاعات الاقتصادية. بهذه الطريقة يصبح الممول الحقيقي لدين الحكومة، هو المصرف المركزي ، لان زيادة عرض الأصول الاحتياطية يعني قرارا بالتدخل بين استدانة الحكومة وطريقة التسليف بالمصارف التجارية.

أما في حالة لجوء الحكومة للاستدانة من القطاع الخاص، فان ذلك لن يقود مباشرة لتغيير في عرض النقود، اذ ان الهدف الأساسي منه هو تحويل (displace) للاستهلاك والاستثمار الخاص. فالأثر الحقيقي له يعتمد على الموجهات للقطاع الخاص في تمويل الدين الحكومي. وفي هذا الخصوص تعتبر السندات طويلة الأمد ، والتي تمثل أصولا ذات سيولة منخفضة   (low liquidity) وعائداً عالياً (high yields)، اكثر فاعلية لتحويل المنصرفات الخاصة (displacing private expenditure) عن التي تعتمد الأدوات قصيرة الأمد.

من المهم ان ندرك أيضا ان عرض النقود في الاقتصاد المنفتح (open economy) يتأثر أيضا بالتغيير في مستوى الاحتياطي من العملات الصعبة. والمرتبط بالعجز او عدمه في ميزان المدفوعات، ونظام تحديد سعر العملة.

(راجع: Paul Cook and Colin Kirk Patrick, macro economics for developing countries, 1990).

من كل ما سبق ذكره تتبين لنا أهمية المصرف المركزي في السياسة النقدية وأهمية العلاقات المؤسسية والمنضبطة بينه وبين الحكومة والمصارف التجارية، لضبط التمويل بالعجز، والسقوف الائتمانية ، وعملية خلق الودائع بالمصارف التجارية (deposit creation)، تفاديا لزيادة عرض النقود وما يترتب على ذلك من تضخم مالي يضر ضررا بالغاً بإمكانات التنمية الاقتصادية بالبلاد.

من المهم ان نوضح ان عملية خلق الودائع بالمصارف كما ذكرنا سابقا، وعدم التقيد في بعض الأحيان بالسقوفات الائتمانية ، مع توفير التسهيلات المصرفية للبعض من عضوية الحزب الحاكم، لعبت دورا أساسيا في تمكين وتصعيد استحقاق الأقلية ، وفي تحريك نشاطاتهم الاقتصادية الطفيلية التي دمرت الطبقة الوسطى والمنتجين الحقيقيين ، وفاقمت من تكاليف المعيشة ، وهمشت وافقرت قطاعات عريضة من جماهير الشعب السوداني. كما أن الإعفاءات الضرائبية الضخمة التي منحت لهذه المصارف المسماة بالإسلامية في وقت من الأوقات ، أهدرت الفائض الإقتصادي بالبلاد .

المتابع لاداء هذا القطاع في فترة السنوات القليلة الماضية ، يتضح له انه استغل استغلالا سيئا ، وأنه اتبع في سياسته التمويلية معاييرً غير علمية ، ومارس فسادا واسعا انعكس في تجاوزات مالية كبيرة. هذه التجاوزات المالية أضرت بالاقتصاد بصورة عامة، وركزت الثروة في مناطق محددة وفي اياد محدودة، كما أضرت سياساته التمويلية أيضا بالمنتجين الزراعيين وأدت لإفقار معظمهم الذين زج بهم في السجون، باستغلال أجهزة القمع غير المحاسبة بالقانون والمتسم بها النظام الحالي.

ان الفساد الذي شهدته هذه المصارف اشتمل أيضا على درجة عالية من غسيل الأموال المشبوهة، وتجاوزات كبيرة في عمليات التسليف. ارتبطت هذه العمليات بدعم النشاطات المخربة والأخرى غير الإنتاجية وتركيزها على تخزين السلع الأساسية، مما فاقم من معاناة الجماهير والتفاوتات الإقليمية. هذه الممارسات غير المنضبطة، أفقدت هذه المصارف ديونا ضخمة على بعض عملائها والتي أصبحت ديونا هالكة، مما افقد البلاد موارداً طائلة. من اهم العوامل المساعدة في هذه الممارسات ، احتكار إدارات هذه المصارف التجارية بواسطة أعضاء الحزب الحاكم والمقربيين منه وتمتعها بإعفاءات مالية ضخمة لا تجد مبررا اقتصاديا لها.

لابد ان نذكر هنا التحقيقات القانونية في هذه المصارف خاصة التي تسمى بالإسلامية في عهد الديمقراطية الثالثة والتي طالت بعض القيادات السياسية آنذاك.

من المهم ان ندرك ان من الممكن ان يلعب القطاع المصرفي دورا هاماً في تنمية القطاعات الإنتاجية الأخرى، وفي إعادة توزيع الثروة والدخل، مما يوفر الأرضية الملائمة للتجانس الاجتماعي وبناء السلام والديمقراطية.

ولكي يلعب هذا القطاع الدور الإيجابي المرجو منه لابد من اتخاذ الإجراءات التالية الهامة لإصلاحه:

الإصرار على استقلالية المصرف المركزي وتقيد المصارف التجارية بموجهاته.

المصرف المركزي هو رمز للسيادة، وله دور أساسي في إصدار العملة، ورسم السياسات النقدية والمفاوضات المرتبطة بسداد الديون الخارجية والمساعدات الفنية والمالية، بالاشتراك مع الجهات الرسمية المختصة الاخرى كوزارة المالية والتخطيط. كما من الممكن ان تكون للمصرف المركزي فروع في الأطراف. لذلك لا نرى مبررا لإنشاء مصرف مركزي مستقل بذاته بالجنوب، ولكن اذا اراد الاخوة بالجنوب ان تكون لهم عملة مختلفة شكلا عن عملة الشمال، أسوة بما في اسكتلنده فهذا ممكن. يجب ان نعلم ان العملة الإسكتلندية تحمل نفس القيمة كالعملة الإنجليزية. مما يؤكد انها محكومة بنفس السياسات النقدية التي تحكم بريطانيا والتي يقرها المصرف المركزي الواحد الا وهو بنك إنجلترا (Bank of England). في تقديرنا اصرار الحركة الشعبية على مصرف مركزي مستقل ، مرده اسلمة النظام المصرفي بالشمال. لكننا نرى بدلا من المطالبة بعملتين مختلفتين في القيمة تحكمهما مصارفً مركزية مستقلة عن بعضها البعض، ان تحمل فئات العملة صوراً للولايات والشخصيات الوطنية منذ عهد ترهاقا. هذه الطريقة فيها إيماء بالإصرار على وحدة الوطن واحترام المناضلين الشرفاء الذين ضحوا لهذا البلد.

يجب ألا نخلط الأشياء فتجارب جمهورية ايرلندا الجنوبية وكندا واستراليا  والمتمثلة في الجنيه الايرلندي والدولار الكندي والدولار الأسترالي، تؤكد بأنه على الرغم من ان هذه العملات تحمل نفس الأسماء جنيه او دولار، إلا أنها دول مستقلة تحكم قيمة عملتها سياسة نقدية مستقلة تقرها مصارف مركزية مستقلة. ولذلك بينما لا تختلف قيمة الجنيه الاسكتلندي عن الجنيه الإنجليزي، تختلف قيمة الجنيه الايرلندي الجنوبي عن الجنيه الإسترليني والاسكتلندي معا، وتختلف قيمة الدولار الكندي عن الدولار الأمريكي، كما تختلف قيمة الدولار الأسترالي عن قيمة الدولار الأمريكي والكندي.

إن الإصرار على مصرف مركزي مستقل بالجنوب، في نظرنا سيرسل إشارات غير مفيدة لبناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد، كما لابد ان يصب في صالح الذين لا ثقة لهم في خيار الوحدة الطوعية.

ان تتكون اللجان الفنية لوضع السياسات النقدية من أبناء الجنوب والشمال المختصين في ذلك.

إعادة تكوين الإدارات في المصارف لتشمل كفاءات خارج عضوية الحزب الحاكم.

ضرورة الالتزام بالممارسات المصرفية السليمة .

الحد من التمويل بالعجز.

على المصارف التجارية والمتخصصة منها إنشاء الفروع بالأطراف وتقديم التسهيلات المصرفية على أسس تفضيلية للمستثمرين بالأطراف.

تكوين اللجان المتخصصة لدراسة أداء هذا القطاع وتقديم التوصيات اللازمة لتطويره ، ووضع الأسس الاقتصادية والمصرفية السليمة لتحسين ورفع الاداء، واصلاح القطاع إصلاحا جذريا.

العمل على اعادة الثقة بالقطاع المصرفي باستقرار السياسات المالية، لجلب أموال السودانيين المودعة بالخارج.

التحقيق في تجاوزات هذه المصارف واسترداد الأموال المنهوبة.

لابد من إعادة تقييم سياسة برامج التكييف والسوق الحر:

كما ذكرنا سابقا ، نتجت سلبيات كثيرة عن تبني هذه البرامج.

عليه لابد من إعادة تقييمها مع العمل على برمجتها بغرض تخفيف آثارها السلبية على الفقراء. يدعم رأينا هذا البروفيسور جوزيف اشتيقليتز (Joseph Stiglitz) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والاقتصادي الأول سابقا بالبنك الدولي والرئيس السابق لمجلس الاستشاريين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي السابق كلينتون. عندما ذكر في كتابه             (Globalization and its discontents) " انا من المناديين بقوة لتبني السياسات الممرحلة (Gradualist Policies) بواسطة الصينيين. لقد أثبتت هذه السياسات محاسنها في العقدين السابقين. كما كنت ناقدا قويا لبعض استراتيجيات الإصلاح المتشددة كالعلاج بالصدمة (shock therapy) والتي فشلت فشلا ذريعا بروسيا وبعض الأقطار الأخرى للاتحاد السوفيتي سابقا". الصفحة xi من المرجع أعلاه.

واستطرد قائلا في نفس الكتاب " أؤمن فقط بالخصخصة بمعنى بيع المؤسسات المحتكرة للدولة للقطاع الخاص، اذا كانت تساعد الشركات لتكون اكثر كفاءة وتخفض الأسعار للمستهلكين. صفحة xi من نفس المرجع. الأسواق في نظره تتسم بعيب (imperfection)، ناتج عن الفوارق في المعلومات (asymmetries of information). ويقصد بذلك، الفرق مثلا في المعلومات بين العامل والمخدم، والدائن والمستدين، وشركة التامين والمؤمن الخ. هذه الفوارق توجد بصورة عامة في كل الاقتصاديات. لذلك يرى ان هنالك حاجة لمجال اقتصادي جديد يسمى اقتصاد المعلومات (information economics). هذا المجال الاقتصادي الجديد، بما لديه من إمكانات افضل لتحليل أسواق العمالة، وراس المال والإنتاج ،  يساعد على بناء نماذج للاقتصاد الكلي (construction of macroeconomic models)، توفر فهما اعمق للعطالة وعدم المساواة والتقلبات كالكساد والركود التي لازمت الرأسمالية منذ نشأتها.

يرى ان سياسات صندوق النقد المرتكزة على الافتراض البالي باعتبار السوق بمفردها يمكن ان تقود لنتائج أكثر كفاءة ، قد فشلت في السماح للحكومات بالتدخل المرغوب في السوق بتبني الإجراءات التي تقود للنمو الاقتصادي وتجعل كل أفراد المجتمع في وضع افضل.

في نظره ، ونحن على اتفاق معه، هنالك علاقة مكملة (complementary) بين دور الحكومة والسوق، ويفترض ان يعملا في شراكة. فعلى الرغم من أهمية السوق في الاقتصاد، الا ان هنالك دورا هاما ومهما كان محدودا ، للحكومة لتلعبه. فغياب المساواة مثلا، والعطالة وتلوث البيئة، كلها مسائل لابد ان تلعب فيها الحكومات دورا هاما لتصحيح فشل السوق في ذلك.

عليه نرى لابد من مفهوم جديد لدور الحكومة او الدولة في الاقتصاد. وذلك بان تلعب الحكومة دور الرقيب على نفسها والقطاع الخاص،  وان تشجع  دور القطاع الخاص وتكامله مع نشاطاتها، وان تعمل الدولة على توفير الخدمات الاجتماعية والاحتياجات الأساسية للمواطنين وتوفير البني التحتية للاقتصاد بالشراكة مع القطاع الخاص.

في نظرنا بان المقولة الشائعة الآن والتي يصدرها الأمريكان بان الاقتصاد الحر وغياب دور الدولة متشابهة في المعنى بعملية البناء الديمقراطي، مقولة تحتاج لاعادة تقييم واعادة نظر في صحتها على ضوء المعطيات الماثلة أمامنا. السؤال الذي نود ان نطرحه هل هنالك اقتصاد حر بالكامل كما بشر به ادم اسمث، في عصرنا هذا عصر العولمة الذي تسيره الاحتكارات المتمثلة في الشركات عابرة القارات؟

هنالك مسالة أخرى ذات ارتباط وثيق بما سبق ألا وهي الموقف من تخفيض العملة السودانية.

نرى أن لابد من إعادة النظر في اللجوء لتخفيض العملة السودانية كأداة للاستقرار الاقتصادي.

في نظرنا ان الافتراض السائد بان المرونة العالية للعرض والطلب ستعمل على تحسين الميزان التجاري خلال التخفيض، افتراض لا يضع في الحسبان ظروف الإنتاج بالسودان. هذا الافتراض يتطلب توفر خصائص وميزات هيكلية، لا تتوفر في الاقتصاد السوداني مقارنة بالاقتصاديات المتقدمة. ففي حالة السودان ، يصعب لاعتبارات هيكلية مقابلة شرط المرونة العالية في العرض والطلب لنجاح إجراء تخفيض العملة، وعليه من الممكن ان تنتج عن تغيرات سعر الصرف نتائج عكسية (perverse movement) ، في الميزان التجاري متمثلة في عجزه المزمن. هذا ما يحدث بالضبط الآن. فعلى الرغم من برامج التكييف المحتوية على تخفيض سعر الصرف ما زال الميزان التجاري يسجل عجزاَ، مما يعني عدم استجابة القطاعات الإنتاجية معه بزيادة التصدير.

وللتخفيض أيضا في ظروف السودان، آثارا انكماشية على الاقتصاد.

فنسبة لعدم تجاوب الإنتاج المحلي مع إجراء التخفيض، فان التخفيض لن يقود الى زيادة في الدخل. وفي نفس الوقت لديه اثر انكماشي اخر، يتمثل في تخفيض مستوى الطاقة الاستيعابية المحلية (domestic absorption level) وذلك من خلال الآتي:

أولا: ربما يؤدي تخفيض العملة الى خفض الطاقة الاستيعابية من خلال الأثر على إعادة التوزيع. ففي حالة ارتفاع الأسعار نتيجة لتخفيض العملة مع ثبات القيمة الاسمية للأجور    (nominal wages) ، سيحدث تحول للدخل من الأجور للربح. واذا كانت لأصحاب الأرباح قابلية أدنى للاستهلاك (lower consumption propensity) من ذوي الأجور، سينخفض المستوى الكلي للاستيعاب.

ثانيا: تخفيض العملة ربما يؤدي لانخفاض الاستيعاب، نتيجة لتأثيره على التوازن الحقيقي   (real balance effect). فارتفاع الأسعار الذي يتبع تخفيض العملة ، يخفض من القيمة الحقيقية لموازنات النقود (Cash balances). ويعمل بالتالي على تخفيض الإنفاق لكي ترتفع القيمة الحقيقية لموازنات النقود (money balance) مرة أخرى للمستوى المرغوب فيه.

تخفيض العملة يعمل أيضا في ظروف السودان ، على انكماش الاقتصاد من خلال اثر ارتفاع التكلفة (cost push) على العرض الكلي في الاقتصاد (aggregate supply). فالتخفيض يزيد من تكلفة العملة المحلية للسلع المستوردة، كما يرفع من التكلفة للمنتجين     (producers cost). هذا الأثر مطابق للتضخم المستورد ، كما يرفع من التكلفة للمنتجين (producers cost). أيضاً هذا الأثر المطابق للتضخم المستورد او صدمات التكلفة المحلية  ( domestic cost shocks)، يعمل على تحول للعرض الكلي في اتجاه اقل. من المهم ان ندرك بأنه عادة ما يقود الارتفاع في أسعار السلع النهائية (final goods) والخدمات الناتج عن تخفيض العملة، لرد فعل شديد وسط العاملين الذين يحاولون الدفاع عن مستواهم المعيشي الحقيقي في مواجهة تآكله نتيجة للتضخم. تفادي هذا الوضع يمثل مهمة أساسية للحفاظ على الاستقرار السياسي الذي يمثل شرطاَ هاما لبناء السلام. من المهم أيضا معالجة العقبات الهيكلية في الاقتصاد قبل تبني إجراء تخفيض العملة السودانية.

للأسف الشديد عادة ما يرتبط تخفيض العملة بالأنظمة العسكرية بالسودان، حيث لا مجال لمقاومته لانعدام الحريات . وكلنا يعلم ما ألم بالسودان منذ التخفيض الأول للجنيه السوداني عام 1978 في عهد الديكتاتورية الثانية والذي تبعته تخفيضات في قيمة الجنيه وصلت لحوالي 13 تخفيضا في تلك الفترة. فبحلول عام 1985 بلغت قيمة الجنيه السوداني لأقل من 5% من قيمته في منتصف عام 1970 (راجع : مجلة سوداناو عام 1985 ص. 21).

على العكس من ذلك لم ترضخ الديمقراطية الثالثة لضغوط صندوق النقد والبنك الدولي لتخفيض الجنيه السوداني. ولكن بقدوم النظام العسكري الحالي ، رضخت الحكومة رضوخا مخجلا لموجهات الصندوق بما فيها تخفيض العملة على الرغم من كل الشعارات المعادية لما سموه في وقت من الأوقات بمؤسسات " دولة الشيطان" وما صاحب ذلك من معاناة في الظروف المعيشية ، حيث يعيش حوالي 95% من الشعب السوداني دون خط الفقر ، ومن تدهور مستمر في الميزان التجاري .

أهمية تبني سياسة ضرائبية سليمة:

الهدف من السياسة الضرائبية، هو التأثير على مستوى الدخل من خلال إدارة ميزانية الحكومة والتي تشتمل على أنواع مختلفة من الإنفاق والإيرادات. ينقسم الإنفاق الحكومي إلى منصرفات جارية، أي التي تشتمل على الاستهلاك والدعم والمرتبات والأجور في القطاع العام والإنفاق الرأسمالي المتمثل في الأصول الثابتة للاستثمار العام. أما إيرادات الحكومة فتتمثل في عائدات أرباح المؤسسات الحكومية والضرائب على الدخل والسلع المحلية والضرائب على التجارة و الرسوم الجمركية. وفي  الغالب لا تمثل الضرائب على الدخل ، أي الضرائب المباشرة مصدرا هاما في إيرادات الحكومات بالدول النامية. كما هنالك بعض الصعاب التي تواجه الحكومات في محاولة التأثير على مستوى الدخل من خلال السياسة الضرائبية. من اسهل الخيارات المتاحة للحكومات، الذي يتمثل في زيادة طباعة النقود. ولكنه ليس بالخيار المفضل في كل الحالات لأثره على الأسعار، والدخل وسعر الفائدة، وميزان المدفوعات. أما الخيارات الأخرى فتتمثل في تمويل الإنفاق الحكومي بزيادة الضرائب، او بتشجيع القطاع الخاص لمقابلة الدين الحكومي وشراء السندات الحكومية. ولكن اذا كانت هنالك صعوبة في تطبيق خيار رفع الضرائب والخيارين الاخيرين، فلا مخرج من زيادة طبع النقود على الرغم من انه يعمل على استدامة العجز في الميزانية ويجعله جزءَ مهيمنا في الأساس النقدي.

إن خيار زيادة طبع النقود لتمويل المنصرفات ذو طابع تضخمي، أما التمويل بواسطة السندات فأثره التضخمي اقل. وعادة ما تلجأ الحكومات للدمج بين الاثنين لتمويل المنصرفات. لذلك من المهم وضع كل هذه الاعتبارات في الحسبان عند تحديد الخيار الضرائبي الأمثل. كما نقترح العمل على رفع مساهمة ضريبة الدخل في العائد الضرائبي على الرغم من الجهد المطلوب لذلك، لان ضريبة الدخل تعتبر اكثر عدالة من الضرائب غير المباشرة أي الضرائب المفروضة على المشتريات وتعمل على إعادة توزيع الدخل بصورة عادلة. لكن من المهم أيضا عند تحديد الفئات الضرائبية ان يوضع في الحسبان، العبء الضرائبي واثر الضرائب على العملية الإنتاجية. ونقترح أيضا إعادة تقييم ضريبة الثروة والأرض والأصول الثابتة ، كأداة لتعبئة الفوائض المالية وتحويلها للاستثمار المنتج، واعادة توزيع الدخل خاصة بالمناطق المهمشة.

للأسف الشديد ، قامت الحكومة الحالية ببيع  المؤسسات الحكومية بأسعار ضئيلة لمؤيديها  في إطار الخصخصة ، ظناً منها بأن الخصخصة ستوفر عائدات تكون بديلاً للسياسات الضرائبية السليمة . يجب أن يكون واضحاً ، أن الخصخصة لن تكن أبداً بديلاً للسياسة الضرائبية السليمة. فبدلاً من إهدار المال العام ببيع المؤسسات العامة بأسعار ضئيلة ، كان من المفروض تعزيز ودعم هذه المؤسسات مع إعطائها قدراً من إستقلال القرار مع الشفافية. 

ضرورة معالجة الدين القومي (National Debt):

يعتبر السودان على أساس الفرد الواحد من أكثر الدول مديونية . فعبء الديون يتسم بالضخامة ، ومن الصعوبة تحمله . أغلب هذه الديون حدثت في السبعينات من القرن الماضي أبان حكم مايو ، وتمثل  متأخرات سداد فوائد الديون فيها أكثر من النصف . تتسم هذه المديونية أيضاً بتعدد مصادرها كصندوق النقد الدولي ، ونادي  باريس الذي يمثل تجمع الدول الأوروبية الغربية الدائنة للسودان على أساس ديون رسمية ثنائية (bilateral) ، ونادي لندن الذي يمثل تجمع المصارف التجارية الدائنة للسودان ومصادر أخرى ، وتعدد الاتفاقات التي تحكمها، وتكرار جدولتها، وانتهاك العديد من شروطها الأساسية، وشروط جدولتها. كل هذه تعقد من مديونية السودان، ومن الممكن ان تصعب أي إجراء لالغاء هذه الديون.

ولمواجهة هذه الديون نقترح الآتي:

الحوار مع الحركة الشعبية لمعرفة مدى استعدادها لمقابلة جزء من الديون باعتبارها دينًا قومياً ،  خاصة وان معظمها وقع في الفترة المايوية حيث اشترك الجنوبيون  في الحكم من 1972 إلى 1983.

العمل الجاد على إعادة بعض الأموال من هذه الديون التي حولت لإغراض شخصية، او صرفت بصورة غير مسئولة من قبل الحاكمين في تلك الفترة.

أعلاه يستوجب التحقيق مع الحاكمين في تلك الفترة لملاحقة بعض الأموال من الديون التي تم استحواذ البعض عليها بصورة غير قانونية. على الرغم من قناعتنا بان الأموال التي ستسترد من خلال هذا الإجراء ستكون قليلة ، إلا ان ذلك سيخيف الآخرين مستقبلا من استغلال هذه الديون للمصلحة الشخصية.

إعادة جدولة الديون ، في هذا الخصوص يجب أن ندرك ان صندوق النقد الدولي، لا يدخل حسب دستوره في تفاوض في هذه المسالة مع الدول التي عليها متأخرات. ولكن على الرغم من هذا الشرط وجد الصندوق أساليباً مختلفة للتحايل عليه في حالة السودان. العلاقة السياسية الحسنة مع الولايات المتحدة تؤثر على تجاوب الصندوق مع السودان.

إلغاء الدين ، نرى لابد من العمل على إلغاء الدين على السودان، لانه ارهق كاهل المواطن واستنزف العائدات من الصادرات. في ذلك لابد ان يدخل السودان في مفاوضات مباشرة مع الدائنين وان يتضامن مع الدول التي تطالب بنفس الغرض. في تقديرنا ان تعدد مصادر ديون السودان والمصالح المعقدة للدائنين ربما تعقد من تحقيق هذا الهدف. لكننا نعتقد ان تحقيق

السلام بالسودان والمهام الجسام المطلوبة لبنائه تجعل المجتمع الدولي والإقليمي (الدول العربية الغنية) اكثر تعاطفا في هذا الخصوص.

مبادلة الدين (Debt Swap) ،  يهدف هذا الإجراء لإستعمال ديون السودان القائمة للدول الغربية والمؤسسات المالية، في تمويل التنمية المحلية. على حسب علمنا يجد هذا الإجراء المتمثل في تحويل هذه الديون للعملة المحلية وتوظيفه في تغذية صندوق تنمية واعادة تعمير المناطق المتأثرة بالحرب، قبولا من الدول والمؤسسات المالية الدائنة للسودان.

يتطلب تحقيق هذا الهدف العمل الجاد بواسطة السودان على إقناع الدائنين بأهميته كمعالجة شاملة لمشكلة الديون وللمساهمة في تنمية المناطق المتضررة بالحرب مما يؤمن السلام. لتسهيل هذه المهمة لابد لحكومة السودان من تكوين فرقة عمل مشتركة مع الدائنين لمواجهة هذا الامر.

وضع تصور للمساعدات الخارجية ومعالجة الاختلالات في الاقتصاد الكلي (Macro economic imbalances) :

من المهم إعطاء أسبقية لمعالجة اختلالات الاقتصاد الكلي بما في ذلك معالجة الديون ، ومشكلة ميزان المدفوعات والعجز الحكومي. هذه مسائل في غاية الأهمية لمعالجة المشاكل طويلة المدى بالسودان ولكنها تتطلب مواردً ضخمة.

إعطاء أسبقية لاعادة التعمير والتشييد والتنمية لتمكن من تحسين المستوى المعيشي للمواطنين. هذه الاسبقيات لابد من معالجتها في وقت واحد، بمعنى توزيع الموارد بين إصلاح مشاكل الاقتصاد الكلي واعادة تعمير المناطق المتضررة بالحرب. فإلى حدِ ما ، من الممكن تنسيق الحلول لهاتين المشكلتين. فمثلا ، هنالك إمكانية لمبادلة الديون بالعملة المحلية لتغذية صندوق دعم برامج إعادة التعمير.

على حكومة السودان أيضا كسب ثقة المؤسسات المالية الدولية والسودانيين المغتربين من خلال البرهان على استقرار الاقتصاد وإمكاناته المستقبلية الجيدة. ان غياب الثقة في الإمكانات المستقبلية للاقتصاد، يدفع رجال الأعمال السودانيين للاستثمار في خارج السودان وللجوء للنشاطات الطفيلية. ان إجراءات التقشف التي يتبناها ويفرضها صندوق النقد الدولي في السودان، لا تحل هذه المشكلة لانها لا تتصدى لاسبابها، بل تركز على مشكلة تقل عنها نسبياً في الأهمية وهي المشكلة المالية للحكومة (government finances). ان برامج التقشف كما ذكرنا سابقا ستؤدي لنتائج عكسية، وتضعف من استعداد رجال الأعمال للاستثمار بالسودان. تجدر الإشارة هنا بان الأصول الخاصة المملوكة للسودانيين بالخارج، تقارب حجم الدين العام. وقد اوضح ذلك البروفيسور ريتشارد براون الذي ذكر بان الأموال المهربة من السودان تفوق في حجمها تلك المهربة من أفريقيا جنوب الصحراء ، وتفوق مديونية السودان الخارجية بالضعف.

ان المشكلة تكمن حقيقة في أزمة الدولة السودانية اكثر منها في الاقتصاد الوطني. فالازمة الاقتصادية مردها الأساسي للازمة التي تواجه الدولة السودانية الضعيفة والمنهارة. كما ان الإجراءات التي اتبعت لمعالجة الأزمة المالية للدولة، جعلت العديد من المصاعب الاقتصادية اكثر رداءة في نظر العديد من الخبراء، خاصة بمنظمة (Justice Africa) اللندنية، ان حل المشاكل الاقتصادية السودانية الأساسية، يستوجب حلا سياسيا يوفر المناخ المناسب لبناء الثقة وسط رجال الأعمال السودانيين.

 على حكومة السودان أيضا ان تعمل على خلق المناخ السياسي الملائم لجذب مساعدات المانحين للسودان بعد تدني التزاماتهم نحو السودان فيما عدا المساعدات الإنسانية.

الاتفاق مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP)، لتطوير مساعداته الإنسانية لمساعدات تنموية اكثر فاعلية.

لابد للسودان ان يعمل على معالجة مشكلة ديونه. وذلك لان فشله في سداد الديون والمتأخرات يفرض عليه عقوبات يصعب معها جذب المانحين. هذا الأمر يتطلب الدراسات الجادة لمواجهته.

المناقشة الجادة مع صندوق النقد الدولي، على تدرج برامج التقشف التي يصر على تطبيقها الصندوق كحزمة. من المهم أن ندرك ان برامج التقشف التي تبناها النظام الحالي رضوخا لموجهات الصندوق، قد وجدت بعض الرضى من الصندوق. هذا الوضع يتطلب إدراكا جديدا لطبيعة هذه العلاقة المتمثلة في الليبرالية الاقتصادية، والإحجام عن تبني تغييرات أساسية في السياسات الاقتصادية المتبعة حاليا كالسياسات الضرائبية وتحرير الاقتصاد وسداد الديون.

لابد من العمل الدؤوب على إيقاف الحرب في كل أنحاء السودان من خلال الحوار السياسي الجاد وتحقيق السلام العادل والشامل والمستدام واحترام حقوق الإنسان . هذه مسائل في غاية الأهمية لرفع الحصار الاقتصادي المفروض على السودان من بعض الدول والمؤسسات الدولية.

نود ان نؤكد ان خلق الشروط والمناخ لاسترجاع تدفق المساعدات ولمواجهة أزمات الاقتصاد الكلي السوداني، تتطلب تضافر الجهود والتعاون النشط بين كل القوى السياسية السودانية وبينها وبين المانحين. ومن اهم واجبات الحكومة السودانية في هذا الخصوص، توجيه الجهود لخلق المناخ الملائم لهذا التعاون المنشود.

أهمية إعادة الأعمار بعد فض النزاع :

كما ذكرنا سابقا، عملت الحرب على تدمير مناحي الحياة، خاصة بالجنوب، وجبال النوبة ، وجنوب النيل الازرق وبعض مناطق شرق السودان. هذه المناطق كما هو معروف عانت من تخلف وتهميش شديد، حتى في الفترة التي سبقت وقوع الحرب. واعادة تعميرها وتحسين أوضاع مواطنيها ، تتطلب موارد ضخمة وقدر من الزمن ليس بالقصير.

على حكومة السودان والمانحين ان يبتدعوا وسائل خلاقة لتوفير الموارد الهامة لاعادة تعمير هذه المناطق. في هذا الخصوص لابد من الاستفادة من الدروس المستخلصة من التجارب السابقة في إعادة التعمير التي تلت الحرب الأهلية الأولى. في تقديرنا ان فشل برامج إعادة التعمير  واعادة استقرار المواطنين في الفترة ما بين 1972- 83 ، ساهمت مع عوامل أخرى مساهمة كبيرة في إشعال نار الحرب مرة اخرى.

من أهم أسباب الفشل الآتي: (راجع أدبيات Justice Africa ومقررات مؤتمر كمبالا الأول والثاني والثالث ، والتي شارك فيها كاتب هذه الدراسة).

أ) الكثافة الرأسمالية للتكنولوجيا المستعملة والتي ذات معدل فشل عالي.

ب) عدم استشارة المواطنين قبل البدء في المشاريع الضخمة كمشروع قناة جونقلي، قاد لمخاوف كثيرة.

ج) الفشل في تنفيذ بعض المشاريع المتفق عليها كمشروع منقلا وملوط لانتاج السكر.

د) الافتراض الخاطئ بان المناطق المتضررة بالحرب سوف تتمكن بسرعة من جمع موارد ضرائبية عقب إنهاء الحرب، لتمويل الإدارة بالجنوب.

هـ) سيطرة الخرطوم على ميزانية الجنوب والفشل في توفير الموارد المالية الموعودة، ادى ذلك لتقويض الإدارة الجنوبية، وتآكل الحكم المحلي، ونزوح العديد من موظفي الخدمة المدنية بالجنوب للخرطوم بحثا عن الدخل.

و) الفشل في توفير العيش المناسب للمقاتلين السابقين فغالبيتهم تمت إعادة استقرارهم في مشاريع زراعية ضعيفة.

ح) العدالة في توزيع الخدمات الاجتماعية والمشاريع التنموية داخل كل اقليم (intra-regional) ، لم تحظى بالاهتمام الكافي.

خ) الاعتماد في التنمية ورفاهية المواطن على المنظمات الدولية غير الحكومية والتي فضلت تركيز الجهد على بعض المناطق ، فاقم من التفاوتات الإقليمية، وازدياد الحساسيات، وتقويض طاقة الحكم المحلي.

ر) المشاريع المدعومة بالمساعدات (aid projects)، استغلها السياسيون كوسيلة لشراء الاصوات الانتخابية.

نقترح لمواجهة بعض هذه المشاكل وكما جاء في توصيات منظمة Justice Africa ، عمل الاتي:

أ‌)          صندوق دعم (trust fund) ، لإعادة تعمير المناطق المتأثرة بالحرب بالجنوب ، على أساس خطة لإعادة التعمير ومتابعة التنفيذ ، يكون متفقاً عليها في الفترة الإنتقالية من قبل إدارة الجنوب والمانحين .

ب) صندوق دعم لإعادة تعمير المناطق الأخرى المتأثرة بالحرب كجبال النوبة ، وجنوب النيل الأزرق ، وشرق السودان ، ودارفور على غرار الصندوق المقترح أعلاه .

ج) صندوق دعم قومي إنتقالي لإعادة التعمير . يختلف هذا  الصندوق عن أعلاه بأن إدارته ستكون بواسطة الحكومة الفيدرالية وعلى أساس خطة إعادة تعمير أساسية (basic) تدار بواسطة الحكومة الفيدرالية .

في نظرنا لأبد أن يكون هناك تنسيق بين إدارات هذه المناطق والحكومة الفيدرالية ، لما للحكومة الفيدرالية من علاقات خارجية تساعد في دعم هذه الصناديق ، كما من الممكن أن تعمل الحكومة على توفير بعض الخبرات السودانية التي ربما لا تكون متوفرة في هذه المناطق .

مسألة أخرى هامة جداً تتمثل في رصد الخبرات السودانية التي لديها الإستعداد للعمل في هذه المناطق جنباً إلى جنب مع الخبرات الأجنبية .

من المهم أيضاً ، أن يتسم أداء هذه الصناديق بالشفافية ، وأن تتخذ القرارات بأسلوب  جماعي يتوفر فيه قدر عالي  من المحاسبة .

يجب أيضاً تجنب المساعدات المشروطة ، اللهم إلا في حدود معايير عملية معينة ، ككفاءة البرامج والمشاريع المرتبطة بها ، والشفافية في القرار والعدالة في توزيع الموارد .

لأبد أن نوضح أيضاً إن نجاح أداء هذه الصناديق متربط إلى حد كبير بما ذكرناه سابقاً من تصور لإعادة التعمير بعد إحلال السلام بإذن الله .

كيفية التعامل مع العولمة :

من المهم أن نذكر بأنه لا مفر من التعامل مع العولمة ، خاصة وأن الحكومة الحالية قد شرعت في الإنضمام لمنظمة التجارة العالمية . هذه الخطوة تعني إلغاء القيود على الإستثمار والتجارة ، والتنازل عن السيطرة على السياسة الاقتصادية المحلية . هذه الخطوات لا يمكن التراجع عنها بعد الإنضمام إلى منظمة التجارة العالمية ، لأن ذلك تترتب عليه عقوبات صارمة . لذلك نقترح التريث . زد على ذلك نجد العديد من الشركات المرتبطة بالنظام الحالي ذات إرتباط وثيق بالشركات عابرة القارات من خلال إرتباطها ببعض هذه الشركات العاملة بالشرق الاوسط وماليزا الخ . هذا الإرتباط سيؤهل هذه الشركات السودانية للإستفادة القصوى  من العولمة أكثر من غيرها.

لذلك وجب على الحكومة الديقراطية المرتقبة أن تقوم بالتقييم الجاد والحذر لأثار العولمة على السودان من خلال تحديد مراكز القوة والضعف للإقتصاد السوداني عند تكامله مع الأسواق العالمية .

هنالك عدة إستراتيجيات حددتها منظمة Justice Africa والتي يمكن إتباعها في هذا الخصوص.

أ) العولمة المتعجلة (crash globalisation) :

تهدف هذه لرفع كل القيود الرقابية المتبقية لتنظيم الإقتصاد ، وتسمح للمؤسسات الخاصة  المحلية والعالمية لتتمتع بالحرية التامة للحصول على الموارد وإستغلالها . ربما تقود للإستيلاء السريع (take over) على المؤسسات الوطنية المربحة والتملك السريع للأراضي والمزارع الخاصة وتربية الحيوان ، والإستغلال السريع للبترول والموارد المعدنية للكسب الخاص . سيكون إندفاعاً (gold rush) ، أشبه بالإندفاع نحو الذهب بأمريكا سابقاً ، يؤدي لخطف كل القطاعات المربحة بالإقتصاد بواسطة القادرين على شرائها أو أصحاب النفوذ لحيازتها .

إتباع هذا الخيار ستكون له أضرارً سلبية جسيمة ، على المناخ الإقتصادي والسياسي السوداني الهش . نشير هنا إلى أن التوزيع غير العادل للدخول ، والنهب الذي مارسته بعض شركات القطاع الخاص ، ساهم في إندلاع الحرب .

كما يعلم الجميع ، أدى إقتصاد السوق الحر غير المنضبط بالسودان ، إلى هيمنة البعض على المواقع الإقتصادية الهامة ، بالإستفادة من ظروف الدكتاتورية والحرب . هذه المجموعة المهيمنة إقتصادياً ، تمثل قطاعاً صغيراً من المواطنين ، وتتمتع بدعم سياسي قوي لما لها من ميل حزبي مع الحزب الحاكم . للأسف أتبعت هذه المجموعة وسائل لا تعرف الرحمة لتحقيق المصالح  قصيرة المدى ، على حساب التماسك الإجتماعي والحفاظ على البيئة .

لذلك لدينا قناعة بأن خيار العولمة المتعجلة بالسودان سيقود حتماً  إلى عدم  الإستقرار السياسي ، إن لم يقد إلى العودة إلى النزاع . كما إن هذا الوضع يعوق من الإستثمار بواسطة الشركات الأجنبية ورجال الأعمال السودانيين .

ب) مقاومة العولمة :

ربما يدفع الخوف من العولمة المتعجلة الحكومة الإنتقالية للإنسحاب من منظمة التجارة العالمية ، وإعادة القيود على الإستثمار والتجارة . هذا الإجراء ربما تكون له فوائد في المدى القصير ، ولكن لا يمكن الحفاظ على هذه الفوائد بصورة  مستديمة لأي  فترة من  الزمن . بالإضافة لذلك ، لابد من الإتفاق حول هذه السياسات مع دائني السودان والذين في الغالب لن يوافقوا عليها ، وربما يتراجعون عن إعفاء الديون وتقديم العون الخارجي .

ج) الدخول الممرحل في السوق العالمي :

الحجة الإقتصادية لذلك ، تركز على أهمية الإستقرار السياسي للإستثمار الإقتصادي . فالإستقرار السياسي كما هو معروف يمثل الهم الأساسي لأي مستثمر جاد . ولكن المتبع للأوضاع السياسية في السودان ، يتضح له أن عملية الإستقرار السياسي ربما تتطلب وقتاً من الزمن لكي يبدي المستثمرين الإستعداد الجاد للإستثمار بالسودان .

لذلك من الضروري إن يتم الدخول في السوق العالمي على مراحل تتوافق مع درجة الإستقرار السياسي والإقتصادي ، لتجنب  الصدمات التي تنتج عن سلبيات العولمة في حالة ضعف درجة الإستقرار السياسي والإقتصادي بالبلاد .

عليه لابد من الدراسة الدقيقة لأثار العولمة على كل القطاعات الإقتصادية وأثرها على الإستقرار السياسي .

من المفهوم أن يحذر السودان  الإندفاع  نحو العولمة (rapid globalisation) ، وأن يعترض على العولمة السريعة كما أوضحنا سابقاً . ولكن في نفس الوقت هنالك عوامل يتميز بها السودان تدعو للتفاؤل ، والتي يمكن حصرها في الآتي :

أ) يمثل مستوى تعليم القوى العاملة ، أهم رصيد لأي بلد يتعامل مع الإقتصاد العالمي . فكلما تميز  البلد المعين بمستوى تعليم رفيع ومهارة عالية ، كلما حظى بوضع أريح في مواجهة الطلب المتغير بسرعة في الإقتصاد العالمي .

في هذا الخصوص نجد أن السودان وبحمد الله ، يتمتع بأعداد مهوولة من المتعلمين مما يبشر بالخير . ولكن من المهم أيضاً تبني سياسات تعليمية مستنيرة وفاعلة ، لتساهم مساهمة رئيسية في رفع القدرات (capacity)  ، ليتسنى للسودان الإستفادة مستقبلاً من الواقع الإقتصادي الجديد .

ب) هناك مجموعات غفيرة من السودانيين المتعلمين ورجال الأعمال ببلاد المهجر . على الرغم من أنها تمثل خسارة للوطن ، لكن من الممكن أن يستفاد منها بحسبان مستواها التعليمي العالي ونشاطاتها الإقتصادية المتعددة . ولكن الإستفادة من إمكاناتها مشروطة بتبني السياسات السليمة للتحويلات المالية، والإستثمار، والتجارة،والتعليم ، والهجرة والجنسية.                                                        

ج) موارد السودان الطبيعية الضخمة والتي جذبت العديد من الشركات عابرة القارات، خاصة في مجال البترول والمعادن والزراعة .

في تقديرنا أن التجاوب الفعًال مع تحديات العولمة ، يتطلب من بين عدة إجراءات أخرى ، تبني السياسات الإقتصادية السليمة وإستهداف مجالات تعليمية معينة كأسبقية إستثمارية . هذا الأمر يستدعي القيام فوراً بإجراء الدراسات الدقيقة لتحديد الفرص المتاحة والتحديات المتوقعة .

ضرورة تطوير القطاع الصناعي :

أ) ضرورة تكامل قطاعي الصناعة والزراعة :

الحديث عن تنمية أي قطاع من القطاعات الإقتصادية المنتجة ، خاصة القطاعين الصناعي والزراعي ، يجب أن يتجاوز الفهم الضيق وغير العلمي الذي ينظر لها من منظور الخيار بين تنمية هذا أو ذاك (either or) . صحيح أن بعض الإقتصاديين أولوا أسبقية لتنمية القطاع الصناعي ، وبعضهم أعتبر أن هنالك أهدافاً متناقضة بين تنمية القطاعين . ولكن الخبير الإقتصادي Sutcliffe   عام 1971 يؤكد ، أن التناقض  ليس حتميا ، كما أن مفهوم (أسبقية ) المستعمل في الحوار ، مفهوم مضلل . فيقول " إعطاء أسبقية لشئ ما ، لا يعني بالضرورة الصرف عليه بأكثر من زيادة قليلة في الوقت والمال . فمسائل الأسبقيات يمكن أن تكون صغيرة أو كبيرة . إعطاء أسبقية للزراعة لا يعني بالضرورة بأن الإستثمار ، أو الإستخدام (employment) ، أو الإنتاج والإنتاجية في الزراعة ستنمو أسرع من الصناعة أو أن الإستثمار العام في الزراعة يجب أن يكون أكبر في الزراعة من الصناعة .. من الممكن جداً إذا كان هدف الحكومة تشجيع النمو الأقصى للصناعة في فترة عشرة سنوات ، أن تعطي الأهتمام الأكبر للزراعة في السنوات الخمسة الأولى ، والتي بدورها يمكن أن توفر وبفعالية المواد الخام للصناعة والطلب على منتجاتها . الأسبقية للصناعة بهذا المفهوم تعني الأسبقية للزراعة ".

لذلك نعتقد أن تنمية القطاعيين  الصناعي والزراعي إلى حد كبير لابد أن تمشي جنباً إلى جنب . فالزراعة توفر السوق للسلع الصناعية ، والإحتياجات الغذائية لسكان المدن والعمالة ورأس المال للقطاع الصناعي ، والعملات الصعبة لإستيراد الآلات والمواد الخام . وفي المقابل توفر الصناعة المدخلات الزراعية كالتركترات والأسمدة ..الخ ، الضرورية لتحديث القطاع الزراعي والسلع الاستهلاكية لمقابلة الطلب لجماهير الريف . كما أنها ستوفر سوقاً لجزء من الإنتاج الزراعي من خلال الصناعات التحويلية لإنتاج المواد الغذائية للإستهلاك المحلي والتصدير .

عند النظر إلى تجارب الدول خاصة الإشتراكية منها ، نجد أن النموذج  الصيني أنسب للسودان من النموذج السوفيتي . فبينما يعمل النموذج السوفيتي على إخضاع القطاع الزراعي لخدمة القطاع الصناعي والتركيز على الصناعات الثقيلة لإنتاج السلع الرأسمالية ، نجد النموذج الماوي الصيني للتنمية يعمل على تنمية الصناعات الثقيلة والخفيفة والزراعة في آن واحد . ولكن عند التحيز لنموذج الصيني لا يغيب علينا أن الصناعات الثقيلة ما زالت تمثل فيه المحور الاساسي للجهد التنموي ، ولكن في نفس الوقت لا يتم تطويرها على حساب قطاعي الصناعات الخفيفة والزراعة . فعلي عكس النموذج السوفيتي ، عمل النموذج الصيني على توسيع الصناعات الخفيفة لتعمل على رفع المستوى المعيشي للجماهير العريضة ولكي تسمح بتخفيض مساهمة القطاع الزراعي في دخل الدولة (state revenue) والذي يمثل مصدر التمويل للتوسع الصناعي .

يتضح لنا من أعلاه ، بأن المقولات التقليدية المستعملة في فرز وتبويب نشاطات هذين القطاعين لابد من التعامل معها بحذر .

فبعض النشاطات مثلاً كصناعات المواد الغذائية ، تتكامل مع القطاعين الصناعي والزراعي مما يدحض الفصل (dichotomy) بين الصناعة والزراعة . كما يجب في نفس الوقت وفي حالة القطاع الصناعي نفسه ، أن نميز بين صناعات إنتاج السلع الرأسمالية وصناعات إنتاج السلع الإستهلاكية . فالإتجاه السائد بصورة شائعة الآن للتمييز بين الصناعات الثقيلة والصناعات الخفيفة إتجاهَ غير مرضى ، لأنه لا يشير للغاية من أو الوجهه لإنتاج هذه الصناعات . فالصناعات الرأسمالية والتي تستعمل لإنتاج سلع رأسمالية أخرى (machines that make machines) ، ليس بالضرورة أن تكون ثقيلة . فمثلاً الوسيطة ، كالحديد والصلب يمكن أن تقع في أي  من هذه الفصائل ، كما أيضاً السلع الإستهلاكية . ومع إقرارنا بوجود بعض المشاكل في التعريف ، إلا أن التمييز بين السلع الرأسمالية والإستهلاكية يمثل أقل مشكلة .

ب) معالم عامة لإستراتيجية صناعية ذات توجه داخلي (inward - looking industrialisation strategy  (  : (راجع : David Colman + Fred Nixson، Economics of Change، 1994 page 333).

يوضح الحق  ((Ulhaq  ، عام 1973 من المهم لتحقيق إستراتيجية التصنيع المتجهة داخلياً ، تحديد الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية المتوافقة مع الموارد ، وتطلعات وإلتزام الجماهير بالتنمية . يتطلب ذلك في نظره  تبني البرامج التي تعمل على قلب العلاقة بين التجارة والتنمية ، من خلال رسم السياسات التجارية لتحقيق الأهداف التنموية .

إضافة لذلك يؤكد لنا إقتصادي آخر ، الأستاذ سنق Singh   عام 1979 خلافاً لبعض الإقتصاديين الكلاسيكيين الجدد ، بأنه لا يوجد خلاف حتمي بين مقابلة الإحتياجات الأساسية للجماهير كالغذاء والملبس ، والمآوى والإحتياجات الأسرية المنزلية .. الخ  وبين تغيير الهياكل الإنتاجية من خلال التصنيع . فحقيقة ، التصنيع الذي يتضمن قيام صناعات السلع الرأسمالية الإستراتيجية ، ضروري جداً لمقابلة الإحتياجات الأساسية .

وعلى مستوى آخر يقول سينجر Singer  عام 1988 أن هنالك حاجة لإستراتيجيات صناعية تمزج  بين أحسن عناصر سياسة بدائل الواردات وسياسة تشجيع الصادرات وتتنفع من تكاملهما ببعضهما البعض ، وتتجنب في نفس الوقت أخطاء الماضي .

هذا النوع من الإستراتيجيات الصناعية ، سمي بالتصنيع المتكامل ( Integrated (industrialisation والذي يولي إهتماماً أكبر لهيكل       structure ولجودة التصنيع بالتركيز على مقابلة الإحتياجات الأساسية ، ويتجنب الإزدواجية التي إتسمت بها الإستراتيجيات السابقة ، مع الإهتمام بالسياسات المناسبة للإقتصاد الكلي .

أما الأستاذ لال عام 1991 ، فيعتبر التصنيع الناجح نتاجاً للمزج بين  عدة عوامل ، كالحوافز ، والقدرات والمؤسسات والتي تتكامل بصورة معقدة ، وتتأثر جميعها بسياسات الدولة . فالتصنيع الناجح ، وفي هذه الحالة يشير إلى تجربة دول جنوب شرق آسيا ، يتسم بالتدخل الإنتقائي المباشر. بمعنى تدخل ليس فقط لخلق طاقة إنتاجية جديدة ، بل للتأكد من أن الطاقة الجديدة يتم إستغلالها بكفاءة وأن النمو يحافظ عليه بصورة مستدامة في المدى البعيد من خلال الزيادة في الإنتاجية والقدرة على المنافسة . عليه يصر بأن القطر المتسم بالتصنيع الناجح ، لأبد أن يظهر العمق المتزايد والتعقيدات الملازمة للنشاط الصناعي ، ومعها النمو المتزايد للمحتوى المحلي ، العضوي والإنساني منه والمدخلات التكنولوجية .

عليه يمكن حصر الجزئيات الأساسية لاستراتيجية التصنيع ذات التوجه الداخلي في الآتي :

أ) ضرورة التوازن بين التنمية  الصناعية والزراعية ، على أن يدفع القطاع الزراعي عملية التنمية  في البلاد .

ب) إستغلال الفرص المتاحة حالياً مع تنمية الفرص الجديدة للتصدير .

 تؤكد الدلائل على أهمية توفر العملات الصعبة لنجاح أي إستراتيجية صناعية . في هذا الخصوص لابد من الإستغلال الأمثل لعائدات الصادرات وبالأخص البترول والزراعة .

ج) الإستمرار في سياسة بدائل الواردات في القطاعات الإستراتيجية في الإقتصاد (الوسيطة، والإستثمار ، وقطاع السلع الرأسمالية ) على أساس وطني أو إقليمي .

د) هذه القطاعات الإستراتيجية لابد من السيطرة عليها وطنياً ، أما بالقطاع العام أو الخاص السوداني . نشير هنا بالتحديد لموقف مجلس الحكم الإنتقالي العراقي الحالي من ضرورة بقاء صناعة النفط في أياد عراقية على الرغم من وجود الإحتلال الأجنبي .

هـ) إعادة تقييم دور رأس المال الأجنبي في عملية التصنيع ، مع ضرورة الإعتراف بالحاجة لتحقيق التوازن بين إستيراد التكنولوجيا المتقدمة وبين تطوير القدرات المحلية للتكنولوجيا المناسبة .

و) ضرورة التوازن المناسب بين التدخل الحكومي من خلال عملية التخطيط وبين عملية السوق ، بهدف التوزيع العقلاني للموارد الشحيحة لتحقيق  التنمية بأسرع وأكفأ ما يمكن .

صحيح إن مؤشرات السوق والمنافسة محركات هامة للنمو الصناعي الناجح ، ولكن ضرورات مواكبة تطور المعرفة المتسارعة والتجاوب مع المؤثرات الخارجية والتغلب على تخلف المهارات والنظم المساعدة ، كلها أشياء تستوجب التدخل الحكومي الإنتقائي للتغلب على إخفاقات السوق .

ح) وتضيف منظمة Justice Africa  ، لهذه العوامل عاملاً آخراً يتمثل في أهمية التركيز على إنتاج السلع الإستهلاكية التي تلبي الإحتياجات الضرورية للقطاعات العريضة من المواطنيين وإنتاج السلع المرتبطة بإحتياجات القطاع الزراعي ، كالأسمدة والمبيدات الحشرية والعلف الحيواني والالآت الزراعية . لكن مع التركيز أيضاً على عدد من الصناعات المنتقاه والمتميزة بالكفاءة  العالية .

من المهم أن ندرك أن تبني مثل هذا النوع من الإستراتيجيات الصناعية للتنمية الموجهه نحو الداخل ، يتطلب تغييراًً سياسياً جذرياً وتحولاً في العلاقات بين السودان والدول المتقدمة .

قضايا هامة في إصلاح القطاع الصناعي السوداني :

هنالك حاجة ماسة للتحول من النهج المتبع حاليا ، المتمثل في الإنتشار الضعيف على نطاق واسع لعدة  لصناعات ، لنهج آخر يتجه نحو التصنيع الانتقائي . فالجهود يجب أن تركز على تنمية أعداد مختارة من الصناعات الكفاءة وذات  القدرة على دفع النشاطات الانتاجية الاخرى . يجب أن ترتكز هذه الصناعات على الاستغلال الاقصى للموارد المتاحة حاليا والكامنة منها ، وتساعد على  تقوية الترابطات والتكاملات الافقية والعمودية للقطاع الصناعي.

هنالك حاجة ماسة أيضا ، للتحول لمرحلة أكثر جدوى وأعلى درجة لصناعة بدائل الواردات.

من الضروري أيضا التحول بعيدا عن نمط انتاج السلع الاستهلاكية الكمالية للنخبة ، لنمط آخر يركز على إنتاج السلع الاستهلاكية الاساسية لمقابلة احتياجات الجماهير العريضة والتي يتوقع لها أن تتسع مع تطور القوى المنتجة .

تجنب النظام المتبع حاليا لتسليم المشروعات بالمفتاح بعد التنفيذ (turn key projects) ، أدى لارتفاع التكلفة ، وضعف التدريب اللازم للكوادر المحلية من خلال الممارسة نسبة للتركيز على العمالة والكفاءات الإدارية الاجنبية .

العمل الجاد على تنمية صناعات انتاج السلع الرأسمالية والتي تستوجب تمددا نوعيا في الانتاج الكلي وتوسعا مضطردا في أنواع السلع (commodity spectrum) . بهذا المفهوم ، يجب أن تهتم التنمية الصناعية المنشودة بكل أفرع هذه الصناعة ، كصناعة المدخلات الوسيطة والمواد الخام ، والصناعات الاخرى لانتاج  الآلات والمدخلات وليس تجميعها فقط ، حيث تعتبر صناعة إنتاج السلع الرأسمالية  في السودان ، أقل الصناعات تطورا .

وبنفس القدر من الأهمية ، لابد من انشاء صناعات لانتاج مدخلات القطاع الزراعي كالاسمدة ، والمبيدات الحشرية ، وعلف الحيوان والآلات الزراعية بالإضافة لصناعات أخرى  كصهر الحديد، والمسابك ، واللحام ..الخ. قيام مثل هذه الصناعات بالاضافة لتقوية الترابطات القطاعية ، يقلل من الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة .

وإرتباطا بالنقطة السابقة ، هنالك ضرورة ماسة للتطوير النشط والجاد للصناعات الاستخراجية . يتطلب ذلك تبني الخطوات الايجابية لتنمية صناعات التعدين والصناعات التحويلية للمعادن . وفي هذا الخصوص ، لابد من اتباع برنامج وطني جاد  وعلى مراحل لانشاء هذه الصناعات والتي بدورها تفتح الطريق لصناعات أخرى هامة . كما نشيد بالجهد الذي بذلته الحكومة الحالية في ذلك ، ولكننا ننبه بضرورة معالجة السلبيات المتمثلة في التكلفة الاقتصادية والاجتماعية العالية الناتجة عن الأسلوب الذي اتبع في هذا المجال .

لابد من تطوير وترقية الامكانات ، لتوليد الطاقة الكهربائية ولتشغيل الطاقة المولدة منها ونظم توزيعها .

لابد على الاقل ، من تصنيع الادوات الكهربائية البسيطة ، كمحولات الكهرباء وابراج التوزيع .

لابد من تطوير صناعات السلع الاستهلاكية ، بهدف توفير السلع الاستهلاكية الضرورية التي تحتاج لها الجماهير . في هذا الخصوص ، يعتبر التناسب الأمثل (optimum proportion) ، بين صناعات انتاج السلع الرأسمالية والاستهلاكية ، مبررا من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية .

ضرورة الاهتمام باستغلال المخلفات الصناعية لصناعة السكر ، والنسيج ، والجلود ، والزيوت الغذائية والصناعات البتروكيماوية لاقصى وأكفأ درجة .

تنمية صناعات التشييد بصورة جادة ونشطة لمقابلة احتياجات القطر المتزايدة خاصة بالنسية للنازحين ومناطق الحرب .

ضرورة تنمية وتنظيم صناعات الحرف اليدوية الصغيرة المبعثرة على امتداد القطر . من المهم أن ندرك ، إن للصناعات الصغيرة دورا هاما  كجزء من عملية التصنيع ، ولكنها لا يجب أن تعتبر اساسا لها ، بسبب عدم قدرتها على ذلك .

السياسة العملية تستوجب تشجيع إنشاء الصناعات الصغيرة ذات الكفاءة التكنولوجية والاقتصادية بواسطة الجمعيات التعاونية وصغار المنتجين في القطاع الخاص . ويجب أن تركز الجهود على انشاء الصناعات التي تساهم بدرجة أكبر في زيادة الانتاجية في القطاع التقليدي العريض في القطر وتساهم ايضا في حراك ذلك القطاع التقليدي وتحوله .

ضرورة تبني السياسات لتوجيه القطاع الخاص للنشاطات الصناعية ، من خلال الحوافز المدروسة بصورة سليمة والمرتكزة على القرار الوطني للسياسات المالية والضرائبية مع توفير البنية التحتية ، وفي بعض الحالات بإلزام القطاع الخاص بالاستثمار في  النشاطات الصناعية .

لابد أن نذكر ، إن إصلاح وتحول القطاع الصناعي ، يتطلب تغييرات أساسية بالاضافة للحلول الفنية المذكورة سابقا ، وذلك  في طبيعة الملكية ، ونمط توزيع الدخل ، والقوانين الصناعية ، ونظم التعليم ، والمؤسسات المالية والمؤسسات التي تعنى بتنمية الصناعة ، وضبط الجودة ، والتخطيط ، وفوق كل ذلك يتطلب تغييرات في أسلوب  تعبئة واستغلال الفائض الاقتصادي الحقيقي والكامن بالبلاد . إن مجموع هذه التغييرات ، يمثل في نظرنا التحولات المؤسسية التي لابد من تأسيسها لكي يلعب هذا القطاع دوره التاريخي الايجابي والبناء المنوط به.

كل هذا يقودنا إلى مسألة هامة ذات إرتباطً وثيق بما سبق وتتمثل في مراجعة بيع المؤسسات العامة و عملية الخصخصة .

ضرورة مراجعة الخصخصة والمؤسسات العامة التي تم بيعها :

كما ذكرنا سابقاً ، تمت خصخصة بعض منشآت القطاع العام على أسس سياسية وتلقائية ، إتسمت بقدر عال من الفوضى . أدى ذلك إلى مكاسب عالية غير مشروعة  للبعض من رجال الأعمال المقربيين للنظام ولم تقد الخصخصة في هذه الحالة لأي مكاسب في الإنتاجية. هذا الأسلوب في الخصخصة مخالف للأسس السليمة والمفروض توفرها لخلق الأرضية المواتية لها ، كالتنسيق بينها وبين سياسة المنافسة ، وسياسة التحكم في عملية السوق ، وسياسة التصنيع والتجارة ، وسياسة ترقية سوق رؤوس الأموال ، وسياسة سعر العملات ..الخ.

لذلك عملت الخصخصة في غياب هذه الأسس بالإضافة إلى ما ذكر ، على الإضرار أيضاً بالمؤسسات التي بقيت بالقطاع العام والتي لابد أن تتم المحاسبة عليها بعد تحديد حجم الخسائر الناجمة عن ذلك .

إتسمت هذه الخصخصة أيضاً بالتقييم المجحف لمؤسسات القطاع العام ولبيعها بأسعار زهيدة نسبة لغياب المؤسسات المالية وأسواق رؤوس الأموال لتقييم أسهم هذه الشركات بصورة تنافسية حرة . وحتى عند قيام هذه المؤسسات ،  لعب الفساد البيروقراطي  دوراً هاماً في إبطال مفعولها ، كما لعبت سياسات الإقتصاد الكلي المتذبذبة والفاقدة  للديمومة  والإستمرارية ، إضافة للتدخل الحكومي المتناقض على مستوى الإقتصاد الجزئي على إضعاف هذه المؤسسات الهامة لتلعب الدور المناط بها في تعبئة الفائض الإقتصادي ودعم التنمية .

وفي نفس الإتجاه ، لعب إحتكار النظام المصرفي دوراً خطيراً في التمييز بين المتنافسين على شراء هذه المؤسسات من خلال توفير العملات الصعبة وتقديم التسهيلات المصرفية لشراء المدخلات ، مما أضر بعملية التنافس الحر وأفقدها مقوماتها وجعلها تصب لصالح جماعة محددة تفتقد الخبرة في إدارة هذه المؤسسات مقارنة بالبيوت التجارية المعروفة والمختبرة تاريخياً بأدائها المتفرد في هذا المجال.

ومن ناحية أخرى أتجه النظام الحالي كما ذكرنا سابقاً  ، لبيع مؤسسات القطاع العام كبديل للسياسات الضرائبية السليمة . فبدلاً من إعطاء الأسبقية لتعزيز هذه المؤسسات بالإستثمار فيها وإعطائها قدراً من الحرية في القرار مع  الشفافية بإتباع الإجراءات  والموجهات السليمة ، لجأ النظام لبيعها للمقربين . هذا الإتجاه ، إرتبط بمحاباة رجال الأعمال المقربين للنظام وذلك ببيعها رخيصة لهم كبديلً لفرض ضرائب الدخل التصاعدية عليهم . عليه فقد القطاع العام هذه المؤسسات ببيعها بأسعار زهيدة ، وفقدت معه الخزينة العامة عائد الضرائب الذي كان من الممكن تحصيله في حالة تطبيق سياسة ضرائبية سليمة  للدخل .

صاحبت سياسة الخصخصة هذه ، أثارً إجتماعية سلبية ، زاد من حدتها غياب الإجراءات المخففة لأثارها والتي من بينها : 

أ) إن الموارد الموجهة للتدريب المهني لدرء الأثار السلبية على التوظيف تتسم  بالضعف .

ب) إن الدعم والإعانات المالية التي تستهدف مجموعات محددة من ذوي الدخول الدنيا بغرض تخفيف آثار إرتفاع  الأسعار عليهم ، لا تفي بالغرض .

ج) إن برامج الإنفاق المرتبطة بإستراتيجيات إزالة الفقر لتخفيف تراجع الإنفاق العام ، ضعيفة جداً .

د) إنعدام أو ضعف التنسيق المطلوب بين سياسات الأمن الغذائي ( المخزون الإستراتيجي) ، وبرامج العون السلعي ، وبرامج التوظيف العام والإجراءات الأخرى  للتخفيف من الفقر ولتحسين الأوضاع المعيشية. تجدر الإشارة هنا ، إلى  أن الدراسات  التي قدمت في  الماضي ، إحداها ، الدراسة التي قدمها بيت الخبرة الكندي في السبعينيات لإزالة الإختناقات في القطاع الزراعي المتمثلة في المناولة والترحيل والتخزين بما في ذلك تحديد  قطارات مخصصة لنقل المحاصيل الزراعية unit trains   ، وتحسين عمليات المناولة و التخزين على مستوى المزرعة وإنشاء الصوامع في مناطق الإنتاج والإستهلاك خاصة المناطق المهددة بالمجاعات مع تشييد طرق مغذية  تربط مناطق الإنتاج الزراعي بالسكك الحديدية و الطرق السريعة  ، و الدراسة الاخرى ، التي قدمتها المجموعة الأوروبية وجامعة Sussex البريطانية للأمن الغذائي ، وهاتان الدراستان لم تريا النور حتى الآن (وقد شارك في إعدادهما كاتب هذه الدراسة) . زد على ذلك  وللأسف لجأت الحكومة الحالية لبيع المخزون الإستراتيجي في وقت كانت تعاني البلاد فيه من عوز غذائي ، كما قامت بإلغاء خط السكة حديد من سنار إلى هيا مروراً بمناطق هامة للإنتاج الزراعي والحيواني . في تقديرنا ، أن إجراء إلغاء السكة حديد المذكور كان مرده التحيز لأصحاب الشاحنات ،  من المقربين للنظام ، بحجة قدم خزان سنار . الكل يعلم أن طاقة شحن السكك الحديدية أكبر وأرخص من طاقة الشاحنات ، كما إن الشاحنات تستهلك قطع غيار مستوردة وتعمل على إستهلاك الطرق السريعة ذات التكلفة العالية . فكان من الأجدى بناء جسر مواز للخزان لتخفيف الضغط على خزان سنار  بدلاً عن عدم الإستفادة من الخط الحديدي الذي  يكلف بأسعار اليوم أموالاً طائلة . كما إن الخسارة الناتجة عن عدم إستغلاله ، تمثل فاقداً إقتصادياً كبيراً للبلاد .

لذلك نرى من المهم جداً ، مراجعة هذه التجاوزات الإقتصادية المتمثلة في عدم إستغلال الإمكانات المتاحة للبلاد ، وبيع مؤسسات القطاع العام ومراجعة سياسة الخصخصة بصورة شاملة ومحاسبة الجهات الرسمية التي فرطت في مقدرات الوطن مع ضرورة إتخاذ الإجراءات الهامة واللازمة والحاسمة لتخفيف الأثار السلبية لسياسة الخصخصة وسياسة التكييف الهيكلي المرتبط بها .

تصور لموجهات عامة لإستراتيجية إقتصادية بديلة :

على ضوء ما سبق ، يمكننا تحديد بعض الأولويات لهذه الإستراتيجية البديلة والتي نحصرها في الآتي : (راجع : كارل فولموث ، 1994)

أ) تنشيط القطاعات الإقتصادية المنتجة :

ضرورة التوازن بين القطاعات الزراعية المختلفة كالزراعة المروية والآلية والمطرية وتربية الحيوان على الأسس التي ذكرناها سابقاً ، نسبة لأن الفترة منذ فجر الإستقلال شهدت تحولاً في التكلفة والمنفعة في هذه القطاعات .

التوازن بين الصناعات الكبيرة والصغيرة ، والخاصة والعامة ، والحديثة والتقليدية ، والتقليدية الصغيرة والحديثة الصغيرة ، والرسمية والغير رسمية ، نسبة لأن التركيز على صناعات القطاع العام وحدها ، اصبح غير ملائم لأهداف التنمية .

إستغلال الترابطات (linkages) بين الإقتصاد الريفي والحضري ، وبين الصناعة والزراعة ، نسبة للتداخل المتزايد بين أسواق العمالة بالريف والحضر ، والإمكانات الإقتصادية الضخمة الكامنة لهذه الترابطات .

تنمية البنية التحتية الإجتماعية والمادية ونظم حماية البيئة ، وذلك لتدني حالة هذه البنيات والموارد البيئية مما يهدد إمكانية البقاء والإنتاجية لكل القطاعات الإنتاجية .

ب) إصلاح سياسات تركيز الإقتصاد  الكلي والسوق : 

إصلاح النظام الضرائبي والإداري لتحسين هياكل الدخل والإنفاق الحكومي ومعالجة التمويل بالعجز .

تطبيق سياسة نقدية وإئتمانية فاعلة ، نسبة لصعوبة التحكم على السيولة وضعف التوزيع الكفء للإئتمان المطلوب للقطاعات الإنتاجية في ظل الأوضاع الحالية .

هنالك حاجة ماسة لتوازن أكثر بين القطاعين العام والخاص ، خاصة فيما يتعلق بالإستثمار العام والخاص . نسبة لأن استثمار القطاعيين أقل من الحد الأدنى لمنع تآكل الأصول الرأسمالية (capital stock ) .

هنالك ضرورة لتوازن أكثر بين الإنفاق الإنتاجي والإجتماعي بالإضافة لخفض المنصرفات غير الإنتاجية ، والعمل على تعبئة الموارد وإستقطاب  التمويل الأجنبي . هذه الموارد ستساعد في تمويل البرامج الإجتماعية لتخفيف وطأة الأثار السلبية لبرامج التكييف الهيكلي .

ج) إعادة تنشيط الدولة التنموية (revitalizing the developmental state):

ضرورة المشاركة الشعبية الفاعلة على كل المستويات أفقياً وعمودياً ، نسبة لأن غياب المشاركة أدى للتدني السريع في الحافز  (motivation )  والتعبئة و الشفافية ، و نشر المعلومات ، ورفع الوعي والمسؤولية .

أهمية تبني النظام الفيدرالي تتطلب بالإضافة للمشاركة في السلطة ، المشاركة في  الموارد القومية ، والإلتزام بسداد الديون على كل من المستوى الافقي والعمودي ، والسيطرة والشفافية على كل المستويات لنجاح الحكم السليم .

تطوير نظم الإدارة العمالية والعقد الإجتماعي (social contracts) لتوفير الأسس العادلة لبرامج التكييف . إن تخفيف الآثار الإجتماعية السلبية لسياسة تحرير الإقتصاد ، تتطلب التنسيق بين النقابات وتنظيمات المخدمين والإدارات العمالية .

ضرورة إنعاش عملية التخطيط طويلة المدى ، نسبة لأن القرارات العشوائية المتجاوزة للتخطيط الجاد وللموازنة المالية المنضبطة خلقت مطالباً مصلحية غير واقعية لبعض الجماعات وأدت للفساد وضيق النظرة السياسية .

ضرورة التوزيع العادل للدخل أو ما يسمى بخيار التنمية على أساس المساواة (egalitarian development ) :

إن تحقيق التوزيع العادل للدخل أو التنمية التي تعمل على التساوي بين أفراد المجتمع ، مسألة في غاية الأهمية لمجتمع كالسودان عانى من النزاعات التي إرتبطت بغياب العدالة والمساواة .

إصرارنا على عملية المساواة في توزيع الدخل ، نابع من أن زيادة متوسط دخل الفرد المرتبط بزيادة النمو ، مسألة كمية لا تعني بالضرورة التوزيع العادل للدخل . كما أن تحقيق النمو المتوازن كمياً بين أقاليم وولايات السودان والذي ننشده ، لا يعني بالضرورة أيضاً المساواة الفعلية في توزيع الدخل والتي تعتبر شيئاً نوعياً .

عليه نرى أن لابد من تبني السياسات والآليات التي تساعد الحكومات التي تعقب السلام على تحقيق هدف التوزيع العادل للدخل .

يقول (Griffin and James  ، عامي 1979، 1981 ) ، لأبد من توفر بعض الشروط لنجاح هذه الإستراتيجية والتي تتلخص في الآتي :

أ)  توفر شرط العرض (supply condition ) والذي يتمثل في إنتاج كميات كافية من السلع والخدمات لمقابلة الإحتياجات الأساسية للمواطنيين والتي يمكن أن تكمل بواسطة الواردات لضمان المستوى الأدنى الكافي للإستهلاك (minimum consumption standards) .

ب) شرط الطلب (demand condition) والذي  في حالة السوق ، يتمثل  في توزيع السلع والخدمات بواسطة آلية السوق . وفي هذه الحالة لابد أن يكون الطلب الفعلي (effective demand ) لأفقر المجموعات كافياً ليسمح لها بمقابلة المستوى الأدنى للإستهلاك المذكور في الفقرة السابقة .

ج) شرط التوزيع والوصول السلع ، والذي يعني ضرورة وصول السلع المنتجة للفقراء .

د) شرط ضرورة إستدامة التنمية الهادفة للمساواة .

عليه يقترح الإجراءات والسياسات البديلة التالية لإعادة توزيع الدخل ورفع الطلب الفعلي للفقراء .

أ) سياسة التسعير ، بتبني سياسات سعرية تفضيلية لخفض أسعار بعض السلع والخدمات والتي تمثل نسبة عالية من الإنفاق الكلي للفقراء ، أو بدلاً من ذلك بتوزيع هذه السلع مباشرة للمستحقين . ولكن يجب أن ندرك أن السيطرة على الأسعار ، ربما تضر ببعض المجموعات الفقيرة بينما تنفع الأخرى . فمثلاً السياسات التي تخفض الأسعار الغذائية الأساسية تنفع الذين يعتمدون عل السوق للحصول على هذه السلع ، ولا تؤثر على الذين يعتمدون على الإقتصاد المعيشي (self-sufficient ) ، كما تضر بالفلاحين الفقراء الذين يعتمدون في حياتهم على بيع السلع الغذائية في السوق . عليه لابد من وضع هذه في الحسبان عند تطبيق هذه السياسة.

ب) سياسة خلق الوظائف (employment creation) والحد الأدنى للأجور (minimum wage) ، من خلال تبني برامج التشغيل العامة (public work) ، لخلق فرص واسعة للعمالة في القطاعات المتسمة بكثافة العمالة (labour intensive) كقطاع التشييد ، ومن خلال تبني سياسة الحد الأدنى للأجور التي تفيد الذين يعملون دون الحد الأدنى للأجور  ، ولكنها ربما لا تشجع النشاطات ذات العمالة الكثيفة في حالة التطبيق الفعال لهذه السياسة .

ج) سياسات الدخل والتي على الرغم من إمكاناتها المحدودة في تحويلات الدخول (income transfers) بالدول النامية كالسودان ، إلا أنها من الممكن أن توظف للسيطرة على أو منع زيادة الدخل للطبقات العليا ، بينما تسمح بزيادة دخل الفقراء نسبياً مقارنة بالمجموعات الأخرى .

د) سياسة توفير السلع العامة (public goods) ، من خلال توفير  السلع والخدمات على أسس جماعية (collective ) كخدمات التعليم والصحة والمياه والتصريف الصحي ، وتوزيع البذور . وصول هذه الخدمات للفقراء يتطلب تنظيمهم  للدفاع عن حقوقهم ، إذ أكدت التجارب أن ضعفهم السياسي والتنظيمي ،  يضعف من إمكانات حصولهم على هذه السلع العامة .

هـ) تبني الإجراءات لرفع إنتاجية الفقراء . في الغالب المستفيدون من هذه الإجراءات ، هم صغار المزارعون ، والحرفيون الذين يملكون أصولاً إنتاجية والعمال بالأجر الذين ربما يكسبون من الإنتاجية العالية . ولكن في حالة نزوح العمال  وإرتفاع قيمة الأرض والإجارات ، ربما تضعف من مفعولها في التأثير على عدم المساواة والفقر . لذا لابد من مصاحبتها بإجراءات أخرى للتحكم في السلبيات .

و) إعادة توزيع الأصول (asset redistribution) ، هذا الإجراء من أكثر الإجراءات جذرية ويعني إعادة توزيع ملكية وسائل الإنتاج . لقد أكدت التجارب بأن الفوارق الحادة في الملكية تقود لفوارق مماثلة في توزيع الدخل . عليه يرى العديد من الإقتصاديين بأن المساواة المتزايدة في هيكل الملكيةownership)  structure of property) ، تمثل الشرط الضروري للتوزيع الأكثر عدالة للدخل .

في هذا الخصوص ، نجد ملكية الأرض في العديد من الدول الأفريقية و من  ضمنها السودان ، تتسم بقدر عال من عدم المساواة . عليه برز التفكير في  التركيز على ضرورة تبني إصلاحات زراعية فعالة (agrarian reforms) تشتمل على إعادة توزيع الأراضي بصورة أكثر عدالة مع توفير الخدمات اللازمة بما فيها التسليف الزراعي وإصلاح كل الإختلالات في سلسلة الإنتاج والتسويق ، بداية بالمنتج ونهاية بالمستهلك . إن هذه هي الوسيلة الأساسية لترقية النمو الزراعي والتنمية الريفية ، وتوسيع  فرص العمالة ورفع درجة المساواة .

على ضوء ما ذكر أعلاه ، يمكننا إستخلاص عدة نقاط هامة :

أولاً : يتطلب إعادة توزيع الدخل وإزالة الفقر ، تطبيق حزمة  من السياسات بصورة حازمة وعلى أساس طويل المدى . بالإضافة لذلك ، تتطلب المساواة في الدخل تغيير الهياكل الإقتصادية ، نسبة لأن إعادة  توزيع  الدخل كإجراء منفرد لا يحقق الهدف المطلوب في إطار الهياكل المشوه حالياً . عليه من المهم جداً ، دراسة وتحليل الهياكل الإقتصادية والإجتماعية لتحديد مكمن الخلل الحقيقي ، ووضع الوصفات الناجعة لعلاجه .

هنالك إجماع بأن إعادة توزيع الأصول (assets ) ، تمثل أكثر الخيارات فعالية على أن يتبعها إصلاح زراعي جذري يضمن مساواة أكثر في توزيع الدخل لصالح الأسر الريفية ، وعمالة ريفية أوسع ، وحد للهجرة من الريف إلى المدن .

ثانياً : وفي نفس الإتجاه ، لابد من إتباع سياسات لرفع معدلات النمو أو الحفاظ عليها مع ضرورة الدمج بين إعادة التوزيع والنمو . فالعديد من الإقتصاديين يجمعون على ضرورة تحقيق حد أدنى من معدل النمو الإقتصادي كشرط أساسي لفعالية إعادة توزيع الدخل . ولكن كما سبق أن ذكرنا ، لابد من التحقق من طبيعة النمو الإقتصادي وتكلفته الإجتماعية وقطاعات المواطنين التي يخدمها .

وفي هذا الخصوص ، تقترح منظمة العمل الدولية (ILO )  عام 1972 ، مجموعة عريضة من المبادرات الحكومية التي تستهدف توسيع الموارد المتوفرة للفقراء . فالإستراتيجية التي تقترحها المنظمة لا ترتكز على التحويل المباشر للدخل (direct income transfer)، من الأثرياء للفقراء ، ولكن  ترتكز على الإستثمار الذي يوفر للعاطلين عن العمل والعمال الفقراء ، الأسس التي تمكنهم من الحصول على حد أدنى من الدخل .

وفي تطور لاحق لهذا المفهوم يقترح البروفسير Chenery عام 1974 ، في الصفحات 234-235 ، ضرورة الأهتمام بالفقراء من خلال معدلات نمو مستهدفة (target growth rate) تولي وزناً أعلى لنمو دخل المجموعات الأكثر فقراً وتحدد المجموعات الفقيرة المستهدفة في كل من الريف والمدن ، وتعيد توجيه الإستثمار العام لرفع الطاقة الإنتاجية والدخل لهذه المجموعات . ويخلصChenery and Ahuwalia  بالقول " هنالك إمكانية مهولة لرفع دخل المجموعات ذات الدخول الدنيا من خلال سياسة تحويل الإستثمار (investment transfers) . هذه الإستراتيجية على الرغم من أنها تعمل على الهامش ، لكنها من الممكن أن تحقق تحسينات ضخمة في أنماط تركيز الأصول مع الزمن . فإذا كان الدخل في المجموعات الصغيرة ، مقيداً بفقدان رأس المال المادي والإنساني والوصول للبنية التحتية ، فإن إعادة توزيع الموارد العامة ، من الممكن أن يوفر آلية قوية لإزالة هذه العوائق . فالدرجة المطلوبة لتحويل الموارد (extent of resource transfer ) ، المقدرة بـ 2% من الدخل القومي الإجمالي لفترة 25 عاماً ، ليست بصغيرة ، ولكنها يجب أن تكون ذات جدوى في العديد من الدول " . (راجع : المصدر أعلاه  الصفحات من 234-235) .

يقودنا ذلك لضرورة الإهتمام بإستراتيجية الإحتياجات الأساسية .

 هذه الإستراتيجية على الرغم من أنها في الأساس تهدف بصورة مباشرة إلى إزالة الفقر ، إلا أنها تمثل في حالات كثيرة الحوار المتواصل حول إعادة التوزيع المرتبط بالنمو . 

تشتمل إستراتيجية الإحتياجات الأساسية هذه ، على كل من السلع الخاصة (private goods ) كالغذاء ، والماوئ والملبس وبعض  السلع العامة (public goods) كالخدمات الصحية والتعليم ، والماء والتصريف الصحي كما ذكرنا سابقاً .

لذلك لابد من التوازن بين القطاعين العام والخاص لمقابلة هذه الاحتياجات والتي تتمثل في المكونات التالية لإستراتيجية الإحتياجات الأساسية :

أ) توفير العمالة المنتجة للفقراء .

ب) إستثماراً أكبر للزراعة التقليدية والقطاع غير الرسمي .

ج) وصول كل المواطنين للخدمات الأساسية .

د) تقليل الفوارق بين الأسر في الوصول للسلع الأساسية والخدمات .

هـ) خلق المؤسسات التي تمكن غالبية الفقراء من المشاركة بصورة أنشط في جهود التنمية .

يرى بعض الخبراء الإقتصاديين خاصة اليساريين منهم ، إن مثل هذه الإستراتيجيات ، تمثل فكراً إصلاحياً يعتمد التطور (reformist and evolutionary) ، لإعطاء مسحة إنسانية للنظام الرأسمالي ، بدلاً عن الإجراءات الجذرية كإعادة  توزيع الدخل والأصول أو الملكية . ولكن على أرض الواقع يسهل تطبيقها نسبة لأنها ستواجه بمقاومة أقل من قبل المنتفعيين الحاليين مقارنة بالسياسات الهادفة للتغيير الجذري . كما  أنها تمثل حلاً وسطاً في غياب الإمكانية لتحقيق التغيير السياسي الجذري .

الشئ المهم الذي يجب أن ندركه أن المسألة برمتها تمثل صراعاً سياسياً في النهاية ، وليس من الصواب أيضاً أن نعتبر هذه الإستراتيجيات محايدة سياسيا . كما أنه على الرغم من الحديث الكثير عن ضرورة تحقيق المساواة ، إلا أن العديد من الدول بما فيها السودان لا تتجه نحو تحقيق المساواة .

يذكرنا الدبلوماسي والإقتصادي السويدي ميردال بحقيقة هامة وهي أن الجماعات الحاكمة في غالبية دول العالم الثالث ليس لديها مصلحة في تبني السياسات الهادفة للمساواة ، خاصة إذا كانت هذه السياسات تضر بمصالحها الإقتصادية والسياسية . ويذكر في كتابه تحدي الفقر العالمي (The challenge of world poverty) عام 1971 ، الصفحات 88 إلى 89 ، " لم يحدث أبداً في التاريخ المسجل بأن تنازلت الجماعات المميزة عن إمتيازاتها وفتحت إحتكاراتها للمسحوقيين بمبادرة شخصية منها . على المسحوقين أن يعوا مطالبهم بالمساواة الأكبر وأن يقاتلوا لتحقيقها .... ولكن عندما يكون الضغط القاعدي غائباً تماماً لحد ما ، كما في معظم الدول المتخلفة ، يجب ألا نندهش من الحفاظ (preserved) على عدم المساواة الإجتماعية والتمايز الطبقي الإقتصادي المستمر منذ عهد الإستعمار ، ولا من أن التنمية تتحرك في إتجاه لعدم عدالة أكبر " . كما من الممكن أيضاً أن تقود المصلحة الشخصية المستنيرة مع الضغط الشعبي ، ليحاول الحاكمون تقليل التفاوتات في توزيع المنافع من النمو كإجراء ذكي لتقوية مواقعهم . ولكن تؤكد تجارب السودان تحت النظام الحالي أن القمع وإحتكار السلطة هما السمة في مواجهة الضغط الشعبي ، حتى في الحالات التي يدعي فيها النظام بعضاً من المرونة . خلاصة القول أن الحقوق لا تمنح بل تكتسب من خلال النضال السياسي والإجتماعي القاعدي الدؤوب .

الصناعة النفطية وتوزيع العائد منها :

إن الإستثمار الدولي الرئيسي الآن بالسودان ، نجده يتمركز في الصناعة النفطية . ولكن لسوء الحظ لصناعة النفط سجل غير حافل نوعاً ما بالأخلاقيات التي تحترم البيئة وحقوق الإنسان . فالشركات التي جذبت للعمل في السودان ، دأبت أن تكون من تلك النوعية التي لا تعني لها الأخلاقيات أي نوع من الأولويات العليا .

لذا درجت هذه الشركات العاملة في مجال البترول بالتواطؤ مع النظام على توفير البنية  التحتية الضرورية للعمليات العسكرية وسياسة الأرض المحروقة التي أدت إلى تدمير قرى كاملة وإخلاء مناطق بأكملها من جميع سكانها لكي تستمر عملية إستخراج النفط . كما لم تلتزم هذه الشركات سابقاً ، بمسؤولياتها الإجتماعية المؤسسية (corporate social responsibility ) في تقديم الخدمات الإجتماعية الضرورية في مناطق إنتاج البترول ، اللهم إلا في حدود ضيقة تتمثل في بعض المدارس  والمراكز الصحية  التي لا تفي  بالغرض ، والتي تستفيد منها الشركات نفسها . وجرياً وراء الربحية الشاذة (abnormal profit ) ، لم يتم أي تعويض للمواطنين الذين فقدوا أراضيهم بسبب التنقيب عن النفط أو إنشاء خطوط الأنابيب . ساعد في ذلك الظلم ، غياب الحريات العامة للمطالبة بالحقوق ، وقانون الأراضي الحالي الذي يعطي في الغالب حق الملكية الكاملة على كل الأراضي للدولة.

إضافة لذلك ، تجد في الغالب العائدات من البترول طريقها لتمويل الحرب ، وأجهزة الأمن والصرف على الحزب الحاكم وجيوب المنتفعيين من المقربيين للنظام الحاكم والشركات الأجنبية .

للأسف ، أدى إفراغ الخدمة المدنية من الكفاءات المؤهلة والحصار المفروض على السودان والفساد ، لإضعاف الموقف التفاوضي للسودان ، حيث لا تزيد حصة السودان من عائدات البترول عن 5% (راجع : ديفيد مايو ، رسالة دكتوراة بجامعة بيرمينجهام عام 2002) . وفي نفس الإتجاه ، ونسبة للجري  وراء المصلحة الشخصية وعدم الإكتراث بمقدرات الوطن ، خسر السودان ما قيمته 50 مليون دولار في صفقة بيع وشراء أسهم كان يملكها أحد السودانيين المحسوبيين على الحزب الحاكم . وقد بيعت أسهمه للشركة الكندية تاليسمان بـ 25 مليون دولار ، والتي قامت بدورها ببيعها لشركة أخرى بـ 75 مليون دولار عندما أضطرت للإنسحاب من عملية التنقيب عن النفط في السودان بسبب الضغط عليها من قبل منظمات المجتمع المدني السودانية والعالمية .

زيادة على ذلك ، أدى الحصار المفروض على السودان والذي مرده إيواء وتصدير الإرهاب ، لإستجلاب آلات ومعدات تتسم بتكنولوجيا متخلفة مقارنة بالتكنولوجيا الغربية المتطورة في هذا المجال .

كما أن غياب إحترام حقوق الإنسان بالبلاد ، أضعف من إمكانية محاربة التكنولوجيا المستخدمة والملوثة للبيئة والأنهار والضارة بالإنسان ، وأضعف أيضاً من القدرة على الضغط على الشركات العاملة في مجال البترول لإحترام مسؤولياتها الإجتماعية نحو المناطق التي تعمل بها. 

 هذا الوضع أهدر الفائض الإقتصادي الفعلي ، بسبب التكلفة الإقتصادية  والإجتماعية  العالية ، كما أضر بإمكانات البلاد في تعبيئة الفائض الإقتصادي الكامن.

علينا أن نلفت الإنتباه لخطورة التأثير على البيئة المرتبط بالممارسات العشوائية لشركات البترول . فتجربة أوقوني لاند (Ogoni Land ) مثال حي للأضرار التي يمكن أن تحدث عن غياب الإلتزام بالأسس والمعايير السليمة في عمليات صناعة النفط .

إن السودان بصفة خاصة يشكل بيئة خطيرة للصناعة النفطية من هذه الناحية ، وذلك لأن أي حادثة صناعية كبيرة تحدث ، مثل تسرب نفطي قرب مجرى النيل سيكون لها تأثير قاتل على كل الذين يعتمدون على مياه النيل كمصدر لسبل عيشهم أو كمياه للشرب . ومن الممكن أن يصل تأثير ذلك إلى مصر ، علماً بأن خط الأنابيب الحالي يعبر نهر النيل ونهر عطبرة ، كما يتم نقل النفط من حقول ملوط بواسطة الزوارق النهرية  . لذلك حتى في غياب النزاع والأعمال التخريبية في خطوط أنابيب النفط أو منشآت النقل ، يجب ألا نقلل من شأن خطورة وقوع الحوادث .

ذلك ، لأن الشركات العاملة في صناعة النفط في السودان ، وكما ذكرنا سابقاً ، للأسف لم تأبه بالعديد من الضوابط والأخلاقيات المفروض إتباعها كمسؤولية إجتماعية مؤسسية . هذه الشركات تعاملت مع النظام الذي أدانه المجتمع الدولي عدة  مرات بتجاوزاته الشنيعة في حقوق الإنسان .

وفي نفس الإتجاه  ، يعتبر  عدم إهتمامها بضرورة إيقاظ وعي المواطنين تجاوزاً للمسؤولية الإجتماعية للشركات . فإيقاظ الوعي كما هو معروف ، يصعب تحقيقه في غياب الحريات العامة التي تؤمن فرص الحوار ، أو تحقيقه في ظروف يعاني فيها المواطنين من فقدان الأمان ، أو تتسم بتدمير أسس المعيشة لهم وبغياب سيادة  القانون. تغاضت هذه الشركات عن كل هذه الأسس الهامة جرياً وراء الربح .

لم يغب عن هذه الشركات ايضاً ، بأن الثروة الوليدة من البترول ، لن يستفيد منها  كل المجتمع ، وذلك لإستشراء الفساد والطبيعة الحزبية والأحادية العازلة  للآخرين والمسيطرة على السلطة الإقتصادية والسياسية ، وما صاحبها من  توزيع غير عادل للدخل . إضافة لذلك ، الكل يعلم بأن المجتمعات المحلية أيضاً لم تستفد ، نسبة للتهجير القسري للمواطنين كمبرر لـتأمين مناطق إنتاج البترول ، كما أن المنشآت القليلة التي تم أنشاؤها إضافة لقلتها لا يسهل الوصول إليها بواسطة  السكان المحليين .

هذه الشركات تعلم جيداً أيضاً ، بأن الإزالة الواسعة للأشجار للإعتبارات العسكرية في مناطق إنتاج البترول ، قد أثرت  بصورة خطيرة على  البيئة  الطبيعية (natural habitat ) ، كما أن تدمير الأساس الإنتاجي لهذه المجتمعات ، زاد من تهميش المنتج الصغير بها .

مسألة أخرى في غاية الخطورة والأهمية وترتبط بأعلاه ، تتمثل في أن هذه الشركات ومعها حكومة السودان ، لا تطبق معيار تقييم الأثر على البيئة للعمليات النفطية (criterion of environment impact assessment of the oil operations) . وذلك لأن عدم تطبيق هذا المعيار الهام ، يزيد من الربحية لأنه يجنب الشركات الصرف على حماية البيئة ، كما أن غياب الحريات العامة بالبلاد يحرم المواطنون من رفع أصواتهم ضد المخاطر على البيئة . إن عدم التقيد بهذا المعيار الهام وغياب الحريات ، يفتح الطريق أمام هذه الممارسات الضارة والغير مشروعة .

أما في ما يتعلق بفرص العمالة المحلية ، فنجدها محدودة ، نسبة لأن غالبية العمالة أجنبية ، مما شبه هذه الصناعة بالحظيرة أو الجزيرة المعزولة (enclave) ، ذات الأثر الضيق (little spread effect) .

هذه الشركات تعتمد أيضاً في حمايتها على القوات الخاصة من بينها المرتزقة الذين لديهم سجل إجرامي خاصة الصنيون منهم ، بالإضافة للجيش والمليشيات . كل هؤلاء لا يلتزمون بالحد الأدنى لحقوق الإنسان المعترف بها عالمياً .

تعلم هذه الشركات جيداً ، أن الحكومة تستخدم التجنيد القسري للمواطنين والذين يتم تدريب بعضهم في معسكر على مقربة من وحدة هجليج لإنتاج البترول ، لكنها تغض النظر عن هذه الحقيقة متجاوزة بذلك مسؤوليتها الإجتماعية . والأسوأ من ذلك ، أنها توفر البنية التحتية كمدارج لهبوط الطائرات الحربية وتوفير الوقود لها .

هذه الشركات الأجنبية ذات إلمام تام بتقارير صندوق النقد الدولي ، والتي أكدت أن غالبية الدخل الحكومي يوجه للحرب . جاء في هذه التقارير أن الإنفاق النقدي للعمليات العسكرية ، عدا الإنفاق على الأمن الداخلي ، قد أرتفع بـ 50% في الفترة مابين الأعوام 1999 و 2001 . بمعنى آخر إرتفع من 242 مليون دولار إلى 362.2 مليون دولار بزيادة قدرها 120.2 مليون دولار . هذه الزيادة تتوافق مع الزيادة في الدخل الحكومي من البترول من 7.6% في عام 1999 إلى 38.5% من الدخل القومي. 

وفي نفس الإتجاه ، أبرمت حكومة السودان صفقة مع روسيا تقدر بـ 600 مليون دولار لبناء دبابات T-72  كمقايضة لامتيازات نفطية لروسيا في شرق السودان .

هذا الأسلوب لشركات النفط ، شكل خطأ عميقاً في التعامل مع مقدرات الوطن والمجتمعات المحلية على وجه الخصوص ، وإتسم بتجاوزات واسعة في حقوق الإنسان .

من المهم جداً ، أن تتم جميع  العمليات النفطية بالشكل الذي يحترم البيئة ويراعي السكان المحليين ، ويعوضهم عن خسارة الأرض وخسارة الممتلكات الشخصية وأي  تداعيات أخرى . وفي المدى البعيد ستجد الحكومة وشركات النفط أن ذلك يخدم مصالحهم أيضاً. أن المجتمعات التي يتم التعامل معها بصورة عادلة تقوم بدورها ، بأحترام المنشآت  النفطية والعاملين بها .

ولكن المجتمعات  التي تظلم ويعسف بها ، يمكن أن ترد على شركات البترول بنفس القدر من الإزدراء والكره .

الأمر لا يحتاج لأكثر من تخريب إنتقامي بسيط ، كتخريب خط الأنابيب وإيقافه عن الخدمة ، كرد فعل للإنتهاكات التي تمارسها هذه الشركات         ضد مواطني هذه المناطق . صحيح أن بعض الشركات النفطية وتفادياً للنزاع ، لوحت بمشاريع ، ولكنها قليلة ، وكما ذكرنا سابقاً غير كافية .

هنالك مسآلة أخرى هامة ، يجب وضعها في الحسبان من الناحية الإقتصادية ، وهي أن لإنتاج النفط سحر خفي . فعادة ما يعتقد حكام الدول النفطية بان لديهم معين لا ينضب ، وبالتالي يتصرفون بطريقة تتنافى مع الحكمة الإقتصادية في تحديد الإستثمار المعقول . ولذلك ،  لدى معظم الدول الغنية بالبترول ، ميل لإتخاذ القرارات الإقتصادية السيئة . ولكن في نفس الوقت ، ربما يعمل البترول في حالة السودان ، على جذب أموال السودانيين للإستثمار في السودان . في هذه الحالة ، يقود إنتاج النفط في السودان بصورة غير مباشرة ، إلى خلق وضع نفسي يساعد في تفجير ثروة كامنة في  المستقبل .

في نظرنا ، إن الإعتقاد بأن البترول  سيحل مشاكل السودان ،  إعتقادً خاطئًً . فالإختلالات (imbalances ) في الإقتصاد الكلي  ، نجدها كبيرة . عليه لأبد ، من إتفاق شامل مع دائني السودان حتى لا يصبح النفط دعوة للمطالبة بزيادة دفعيات الديون .    

نذكر أيضاً ، بخطورة الإندفاع لتأسيس عقلية الإزدهار في المجتمع المرتكزة على وفرة النفط (oil bonanza) ، والتي تتغاضى عن السلبيات في تطوير هذه الصناعة .

لذلك نرى ، من المهم أن تتبنى حكومة ما بعد السلام ، سياسة طويلة المدى  لصناعة النفط ، تعمل على تحقيق الحد الأقصى من المنافع وعلى تقليل السلبيات من هذه الصناعة.

من المهم أيضاً ، أن نتجنب ما يسمى بأثر المرض الهولندي (Dutch disease effect)  . هذا التعبير ، استعمل لتفسير الظاهرة التي شوهدت أولا بهولندا عند بداية استخراج الغاز الطبيعي في بحر الشمال . يحدث هذ          ا المرض عند ما يصاحب استغلال الموارد الطبيعية ، انخفاضا في الانتاج للقطاعات الاخرى في الاقتصاد. لابد من تدارك هذه المسألة بالتنسيق بين كل القطاعات الانتاجية ، حتى لا يحدث لنا ما حدث في نيجيريا من تدمير للقطاع الزراعي . وفي نفس الوقت ، لابد من عدم الاعتماد الكلي على النفط ، لتقلب اسعاره العالمية مما يؤثر على خطط التنمية .

كما نقترح ايضا الإجراءات التالية :

أ‌- الضغط على الشركات العاملة في مجال البترول لاحترام مسؤوليتها الاجتماعية نحو المناطق التي تعمل بها .

ب- ضرورة التحقيق في الاتفاقيات والعقود المبرمة مع الشركات لكشف التجاوزات ، إن وجدت .

ج- الضغط على هذه الشركات لاعادة استثمار جزء من ارباحها في تنمية مناطق إنتاج البترول.

د- استبدال التكنولوجيا المستعملة حالياً ، بتكنولوجيا حديثة لا تضر بالبيئة والانسان .

هـ- الحصر الدقيق لعائدات البترول وأوجه صرفها .

و- الحفاظ بجزء متفق عليه لتنمية مناطق الانتاج وتنمية المناطق الاخرى بالسودان على أساس خطط التنمية المحلية ، والاقليمية ، والقومية والتي تعنى بالاحتياجات الاساسية بالتركيز على المناطق المتضررة من الحرب  والمناطق التي تفتقر للموارد.

ح- نقترح النسب التالية في توزيع عائدات البترول : 30% للجنوب ، 10% لمناطق الانتاج ، 5% لكل من جنوب النيل الازرق ، وجبال النوبة ، وشرق السودان و 45%  للحكومة الفيدرالية .

خ- توزيع الثروة في نظرنا ، وكما ذكرنا سابقاً لا يقتصر فقط على اعادة توزيع الدخل والعائدات من الموارد ، بل يجب أن يشتمل على تبني الإصلاحات  العادلة في الملكية ، خاصة الاراضي الزراعية من خلال تبني برامج للاصلاح الزراعي كما ذكرنا سابقا .

ر- ضرورة تنمية القدرات الفنية والتفاوضية للسودانيين .

ز- اتخاذ الاجراءات الصارمة للحفاظ على التوازن البيئي تجنبا لإهدار الفائض الاقتصادي الحقيقي والكامن .

ع- محاربة الفساد البيروقراطي وسوء ادارة الاقتصاد .

غ- وضع الاسس التي تضمن الشفافية وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

ي- محاسبة مرتكبي التعدي على حقوق الانسان .

موجهات عامة لسياسة تنمية إقليمية وريفية متكاملة :

هذه  المساهمة قدمناها سابقا ، كتعليق على الورقة المقدمة من منظمة Justice Africa حول إستراتيجيات التنمية للسودان لمؤتمر كمبالا (2) .

إضافة للقضايا التي طرحناها سابقاً في هذه الدراسة ، نرى من المهم في الفترة الانتقالية للتحول نحو الديمقراطية ، أن نعطي إهتماماً أكبر لبعض المسائل المتعلقة بالعملية التخطيطية.

أولاً : كما ذكرنا سابقا ، يجب أن لا نتعامل مع قضية التنمية الاقتصادية القومية من منظور تنمية هذا القطاع أو ذاك . فمن المهم أن تكمل كل القطاعات بعضها البعض ، وأن تتم تنميتها على أساس نسبي . فالتحدي الحقيقي ، يتمثل في تنسيق وتكامل تنمية القطاعات الاقتصادية في إطار الإستراتيجية القومية ، بحيث لا يهيمن قطاع على القطاعات الاخرى بصورة مدمرة كما هو الحال في  السودان .

ثانياً : لا بد من التأكيد على أهمية خطط التنمية الاقليمية والريفية المتكاملة في إطار الاستراتيجية الاقتصادية القومية.

التخطيط الاقليمي للتنمية :

فخطط التنمية الاقليمية مثلا ، تعمل على تنسيق النشاطات فيما بينها داخل كل إقليم وبينه وبين الاقاليم الاخرى ، وفي نفس الوقت ، تعطي بعدا قاعديا للتخطيط التنموي القومي حيث تشكل إتجاها لمعالجة التخطيط التنمية القومية إنطلاقاً من القاعدة (perform a bottoms-up approach to national development planning) . كما تفيد خطط التنمية الاقليمية ، في تحديد الاقاليم (delineating regions) ، على أساس يتجاوز الفضاء الطبيعي (physical space ) ليشمل الفضاء  الاقتصادي (economic space) .

وفي إطار  التخطيط القومي الشامل الذي يخدم الاقتصاد القومي برمته ، بمعنى شموله على كل القطاعات الاقتصادية (السلعية والخدمية ) وكل اقاليم الدولة وانشطتها الانمائية ، الاقتصادية والاجتماعية ، ويضم كلا من القطاع العام والخاص ، ويتناول المشكلات التنظيمية والادارية والسياسية المؤثرة في عملية التنمية من المنظور الشمولي ، يتميز التخطيط الاقليمي بانه يخدم اقليما معينا من اقاليم الدولة . فالاقليم قد يكون جزء فرعيا ،سياسيا ، واداريا ، من اقاليم الدولة كما قد يكون منطقة جغرافية متميزة عن المناطق الاخرى . بهذا المفهوم يمكن لاقاليم  الدولة ان تكون مناطق اقتصادية أو وظيفية تمتد عرضا عبر الحدود الادارية الجغرافية .

ولاغراض التخطيط الاقتصادي والاجتماعي ، كما يقول الدكتور حسين عمر في كتابه (مبادئ التخطيط الاقتصادي والتخطيط التأشيري في نظام الاقتصاد الحر ، عام 1998 ، الصفحات 189-190) ، فإن الاقليم يستوفي عادة بعض الشروط :

أولها: أنه منطقة تتسم بمشكلات يمكن تحديد كنهها وسبر غورها ، وهي ذات ظروف خاصة بها ، فضلا عن المصالح الاقتصادية للجماعة التي تقطنها .

ثانيهاً : إنه منطقة تحوي موارد متنوعة ، و قاعدة متميزة بمورد معين .

ثالثها: إنه منطقة تشكل وحدة اقتصادية واجتماعية قائمة بذاتها لاغراض التخطيط . وقد تكون هذه المنطقة قسما فرعيا من الاقسام الادارية للدولة ، أو تجميعا لعدة من الدول المتجاورة جغرافيا . 

وكما هو الحال بالنسبة للتخطيط القومي ، يتطلب التخطيط الاقليمي عملا منظما واعيا على مستوى الاقليم لفترة ممتدة من الوقت . وفعاليته تتطلب انشاء الاجهزة التخطيطية في الاقاليم او المناطق المحلية لسد الاحتياجات الخاصة بها ، ولتخفيف الظروف القاسية في المناطق الراكدة اقتصاديا ، أو للاهتمام بتطوير الخدمات في كل من مجالات الاسكان ، ومرافق المياه والطاقة ، أو للانشطة المتعلقة برفاهية المجتمعات المحلية ، أو لمعالجة المشكلات الاخرى  ذات  الخصوصية المحلية للتخفيف من معاناة الجماهير . إن أجهزة  التخطيط الاقليمي المرتكزة على الاحصاءات الدقيقة للنشاطات الاقتصادية ، تشكل عادة في الدول التي تتبع اسلوب التخطيط الشامل ، جزءا من آلية التخطيط القومي . ففي مثل هذه الدول ، تعمل التنظيمات الاقليمية على  إعداد البرامج والخطط الاقليمية التي تتولي السلطات المركزية دمجها في الخطة القومية . وفي بعض الأقطار ذات  الاقتصاد المختلط ، يعتبر التخطيط الاقليمي واحدا من وظائف الحكومة المركزية ، حيث تنشئ الحكومة مكاتب تخطيطية دائمة في الاقاليم ، وتعمل على إمدادها بالفنيين من رجال التخطيط المركزي ، والمستشاريين لمساعدتها في صياغة الخطط الاقليمية بالتنسيق مع الخطة القومية .

وتتضمن المهام التي تقوم بها الوحدات التخطيطية في الاقاليم ، إعداد المشروعات والبرامج الخاصة بالاقليم بهدف تحقيق أهداف السياسة القومية ، وسد إحتياجات الاقليم من خلال تنمية وتطوير موارده الاقليمية . وعادة ما تتولى الوحدات التخطيطية في الاقاليم الوظائف التالية:

أ- عكس الطموحات والاحتياجات والمشاكل الاقليمية إلى السلطات التخطيطية القومية . للقيام بذلك لابد من إجراء المسوحات والدراسات الميدانية والبحث العلمي ، لحصر الموارد المحلية وإمكانات استغلالها .

ب- توفير المعرفة في اعداد وتقييم المشروعات والبرامج الاقليمية للسلطات المحلية بالتشاور مع الاجهزة الرسمية والتنظيمات والمؤسسات المعنية في الاقليم.

ج- مراقبة (monitoring) وتقييم (evaluation) ، ومتابعة (follow up) ، لنتائج تنفيذ الخطة ، إقتراح التعديلات أو إعادة النظر في برامج التنمية على ضوء الأثار على الأقليم .

د- التنسيق بين أنشطة وعمليات التنمية المتعلقة بتنفيذ الخطة على المستوى الاقليمي .

هـ تنشيط المشاركة الفعالة للمواطنيين والمؤسسات في تخطيط وتنفيذ مشروعات برامج التنمية .

هنالك مسألة أخرى في غاية الأهمية لابد من علاجها وتتمثل في التمييز والتكامل بين التخطيط الاقليمي والتخطيط القومي .

عند الحديث عن التخطيط الاقليمي ، لابد من التمييز بين ما هو إقليمي أو محلي وبين ماهو قومي ، وذلك من حيث الموارد والاحتياجات والاهداف . وفي نفس الاتجاه ، لا بد من تحديد ما هو اقليمي من حيث المشروعات والبرامج التنموية وغيرها من الانشطة ، ومن حيث نائج هذه المشروعات والبرامج أو أثرها الاقتصادي والاجتماعي على المجالات أو المشكلات الاقليمية والقومية .

ففي الواقع ، يمكن اعتبار بعض الموارد  قومية بطبيعتها فقط ، بغض النظر عن  موقعها ، ومثال لذلك أحواض الانهار ، وتسهيلات الموانئ ، ونظم المواصلات  والاتصالات ، والثروات  المعدنية والنفطية ، والصرف الاجنبي ، وتجهيزات  الدفاع القومي ، وغير ذلك من البني الاساسية .

وفي نفس الاتجاه ، يمكن أيضا اعتبار بعض الموارد الاخرى في الاساس محلية بطبيعتها . ومثال لذلك ، الصناعات المحلية التي تلبي مطالب المناطق المحلية ، والمياه الجوفية ، والخدمات المحلية المشتملة على خدمات  الاسكان والصحة والتعليم والرفاهية . أما في قطاع الزراعة  بالذات ، فالكثير من المشكلات اقليمي (محلي ) بطبيعته ، ولكن مع  ذلك فنهالك العديد من المشاكل الاخرى المتعلقة بهذا القطاع والتي تتطلب تغييرات هيكلية في الناتج وحيازة الأرض ، وهذه المشاكل تعتبر بطبيعتها مشاكل قومية .

وأيا كان الأمر ، فإن الموارد المتاحة لتخطيط التنمية الاقليمية ، إنما تأتي من المصادر القومية والاقليمية .

ومن ثم يتطلب التخصيص الأمثل للموارد من أجل التنمية  ،  مشاورات متبادلة وتعاونا وتنسيقا للنشاطات الانمائية على كل من المستوى القومي والاقليمي.

ففي ظل التخطيط القومي الشامل ، من المهم جدا التكامل بين النشاطات الانمائية ، قومية كانت أم اقليمية ، لتجنب الازدواج بين المشروعات والبرامج ، ولتحقيق الاستخدام الأكفأ للموارد المتاحة .

ومن المعلوم أن الاعداد والتنفيذ الفعال لاية خطة إنمائية شاملة يقتضي بالضرورة أن تسهم جل المصالح الحكومية في عملية التنمية . كما ينبغي أن يتم إعداد المقترحات الخاصة بالمشروعات والبرامج على مختلف المستويات ، من مستوى القرية لمستوى الحكومة المركزية ، ومن مستوى المصلحة  أو الادارة الحكومية لمستوى المشروع الفردي . فالأمر كذلك يدعو إلى مراجعة مقترحات العملية الانمائية ، سواء كانت مشروعات أو برامج ، على مختلف المستويات ، قبل أن تدخل ضمن الخطة الاقليمية والقومية .

وفي مرحلة التنفيذ يتطلب الامر التنسيق بين المشروعات والبرامج ، وتعبئة الموارد المطلوبة لعملية تنفيذ الخطة . هذا التنسيق ليس فقط على المستوى القومي ، بل أيضا على المستوى الاقليمي .

وفي الواقع من الممكن تحقيق المزيد من النجاح في التخطيط الاقليمي ، عندما تتولى المصالح والادارات صياغة وتنفيذ البرامج الاقليمية المصحوبة بالتوجيه الملائم وتأييد السلطة المركزية .

وفي هذا الخصوص ، لابد من التأكيد على أن المشروعات والبرامج الانمائية على المستوى الاقليمي ، تصاغ كجزء لا يتجزأ من الخطة القومية الشاملة . وبمعنى آخر ، لابد من دمج الخطط الاقليمية في الخطة القومية الشاملة ، بالتنسيق معها على أبعد الحدود الممكنة ، وعلى أن يتم هذا الدمج والتنسيق المحكم عن طريق الجهاز المركزي للتخطيط ، والذي بطبيعة الحال يأخذ على عاتقة مهمة ضم الخطط الاقليمية في خطة قومية متماسكة الاطراف.

بهذه الطريقة يتم إضفاء الطابع الاقليمي على الخطة القومية . ومن الناحية العملية فاضفاء الطابع الاقليمي على الخطة القومية ، يعني عملية تنشيط مختلف  اقاليم الدولة في آن واحد ، بالتعاون والتنسيق مع أنشطة التخطيط المركزي ، في بذل المحاولات المتتالية بغية الوصول إلى أكثر الأنماط فعالية في تخصيص الموارد الأقليمية والقومية ، بهدف تحقيق الأهداف القومية على كل المستويات الاقليمية ، وسد الاحتياجات والمطالب الاقليمية ، كجزء لا يتجزأ من الاهداف القومية .

التنمية  الريفية المتكاملة :

فعادة ما تلعب التنمية الريفية في ظروف بلد كالسودان ، دوراً هاما في التخطيط الاقليمي للتنمية .

فيما يلي سنركز على بعض الموجهات الهامة لدعم التنمية الريفية المتكاملة بالسودان :

أ- على المستوى العالمي ، يجب أن تعنى المساعدات التنموية الخارجية بالأهداف التالية :

أن يحظى الفقراء والذين يمثلون غالبية أهل السودان بنصيب أكبر في فوائد التنمية ، أكثر مما في الماضي ، وعلى أن تعمل التنمية الريفية على تحقيق قدرا أعلى من المساواة في اعادة توزيع الموارد الطبيعية والاجتماعية والخدمات .

لابد من مشاركة كل قطاعات المجتمع الريفي ، خاصة النساء في عملية اتخاذ القرار وتنفيذ المشروعات .

لابد من التغيير الجذري في سياسات السودان التنموية . وذلك من خلال التحول من الاستثمار العالي في مناطق الحضر لمناطق الريف .

باعتبار السودان واحدا من الدول ذات الدخل المنخفض وغالبية سكانه يعملون في الزراعة ، لابد من اعطاء اسبقية نسبية لتطوير القطاع الزراعي مقارنة بالصناعي ، بشرط أن يتكامل القطاع الزراعي مع القطاعات الاخرى .

التزام القيادات السودانية والمخططيين ، بالتنمية الريفية ، بإعتبارها  مسألة في غاية الضرورة وبالتحديد في مجالات التعليم ، ومحو الأمية ، ومحاربة الأمراض والفقر لتعظيم روح التعاون ، والمساواة والعدالة في التعاملات .

لابد من الاستفادة بصورة أكبر من بعض المنظمات العالمية ، كمنظمة الغذاء والزراعة العالمية (FAO) ، والتي تتبنى برامجا للمشاركة الشعبية في تنمية الريف من خلال تطوير منظمات التمويل الذاتي (self-help organisations) .

تطوير دور المنظمات غير الحكومية في تنمية الريف .

ب- على المستوى القومي لابد من اتخاذ الاجراءات التالية :

تصميم ، وتطوير وتنفيذ استراتيجيات وسياسا ت واضحة للتنمية الريفية .

يجب أن يكون واحدا من أهم الاهداف للتنمية الريفية ، تحسين أوضاع صغار المزارعيين بالريف.

اختيار واستعمال التكنولوجيا الملائمة .

لا مركزية التخطيط والحكومة ، بإشراك المواطنيين منذ البداية .

الموارد والسلطة والمسؤولية ، يجب أن تؤسس محليا ، وليس بمئات الاميال في الخرطوم .

يجب أن تتوجه الصناعة نحو تحقيق الانتاجية الزراعية الأكبر ، بحيث تكمل وتدعم الآلات والأدوات الزراعية  والانتاجية  الأكثر ، بمعنى آخر التأكيد على الترابطات الخلفية والأمامية .

يجب أن تعتمد نظم الإنتاج بصورة أكبر على الموارد المحلية المتجددة ، وبصورة أقل على المدخلات المستوردة حتى يتحقق الاعتماد على الذات .

إنشاء المؤسسات الملائمة التي تعنى بالابحاث والتدريب على كل مراحل التنمية الريفية . فالابحاث تعتبر في غاية الأهمية للتنمية الريفية ، وكذلك للتكنولوجيا الزراعية المتقدمة .

ج- على المستوى القروي والريفي :

لابد من ملائمة نشاطات التنمية  الريفية لاحتياجات سكان الريف ولمشاركتهم على كل المستويات .

يجب إشراك سكان الريف في البرامج والمشاريع ، فمهما كانت الأموال المبذولة ، ومهما كانت السلطات الحكومية الداعمة للتنمية الريفية ، لا يمكن أن تكون بديلا لما يقدمه مواطنو الريف لأنفسهم .

يجب أن تكون المشاريع بسيطة نسبيا ، وتشتمل على أهداف من السهولة تحقيقها .

من المهم ، أن تتجاوب النشاطات الاقتصادية والاجتماعية مع إحتياجات جماهير الريف ، وأسبقياتهم العليا ، وتبرز نتائجا في فترة زمنية قصيرة .

على مواطني الريف المستفيدين من المشاريع ، أن يساهموا ويلتزموا بتوفير العمالة وجزء من الموارد.

ضرورة تأسيس مواصلة الحوار بين منفذي المشروع وجماهير الريف .  

ضرورة التعامل مع المنظمات الرسمية وغير الرسمية العاملة لسنوات طويلة بالمناطق الريفية والتي لها خبرة بالمنطقة ومواطنيها وهياكلها الاجتماعية .

توفير الموردين الأساسين للزراعة ،  وهما الأرض والمياه على اسس تتسم بمساواة أكبر. كما لابد من اتخاذ الترتيبات الضرورية لتوفير هذين الموردين الهامين للانتاج ،  للذين يحرثون الارض . وفي هذا الخصوص ، هنالك حاجة ماسة لوضع خطط استثمارية لاستغلال الارض لكل الاستعمالات .

ضرورة الاتفاق مع مواطني الريف في وضع الميزانيات للتنمية الريفية . كما أن الانفاق على التنمية الريفية ، يجب أن يتماشى مع درجة مشاركة مواطني الريف وقيادتهم لعملية التنمية الريفية وامكاناتهم في استيعاب الاموال للتنمية القويمة . تؤكد تجارب السودان بأن الضغط الاداري غير الحكيم في فترات السياسة الحزبية لانفاق الاموال بدون مبرر حكيم على كل العوامل المساهمة (contributing factors) ، يدمر روح المبادرة لمواطني الريف ، ويرفع من مستوى توقعاتهم ، ويخنق إمكانات التنمية المدعومة ذاتياً .

ما دامت الموارد محدودة ، نرى  أن الاستعمال الاكثر فائدة من هذه الموارد لمواطني  الريف ، يتمثل في استعمالها في برامج تشتمل منذ البداية على نشاطات محدودة توظف فيها تكنولوجيا بسيطة وعملية .

التصدي لمشاكل التنمية الريفية ، يتطلب إعطاء الاسبقية لتحسين القاعدة الاقتصادية المتمثلة في الانتاج الزراعي . بهذه الطريقة ، يمكن تخفيض معدلات العطالة ، وتقليص حدة الفقر ، وخلق فائض للدخل يمكن استثماره في المدخلات .

ولكن لابد أن نذكر ، أن هنالك تناقضا مرتبطا برؤية مواطني الريف والذين يعتبرون احتياجاتهم الآنية كمياه الشرب ، والمدارس ، والخدمات الصحية ، أهم لهم من زيادة انتاجية الفدان للمحاصيل ، حيث يتم بيع أو تصدير ما يفيض عن استهلاكهم . من هذا يتضح لنا ، أهمية توفير الخدمات الاساسية وزيادة انتاج الغذاء وتوفير الفائض على المستوى الريفي من خلال التنمية المنشودة ، لتحسين أوضاع مواطني الريف من حيث الخدمات الاساسية ووفرة الغذاء .

في نظرنا ، هنالك اسبقيات أخرى تستوجب اهتماما خاصا .

د- بعض الاسبقيات :

مراجعة كل السياسات المرتبطة بقطاع الزراعة الآلية بمشاركة  السكان المحليين لإيقاف التوسع الافقي غير المنضبط في هذا القطاع والمتسم بالإستعمال العشوائي للتركترات في إزالة الغطاء النباتي (horizontal tractorised agriculture).

وضع سياسة واضحة المعالم لإعادة زرع الغابات (reforestation ) بواسطة الشتول لمواجهة التصحر ، كما لابد من اتخاذ الاجراءات الحاسمة لايقاف الإزالة الشرسة للغابات لانتاج وتجارة الفحم النباتي مع ضرورة العمل على الحفاظ على التربة وحماية النباتات الطبيعية وتطوير مصادر بديلة للطاقة . في هذا الخصوص ، نقترح توزيع بذور الاشجار والبذور الاخرى بالمجان للفلاحين والبدو الرحل لزراعتها في الاراضي  البور.   

إتخاذ الاجراءات اللازمة لإعادة إستثمار جزءاً من العائدات المالية في مناطق الإنتاج الزراعي .

تبني خرائط إستثمارية للأراضي تهتم بالإستغلالات الأخرى للأرض بجانب الزراعة الآلية كصغار المزارعين التقليديين والرعاة وزراعة الغابات .

إتخاذ الإجراءات الحاسمة لإتباع الممارسات الزراعية السليمة بمشاريع الزراعة الآلية كزراعة النباتات المخصبة للتربة وزراعة الأشجار كمصدات للرياح مع إحترام الدورة الزراعية بترك بعض الأراضي بورا .

ضرورة الإشراف الحكومي واللجان الشعبية المحلية المنتخبة ديمقراطياً على ظروف العمالة في مشاريع الزراعة الآلية في  الريف  بغية تحسين أوضاع العاملين بها .

ضرورة مراقبة الهروب من الضرائب في قطاع الزراعة الآلية من قبل كبار المزارعين وتجار الفحم النباتي بواسطة اللجان الشعبية المحلية المنتخبة ديمقراطياً .

تبني مشاريع الرعاية الصحية الأولية بالريف . تؤكد التجارب أن النموذج الغربي لتشييد المدارس الطبية والمستشفيات الفخمة  بشبكات من المراكز الصحية ، ليس مكلفا فقط بل فشل في الوصول لاغلبية السكان . التركيز يجب أن يكون على تطوير الصحة ومنع الأمراض . إن الرعاية الصحية الاولية تتصدى للمشاكل الصحية الاساسية في المجتمع من خلال ترقية الخدمات الصحية (promotion) ، ومنع الامراض وتوفير العلاج الاساسي وخدمات اعادة التأهيل . الرعاية الصحية الاولية تعترف بأهمية العناية العلاجية . ولكن في نفس الوقت ، لا يمكن اعتبار العناية الصحية على المستويين الثاني والثالث (secondary and tertiary) ، جزءا من الرعاية الصحية الاولية . ولكن على الرغم من قولنا هذا ،  يعتبرهما ،  نهج الرعاية الصحية الاولية كخدمات ، لابد أن تكون جزءا من نظام الصحة الذي يتجه نحو احتياجات المجتمع على اساس روح الرعاية  الصحية الاولية ، وبذلك لابد بالضرورة من ربطها بترقية الخدمات الصحية ومنع الامراض وتوفير خدمات اعادة التأهيل. عليه لابد من تكاملها جميعا في اطار وحدة منطقية (integrated into a rational entity) . اذا النقطة المحورية للرعاية الصحية الاولية ، تتمثل في التوازن بين كل الجوانب المالية ، والمادية والانسانية المختلفة .

لذلك نقترح الآتي :

التحديد الجاد للاحتياجات المالية والمادية والانسانية للبرامج .

حصر الكفاءات وتوفير فرص التدريب .

تطوير القدرات في اقتصاديات الصحة (health economics) وتقييم المشاريع الصحية على أساس التكلفة المقبولة (cost effectiveness) .

وضع الرسوم الملائمة لاستعمال الخدمات الصحية لمقابلة جزءً من التكلفة .

تعبئة الموارد الداخلية لتطوير برامج الرعاية الصحية الاولية .

وضع خطة قومية لجلب الدعم الخارجي الموجه لبرامج الصحة الاولية على مستوى الاتفاقيات الدولية الثنائية والمنظمات الأهلية .

الاستفادة القصوى من المنظمات الطوعية  ،  سودانية كانت أم اجنبية .

العمل على توطين القبائل  السيارة (الرحل) لتسهيل عملية تقديم الخدمات الصحية لهم.

انشاء فرق متحركة للعمل وسط الرحل .

الاهتمام بتدريب القابلات والزائرات الصحيات.

توفير مشاريع أعاشة ومشاريع لرفع الدخل وسط ذوي الدخول الدنيا لتحسين اوضاعهم الصحية .

تطوير البرامج الدراسية التي تهتم بالصحة الاولية .

 وضع خطط للأمن الغذائي :

الهدف الاساسي هو تحسين فرص تمكين (endowment) واستحقاق (entitlement) الفلاحين . فكلمة تمكين كما ذكرنا سابقا ، تشير للاصول التي يملكها الفلاحون وقدراتهم الشخصية التي يستعملونها في تأسيس استحقاقهم للحصول على الغذاء . أما كلمة استحقاق فتشير للعلاقات المتأسسة من خلال التجارة ، والانتاج المباشر وبيع قوة العمل ، التي بواسطتها يمكن للفرد أو الاسرة التمكن من الوصول للغذاء . وللاستحقاق عدة أشكال .

الأول ،  يسمى الاستحقاق المباشر والمتمثل في الحصول على الغذاء من خلال الانتاج والاستهلاك الشخصي .

والثاني ،  يسمى الاستحقاق بالتبادل (exchange entitlement) والمتمثل في الحصول على الغذاء من خلال بيع قوة العمل لشراء الغذاء .

والثالث ، يسمى الاستحقاق التجاري والمتمثل في بيع  الانتاج للحصول على الغذاء . وفي هذا السياق ، لابد من أن نولي اهتماما خاصا لانتاج الجنائن على ضفاف النيل خاصة في المناطق الحضرية حيث يمارس استغلال بشعً على الفلاحين والاجراء .

بالاضافة لما ذكرناه في الاجزاء السابقة لمحاربة الفقر ، نضيف المقترحات الآتية والمقدمة من الايفاد (IFAD) الصندوق العالمي للتنمية الزراعية :

تبني اصلاحات زراعية تشتمل على ملكية الارض ، وتحسين سبل الادارة والحفاظ على التربة  مع زراعة الغابات ، ووضع البرامج لاستقرار الرحل . يجب أن تكون المشاريع صغيرة الحجم لتتسنى ادارتها بكفاءة بواسطة الفلاحين .

تشجيع وتبني التكنولوجيا الملائمة والتقنيات ذات الكثافة العمالية العالية في المناطق الريفية .

تحسين وصول الخدمات العامة لمواطني  المناطق الريفية ، كالطرق المغذية ، ووسائل الاتصال ، والتخزين ، والتسويق ، والتعليم ، والصحة والاستثمار في البنية التحتية .

تبنى السياسات الاقتصادية الحكيمة للحد من التضخم ، ولحفض التشوهات في التسويق وتوزيع الغذاء ، وتوزيع موارد أكثر لصالح فقراء الريف .

تحسين كفاءة سوق  العمل ، وتشجيع مشاركة المرأة ، وزيادة فرص التدريب وتوفير المدخلات لسكان الريف .

تبني السياسات لتصحيح تشوهات التسويق وتحسين الوصول للاسواق . هذه مرتبطة بما سبق ذكره أعلاه ، خاصة ضرورة تبني السياسات التي تتصدى لهذه التشوهات في سلسلة العمليات التسويقية من المزرعة إلى تاجر التجزئة .

اتخاذ الاجراءات لزيادة الانتاجية للفقراء  وامكانات توسيع دخلهم من خلال الآتي :

أ- خلق فرص أكبر لهم  للتوظيف في المجالات الانتاجية بالقطاع العام كالبرامج الريفية للبنى التحتية ، وفي القطاع الخاص من خلال دعم الاستثمار في المشاريع المتسمة بكثافة عمالية بدلا من المشاريع ذات التكنولوجيا الكثيفة .

ب- الحفاظ على الاجور الحقيقية من خلال توسيع الانتاجية العمالية في الوظائف ذات الاجر المنخفض ،  بالاضافة لتعديل الحد الادنى للاجور للتعويض عن الزيادة في الاسعار .

ج- زيادة الاستثمار العام والخاص بدلا من تخفيضه في مرحلة تعليم الاساس ، والتدريب المهني وتنمية المهارات للفقراء لزيادة انتاجيتهم والقدرة على الانتقال (mobility ) ، وزيادة الاستثمار أيضا في الرعاية الصحية الاولية للاطفال والكبار لتحسين الانتاجية الحالية والمستقبلية للمورد البشري .

د- توسيع البرامج التي توفر التسليف والمدخلات لصغار رجال الاعمال المبدعين (entrepreneurs) ، وأصحاب المهن الذاتية من ذوي الدخول الدنيا ، بمعنى آخر برامج شبيهة لتلك التي يمولها مصرف قرامين في بنغلاديش .

هـ- تقديم التسهيلات الائتمانية ، والمدخلات ، والتكنولوجيا الحديثة لصغار المزارعيين .

و- إعادة توزيع الاصول الانتاجية كالارض.

ح- توجيه البرامج  العامة لتحويل الموارد وتوفير الدعم للفقراء ، بتحديد الفقراء الذين هم أكثر تضررا ببرامج  تركيز الاقتصاد الكلي . استهداف هؤلاء ،  سيسمح بتخفيض النفقات الحكومية من دون أثار سلبية على التغذية. بالاضافة لذلك ، يمكن حصر الدعم على السلع والخدمات التي تمثل جزءا كبيرا في ميزانية الفقراء لتلبية احتياجاتهم الاساسية .  فمثالا  لذلك ، من الممكن بدلا من ا لدعم العام على البترول والغاز ، توفير الدعم للمواصلات العامة . فعليه ، يمكن تخفيض التكلفة الحكومية من دون آثار سلبية كبيرة على الفقراء . وبنفس الطريقة يمكن أن يقتصر الدعم الغذائي على الغذاء الاساسي للجماهير .

خ- ضمان قيمة حقيقية للدعم والتحولات النقدية المستهدفة . هذه الطريقة ستحمي الفقراء من تدهور القوة الشرائية للدعم نتيجة لارتفاع الاسعار . ويمكن تحقيق ذلك من خلال توفير الاستحقاق أما عينا كتوزيع الغذاء (ration) ، أو بأستعمال مؤشر (index) سعري للقيمة النقدية للتوافق مع الاسعار الملائمة .

ر- تحفيض تكلفة الغذاء للمستهلك من خلال تحسين كفاءة التسويق ، وتوسيع استعمال التكنولوجيا المخفضة للتكلفة ، والاستثمار في البني التحتية بالريف . فبينما تشتمل برامج التكييف الهيكلي في الغالب على اجراءات لتحسين الانتاج ، لم تعن  بالاجراءات لتخفيض التكلفة ، على الرغم من أن هذه الاجراءات تعتبر أكثر أهمية لتوفير الحوافز للمزارعين لتوسيع انتاجهم ،  وفي نفس الوقت  تتجنب الآثار السلبية لارتفاع الاسعار على المستهلك . فالشئ المطلوب حقيقة هو المزج المناسب بين اجراءات تخفيض التكلفة واجراءات رفع الاسعار الموجهة لحالات محددة بدلا من التفكير الأحادي الذي يركز فقط على زيادة الاسعار.

ز- استعمال الموارد الخارجية لتعويض الفقراء عن زيادة الاسعار عندما يكون ذلك مناسبا . من الممكن أن يلعب العون الغذائي دورا هاما عند توجيهه بصورة سليمة أو هيكلته بطريقة تتجنب الآثار السلبية على المنتج المحلي . مثال ذلك برنامج الطوابع للغذاء المعمول به حاليا بجمايكا بجزر الهند الغربية .

يجب أن ندرك ، أن برامج التكييف الهيكلي لا تهم فقط البلدان المطبقة فيها ، ولكنها تهم أيضا المجتمع الدولي ، خاصة المصارف التي قدمت ديونا لبعض الدول ، كما تهم تلك الدول التي تأمل أن تكسب من التجارة في المستقبل مع الدول التي تواجه مشاكلا اقتصادية كالسودان . لهذا السبب ، من المهم على الدول التي تتفاوض مع صندوق النقد الدولي أو غيره لقروض طارئة ، عليها أن تبحث عن إمكانية لتجنب الآثار الضارة على التغذية في المدى القريب  و المرتبطة بشروط هذه المفاوضات ، وذلك من خلال جلب المعونات الخارجية الغذائية أو  المالية لتخفيف هذه الآثار الضارة .

لابد من اتخاذ الاجراءات اللازمة لتخفيف حدة الآثار السلبية لبرامج التكييف والمتمثلة في الآتي :

أ- الاعتراف باهمية الحفاظ على الحد الادنى من مستويات التغذية ، ودخل الاسر (نقدا أم عينا ) ، والخدمات الاساسية لكل الاعمار ، كوسيلة لحماية الانتاجية ورفاهية كل المواطنين.

ب- لابد من الحفاظ على أو خلق شبكات للخدمات الاساسية التي تدعم الاطفال .

ج- الاعادة الجادة لهيكلة الخدمات الصحية وخدمات التعليم والخدمات الاجتماعية والاخرى المرتبطة بها لتحقيق الحد الاقصى من عائد التكلفة (cost effectiveness) والكفاءة الداخلية في تقديم هذه الخدمات . اعادة الهيكلة المنشودة ،  يجب أن تشتمل على مراجعة السبل لتخفيض الاعتماد على الموارد المستوردة مع التقدم بكفاءة نحو استعمال أكبر للموارد المحلية في الصحة والتعليم والخدمات الاخرى .

د- الاعتماد بصورة أكبر على المشاركة الخلاقة والفاعلة للجماهير والقطاع غير الرسمي والتي تتجه نحو استعمال الموارد الداخلية ذات التكلفة المنخفضة بدلا من التكلفة العالية واستيراد الموارد .

هـ- الاهتمام  الاكبر باعادة توزيع الدخل لتوزيع عبء برامج التكييف الاقتصادي وتخفيض الانفاق على الخدمات العامة .

ضرورة تبني البرامج لتنمية الصناعة الريفية :

كما هو معلوم فالاقتصاد الريفي لا يقتصر فقط على الزراعة ، بل يشتمل على نشاطات أخرى من بينها الصناعة الريفية . فهنالك ما يقارب الـ 3/1 أو الـ 2/1 من العمالة بالريف تعمل في نشاطات غير زراعية ، خاصة الصناعات الريفية  و التي لها أهمية  خاصة ، لأنها توفر بدائل أخرى للدخل والتوظيف والطلب على الانتاج الزراعي . وفي نفس الوقت ، تمثل موردا للسلع الاستهلاكية للمناطق الريفية ، بالاضافة لتوفير الآلات والمدخلات التي تحتاج لها الزراعة . كما أنها تنتج سلعا استهلاكية ليس للمناطق الريفية فحسب ، بل توفر السلع ذات التكلفة والجودة المنخفضة لفقراء المدن .

عند الحديث عن الصناعة الريفية ،  نقصد بذلك ،  المتوسطة والصغيرة منها والتي تستعمل تكنولوجيا بسيطة ولديها صلة لصيقة بالزراعة . ومن المهم التأكيد على أهمية تقييم مصادر الطلب على الخدمات غير الزراعية كأساس للتصنيع الريفي . فمهما كانت درجة كثافة الزراعة ، فليس بمقدورها استيعاب كل قوة العمل . فبمعنى آخر ، دائما ما يكون هنالك فائض من العمالة أو العمالة غير الموظفة توظيفا كاملا . كما أن الهجرة ليست بالحل ، لأنها فقط تحول المشكلة من المناطق الريفية للمناطق الحضرية ، علما بأن القطاع الصناعي كما هو الحال الآن بالسودان غير قادر على  استيعاب الهجرة الداخلية المتدفقة من الريف . إضافة لذلك ، فأن الاندفاع الشديد نحو المدن يضر ضررا بليغا بالجهود التي يمكن أن  تبذل لتطوير التصنيع الريفي .

فمنذ الوهلة الأولى ، التي تبدأ فيها عملية إفراغ المناطق الريفية من العمالة الماهرة ، يصبح من الصعوبة جدا أن يحدث التصينع الريفي . وعند الأخذ بكل هذه الاعتبارات ، يصبح من الواضح جدا ، أهمية التصنيع الريفي للمناطق الريفية . ولكن ، على الرغم من ذلك تم إغفالها في الماضي نسبة لصعوبات التنظيم وبعض الأراء المختلفة الخاطئة  لبعض المخططين الذين يعتبرونها  نشاطات صناعية بالية .

ولكننا نرى من الضرورة ، إنشاؤها لتنمية الريف السوداني بإتباع الخطوات التالية :

 أ- إجراء الابحاث التسويقية حول الامكانات والاحتياجات لبعض المنتجات (marketing research stage) .

ب- تحديد الفرص الملائمة للمنتجات كمرحلة اساسية لانتاجها (product development stage) .

ج- إجراء التقييم للإمكانات المتاحة (evaluation stage to appraise possibilities) .

د- اختيار التكنولوجيا الملائمة والتي تتطلب بعض الابحاث الجادة.

هـ- التدريب ، والذي يمكن أن يتم في مراكز للتدريب ، أو في وحدات متحركة أو في شكل عقودات للتدريب (contracts for apprenticeship) .

يجب أن نوضح هنا ، إن الطريقة التي تعتمد مراكز التدريب مكلفة ، وعادة ما تصطدم بمشاكل نسبة لأنها تحتاج لأدوات ذات كثافة رأمسالية عالية . كما أنها تعتبر أقل الطرق جدوى . اضافة لذلك ، تستعمل آليات ليست  بسيطة ومعقدة والتي عادة ما تستورد من الخارج. وعلى العكس ، تعتبر الوحدات المتحركة هي الأفضل ، لكنها تتطلب برامجا جيدة للتدريب . ولنجاح الوحدات المتحركة ، لابد من تعاونها مع ذوي المهارات في المناطق المحلية حتى يتسنى للبرامج التي تتبعها في  التدريب أن تتوافق مع احتياجات المنطقة .

ومن الممكن ايضا ، أن يكون هنالك مركز تتوفر فيه الخدمات المساعدة ،  كالكهرباء مثلا التي توفرها الحكومة بالأجر لذوي المهارات بشرط أن يقوموا بتدريب الذين تحت التدريب (apprentices).

الضوابط لاختيار التكنولوجيا الملائمة :

الحديث عن التكنولوجيا بصورة عامة ، شئ مربك . فالحزمة أو البرامج التكنولوجية التي تتناسب مع بعض المناطق ، ليست بالضرورة دائما مناسبة لكل المجتمع . فمن المهم أن نشدد أن التكنولوجيا ، ذات طبيعة محلية محددة (location specific).

إذاً ما هو المعيار لاختيار الحزمة التكنولوجية  (package) ؟ من الصعوبة الاجابة على هذا السؤال ، وذلك لأن المعيار المناسب على مستوى المزرعة ربما لا يكون جيدا على مستوى المجتمع ، كما أن تبني نوع من التكنولوجيا ، لربما يعتمد على تبني نوعا آخرا لها . بمعنى آخر ، اذا قرر المرء استعمال السماد مثلا ، فهذا القرار يعتمد على استعداده لقبول نظام الري أو استعمال البذور المحسنة .

وبأخذنا هذه النقاط في  الاعتبار ، سنحاول وضع بعض المعايير لاختيار التكنولوجيا.

معايير عامة :

يجب أن تسمح التكنولوجيا المستخدمة أن يستغل أي قطر الموارد المتوفرة له محلياً .

يجب أن تتوافق مع الامكانات المالية والفنية والذهنية للقطر .

لابد للتكنولوجيا ، أن تضع في الاعتبار المستوى الفني والتعليمي العام للذين يستخدمونها .

من المهم أن تكون أسعارها مناسبة ، ليتمكن غالبية الراغبين في استخدامها  من شرائها .

يجب أن لا يؤدي استخدامها لزيادة في الفوارق .

يجب أن لا تضر بالبيئة وأن تكون صديقة لها .

لابد أن تكون ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية مستدامة ، وتضع في الاعتبار الاهداف القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى . هذا الشرط يشير لضعف حصر التخطيط على مستوى المركز ، كما كان في السابق ، وكما يدعو  إلى لامركزية التخطيط .

معايير محددة : 

لابد أن تكون التكنولوجيا مناسبة ، بمعنى أن تتصدى برامجها لمشاكل المزراعين والفلاحين.

يجب أن تكون مفهومة وتجد قبولا اقتصاديا ، واجتماعيا وثقافيا .

كلما كانت التكنولوجيا قابلة للتقسيم والتجزئة (divisible ( كلما كانت محايدة بالنسبة للمساحة التي تستعمل فيها . لذلك من الضروري معرفة درجة قابليتها للتجزئة والتقسيم . فهنالك بعض التكنولوجيا التي من الممكن تبنيها في وحدات أصغر ،  كالتكنولوجيا  الكيماوية ، ولكن هذا لا ينطبق على التكنولوجيا الميكانيكية .

لابد أن تتوفر للمستفيد النهائي (end user) القدرة على التعامل مع التكنولوجيا ، كالمهارات الفنية والقدرة المالية .

يجب أن يثق المستفيد النهائي ، في  الشروط المطلوبة  لنجاح تبني التكنولوجيا . بمعنى  آخر ، لابد من توفير الشروط الضرورية ،  كتزويد المدخلات وتوفير الدعم الفني ، والخدمات بصورة مضمونة .

ضرورة وجود منظمات محلية بعينها ، كدرع واقي للفلاحين . المقصود هنا ليس فقط ، أعدادا أكثر أو دعما فنيا أكبر . فأهمية هذه المنظمات المحلية ، تنبع من صعوبة توفير الخدمات للمزارعين المبعثرين في غياب هذه المنظمات . إذن  فوجود هذه  المنظمات المحلية ، يساعد في تبني التكنولوجيا لتسهيل عملية إستخدامها. ولكن على الرغم من أهمية الأطر المؤسسية الريفية لتبني التكنولوجيا ، نجد أن التدخل الحكومي الزائد عن المعقول ، يعزل المنتجين ويجعل هذه المنظمات غير فاعلة.

عليه من المهم جدا ، أن تعمل هذه المنظمات بطريقة تتداخل فيها مصالح المزارعين والمجتمع .

فعالية هذه البرامج والحزم التكنولوجية ، تتطلب أن تكون ذات طبيعة شاملة (comprehensive) ،  بحيث تشتمل على جوانب فنية وادارية وتتوفر فيها المشاركة.

بعض الاجراءات الاخرى التي تساعد في علاج اختيار التكنولوجيا بالمناطق الريفية:

اختيار المستفيد النهائي للتكنولوجيا ، يمثل الشرط الاساسي لتبنيها . فعليه ،  ا   ذا افتقد الشروط الاساسية لتبني التكنولوجيا المناسبة له ، لابد من أن تتخذ الحكومة الاجراءات اللازمة لتوفير هذه الشروط . والتي تهتم بتوفير المدخلات ، والائتمان ، وتسويق الانتاج ، وتوفير البنية التحتية المادية كصوامع الحبوب ، والصوامع الصغيرة في المزارع (farm bins) ، والطرق المغذية ، وتوفير الخدمات البيطرية والارشاد الزراعي وتكوين التنظيمات الزراعية . فالمزراعون يحتاجون لضمانات لتواصل توفير المدخلات لهم . فما يحتاجون له ، يجب أن يتوفر في الوقت المناسب . وبالمثل ، لابد من توفير المنافذ التسويقية للانتاج بصورة عاجلة ، خاصة وأن إستعمال التكنولوجيا التحويلية (processing) بواسطة المنتجين ، توسع  من الانتاج السلعي للسوق .

إن دور الإرشاد الزراعي ، مسألة في غاية الأهمية لتبني التكنولوجيا .

في البداية ، على الارشاد الزراعي تقديم ملامح التكنولوجيا وطرق التعامل معها . فعلي أساس الارشاد الزراعي ، يستطيع المستفيد النهائي معرفة الكمية التي يحتاج إليها من المدخلات والكيفية التي يتمكن بها من تسويق إنتاجه .  ومن ثم ، يستطيع الناس أن يقرروا إمكانية تبني التكنولوجيا والبدء في البحث عن التمويل الإضافي للاستثمار إذا كانت هنالك حاجة له .

مهام ضرورية لتعبئة الفائض الاقتصادي السوداني : (راجع : رسالتي الدكتوراة : للدكتور عبد المحسن صالح مصطفى ، جامعة ليدز ، ورسالة الدكتوراة لصاحب هذه الدراسة أكاديمية العلوم المجرية).

يقول مايكل توسي ودالو جيستا في تفسير الفوارق (إن تراكم الثروة بصورة أعلى أو بتجاوز  الاحتياجات للصحة والتعبير الشخصي المعقول ، في الحقيقة هي محاولة لإشباع جوع نفسي. عندما يراكم الفرد ثروة مبالغاً فيها بغض النظر عن العقلانية وعن المعاناة التي تسببها للآخرين ، يجب أن يفهم ذلك كمرض عقلي ، كالإدمان وليس مختلفاً عن البوليميا أو إدمان الكحول). (راجع : ورقة بعنوان الديمقراطية الاقتصادية وسياسة التنمية ، فراكلين فيفكناندا وأولي إولا و أبيجونرين ،  الاقتصاد السياسي للتعاون الجنوبي / الجنوبي ، عام 1998 ، الصفحة  213 ).

الاقتراحات المقدمة أعلاه ،  لتحول وإصلاح الهياكل الاقتصادية والاجتماعية بالسودان ، كما هو معلوم تتطلب موارد ضخمة ، ولا نتوقع أن تكون الموارد الاجنبية كافية لذلك على الرغم من تحقيق السلام . ولكننا ، نعتقد إن للسودان فائضا اقتصاديا حقيقيا وكامنا ضخما .

مفهومي الفائض الاقتصادي الحقيقي والكامن ، يرجعان للبروفسير بول باران في كتابه الاقتصاد السياسي للنمو . فالفائض الاقتصادي الحقيقي لأي مجتمع يمثل الفرق بين الانتاج الجاري (current  ) الحقيقي ، والاستهلاك الجاري الحقيقي . بهذا المعنى يتطابق الفائض الاقتصادي الحقيقي مع التوفير الجاري ( current saving) أو التراكم (accumulation ) .

وعلى صعيد آخر ، فالفائض الاقتصادي الكامن ، يمثل الفرق بين الانتاج الذي ينتج في بيئة طبيعية وتكنولوجية محددة بمساعدة موارد الانتاج ، التي يمكن إستغلالها (employable productive resources ) ، والاستهلاك الذي يعتبر ضروريا . إن تحقيق الفائض الاقتصادي الكامن ، يففترض إعادة تنظيم  فعالة للانتاج وتوزيع الناتج الاجتماعي ويتضمن تغييرات عميقة في هيكل المجتمع .

وبناء على هذا التفسير سنقترح الاجراءات التالية لتعبئة الفائض الاقتصادي :

زيادة نصيب السودان في الموارد النفطية بمراجعة الاتفاقيات .

اصلاح القطاع التقليدي .

فرض الضرائب التصاعدية العادلة .

الحد من الاستغلال في مشاريع القطاع الحديث .

تبني نظام ضرائبي تصاعدي (progressive taxation) ، وسياسات أسعار ذات محتوى طبقي ، تطبق على الورش المبعثرة والمصانع الكبيرة لتحويل جزءاً من الفائض المولد للتنمية الصناعية والزراعية .

فرض الضرائب التصاعدية على التوزيع (distribution) ، والنشاطات الخدمية مع تشجيع المشاركة الشعبية في إدارة التعاونيات على مستوى التجمعات الاستهلاكية (consumer compounds) الدائمة والمتحركة منها .

إعادة استثمار جزءً كبير من الارباح المتراكمة في أيدي المستثمرين الأجانب ، في مجالات يتم تحديدها وطنيا مع دفع جزءاً من الفوائد لهم بالعملة المحلية لتنشيط الاقتصاد السوداني .

من الممكن ايضا البحث عن الفائض الاقتصادي المحتمل أو الكامن  للسودان في مجالات الاستهلاك والانفاق  غير الضروري . في هذا الخصوص ، من الضروري تبني سياسة سعرية للتأثير على أسعار المواد الغذائية من خلال منح الحوافز لصغار المنتجين ، بالاضافة لمنح سلع غذائية بأسعار معقولة لجماهير العمال لرفع دخلهم الحقيقي. وبنفس القدر ، لابد من تحديد مستوى الاحتياجات الاساسية للجماهير ، والتي على ضوئها يمكن رسم سياسة اقتصادية للاستيراد تهتم بذوي الدخول الدنيا . من أهم أهداف هذه السياسة ، التخفيض الجاد لاستيراد السلع الاستهلاكية الكمالية وغير الضرورية ، والذي بدوره يخفض من الاستهلاك الكلي ويعتق الموارد لصالح الاستثمار ولتوفير السلع الضرورية للاستهلاك .

وبالمثل ، لابد من الضغط على المنصرفات غير المنتجة بهدف تخفيضها الشديد ، خاصة منصرفات الأجهزة الحكومية البيروقراطية . في هذا  الخصوص ، لابد من تخفيض الفوارق في المرتبات مع ضرورة تقييم الوظائف اقتصاديا . وفي نفس الاتجاه ، يساعد توجيه التعليم نحو التعليم الفني ، بهذا الفهم ، في تخفيض الاستغلال غير المنتج للقوى العاملة ، كما يخفض من النزوح نحو المدن والذي يساعد في تنمية المناطق الريفية.

وعلى نفس الوتيرة ، يعتبر توسيع الديمقراطية الحقيقية شيئا لائقا لتعبئة الفائض الاقتصادي. فالديمقراطية الحقيقية تسمح بالمشاركة الشعبية في مهام الدفاع والامن الوطني ، الشئ الذي يعمل على تخفيض التوسع غير المسبوق لقوات الأمن . زد على ذلك ، ستعمل إعادة هيكلة جهاز الدولة على أسس ديمقراطية مع مشاركة الجماهير في أداء المهام المناسبة ، على تخفيض النفقات وأضعاف البيروقراطية المسؤولة إلى حد كبير عن الانفاق العالي على جهاز الدولة .

لابد من تبني معيار استثماري مرن وعملي للاستثمار في قطاع الخدمات، ويشتمل ذلك في رأينا ، على الاستثمار في الخدمات ، التي تلبي الاحتياجات الاساسية للجماهير ، إضافة للاحتياجات الجديدة الناتجة عن التنفيذ الناجح لخطط التنمية ، وأيضا في الخدمات التي تساهم في تنمية الانتاج وزيادة نسبة الاستثمار المنتج .

التغاضي عن هذه الشروط ، خاصة ضرورة التناسب بين الخدمات وإتساع الانتاج ، يعني  من تجارب الدول المتقدمة ، إن أي سياسة لتوسيع الخدمات بالشكل الحالي ، لن تخدم التحول الاقتصادي ، ولابد أن تقود لتعزيز  العجز في الخدمات الضرورية نفسها ، كما هو الحال الآن في السودان.

لابد من إتخاذ الاجراءات الاقتصادية والادارية المعقولة لمحاربة السوق السوداء والفساد وكل أشكال النشاطات الطفيلية الضارة بالانتاج وبتعبئة الفائض الاقتصادي .

وفي نفس الاتجاه ، يجب أن ندرك ، أن تحقيق الفائض الاقتصادي الكامن ، يستدعي تحولا ثقافيا ، يحرر المجتمع السوداني من العادات والقيم والمفاهيم غير المنتجة . 

الإعتبارات الإقليمية لإستغلال وملكية المياه:

لابد من  معالجة الإستغلالات الاقليمية للمياه  مع دول الجوار ، بأسلوب يتسم بالتراضي ويحترم علاقات الجوار والاحتياجات الاساسية لمواطني تلك الدول .  كما لابد من ، البعد عن النعرات القومية في ذلك (nationalist) ، ولا نقصد المواقف الوطنية (patriotic) . والفرق بين الأثنين شاسع.

من المعلوم ، إن إتفاقيات المياه الدولية ، تحول الفائض غير المستعمل من حصة أي دولة للدولة المستنفذة لحصتها والتي تنفذ مشروعات جديدة  تحتاج للمياه.

إن السلام بالسودان ، يعني في نظرنا ، بالنسبة لجنوب السودان من الناحية الاقتصادية ، تنمية القطاع الزراعي  بعد مرحلة إعادة التعمير ،  مما يتطلب إستغلالا أكبر للمياه.

لذلك ، لابد من معالجة هذه المسألة بأسلوب علمي بتنسيق خطط التنمية ، خاصة الزراعية منها بين أقاليم السودان المختلفة وبين السودان وجيرانه . كما لابد من ، التعجيل بتشييد قناة جونقلي التي عطلتها الحرب  الأهلية لزيادة حجم المياه ،  وتوزيعها على أسس متفق عليها .

أما فيما يتعلق بإستغلال مياه الأنهار المشتركة كبحر العرب أو بإسم آخر،  بحر الكير ، نعتقد إن الآليات القبلية التقليدية المتبعة تاريخياً في إستغلال هذه المياه بواسطة الرعاة قبل وقوع الحرب ، هي من أنسب الوسائل لمعالجة هذه المسألة .

تحسين أوضاع المرأة :

يقول مثل عربي قديم "إن لم تخلق النساء ، لم تكن هنالك شمس أو قمر ، ولا زراعة ولا نار" . (راجع: شيلا لونهاك ، النساء والعمل ، 1980).

النساء بالسودان ، يمثلن أفقر قطاعات المجتمع لاعتبارات تاريخية ، وأخرى مرتبطة بمستوى التعليم وبالتقاليد والأعراف والتهميش المتعمد للمرأة . فالنساء العاملات بالسودان دخولهن منخفضة جدا ، ويعملن لساعات طويلة.

وفي نفس الوقت ، يعانين من تمييز في العديد من المجالات . و نرى لتحسين أوضاع المرأة في السودان ،  ضرورة معالجة القضايا المتشابكة  من خلال الحوار البناء.

تقول اليني إستاميرز ، في مؤتمر إتحاد البرلمانات العالمي بجنيف ، عام 1994، إن من بين الأسباب التي حالت دون مشاركة المرأة في العملية السياسية مايلي :

أ- الفلسفة التاريخية والتجارب السياسية ، التي تعتبر  السياسة مجالاً للرجال ، بالاضافة للاعتقاد الواعي للرجال والنساء على السواء ، والذي يعتبر الرجال هم الفاعلين العقلانيين في مجال السياسة (rational politcal actors) ، وايضا السمات الرجولية للقيادة .

ب- فقدان الأدبيات الأساسية للمساهمات الفكرية المتطورة ، التي تنادي  بمشاركة المرأة.

ج- التمييز الضمني في الثقافة التي يهيمن عليها الرجال على مستوى الأحزاب والمؤسسات والتنظيمات القائمة .

د- غياب الرؤى النسوية ومساهماتهن الايجابية في المجتمع، وفي وسائل الاعلام .

هـ- الاستعمال السائد للغة الجنسية في الاعلام بما في ذلك التعليقات السياسية .

و- التقليد السائد ، والذي يفترض دوراً أكبر  للرجال في السياسات ونظم اختيار المرشحين للانتخابات .

ح- نظام الوصاية المتبع في الشبكات الاجتماعية للاتصال (networking).

خ- النظرة للسياسة ، باعتبارها مختلفة عن الحياة اليومية .

ر- القيم الثقافية السائدة ، التي تحدد الادوار والمهام على اساس جنسي.

ز- التحرش الجنسي .

وفي نفس الاتجاه ، حدد قسم الامم المتحدة لتقدم المرأة (UNDAW) ، الأسباب التالية :

أ- التقليد التاريخي الحديث نسبيا لمشاركة المرأة في السياسة والخبرة القليلة في الحملات السياسية ، و الظهور في الاعلام والحوارات العامة.

ب- الاتجاهات السلبية السائدة ضد مشاركة المرأة في الحياة العامة .

ج- غياب الثقة وانعدام الدعم المناسب للنساء المرشحات والسياسيين المناصرين لترشيح النساء .

د- الصعوبة في الدمج بين الادوار السياسية الجديدة ، والادوار المحددة تاريخيا ، ضمن إطار العائلة والمجتمع .

هـ- عدم قدرة النساء المالية وحالة التبعية الاقتصادية .

و- النقص في تعليم المرأة عموما ، والتعليم السياسي على وجه الخصوص .

ح- إحجام النساء عن المشاركة في السياسة ، خاصة على المستويات العليا .

إن تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية لعام 1995 ، يقترح الاستراتيجية التالية لتنمية المرأة :

أ- تعبئة الجهود الوطنية والعالمية لتحقيق المساواة في أقصر وقت ممكن .

ب- هنالك ضرورة لإصلاح العديد من الترتيبات الاقتصادية والمؤسسية لتوسيع الخيارات للنساء والرجال في موقع العمل .

ج- لابد من تحديد ، حد أدنى لمشاركة المرأة في مواقع إتخاذ  القرار على المستوى القومي بنسبة 30%.

د- يجب أن تشتمل البرامج الاساسية على تعليم المرأة ، وتحسين الصحة التناسلية  ، وعلى توفير الإئتمان المالي بصورة أكبر للمرأة .

هـ - يجب أن تتجه الجهود الوطنية والعالمية لتنفيذ البرامج التي تمكن الجماهير بصورة عامة والنساء بصورة خاصة ،  لكي يتمكن من الوصول للفرص الاقتصادية والسياسية . وفي هذا الخصوص ، هنالك حاجة لاصلاحات زراعية تشتمل على توزيع بعض المشاريع للنساء ، مع خلق المؤسسات الإئتمانية التي تستهدف النساء تحديدا ، وتوفير الرعاية الصحية الأولية التي تلبي إحتياجات الأطفال والأمومة. إن مشاركة النساء في إعداد هذه المشاريع تعتبر ، مسألة في غاية الاهمية لضمان نجاحها.

وبالمثل ، خلص إتحاد البرلمانات العالمي من قبل في عام 1994 ، لخطة عمل لتصحيح التفاوتات الحالية في مشاركة الرجال والنساء ، والتي تركز على الآتي :

أ- تبني القيم الحضارية التي تنشر المساواة وروح الزمالة .

ب- نشر التعليم لاصلاح  التفاوتات بين النساء والرجال بالتركيز على المساواة في الحصول على التعليم ، كحق إنساني أساسي .

ج- تطوير الخدمات الصحية بالتركيز على تعزيز النظم الصحية .

د- تطوير تنظيم الأسرة .

هـ - التأكيد على إحترام النساء أخلاقيا وعضويا من خلال التشريع القانوني الصارم .

و- إتخاذ الاجراءات لتطوير إمكانات توظيف النساء ومشاركتهن في الحياة الاقتصادية من خلال الحصول على التدريب المهني ،  وتوفير شروط العمل المتساوية ، والتمويل ، ومن خلال التدريب على مبادئ إدارة الاعمال .

ح- تنشيط حملات محو الأمية والحملات ضد العادات والمعتقدات البالية .

خ- نشر مبادئ حقوق الانسان وسط المجتمع ، خاصة بين النساء والشباب.

عند النظر لظروف النساء في السودان ، نقترح الآتي :

أ- أن يوقع السودان على إتفاقية سيداو للأمم المتحدة التي تحرم التمييز ضد المرأة .

ب- التأمين على حقوق المرأة ، بإلغاء القوانين التي تضعف من وضعها الاجتماعي .

ج- توفير الإئتمان للنساء الفقيرات على نهج مصرف قرامين البنغلاديشي ، مع توفير الدعم المالي لمشاريع توليد الدخل لهن.

د- العمل على تغيير السلوك الاجتماعي والثقافي ، الذي يعزز التمييز في سوق العمل ضد النساء من خلال حملات التوعية ودعم المشاريع ، خاصة الزراعية ومشاريع الحرف اليدوية في القطاع التقليدي ، حيث تعمل النساء بأعداد كبيرة ، وذلك لتحريرهن إقتصاديا.

هـ - سن القوانين التي تلاحق الأباء الهاجرين لاسرهم ، وتلزمهم بتحمل المسؤوليات المالية تجاههم لتخفيف العبء على النساء .

و- العمل على تدريب النساء في مراكز جماعية ثابتة ومتحركة.

ح- نشر التعليم وسط النساء من خلال التعليم الرسمي وحملات محو الأمية .

خ- تطوير مراكز الأمومة والطفولة .

ر- إعادة تدريب القابلات التقليديات وتسجيلهن في ملف وزارة الصحة ، بدفع أجر شهري لهن ،  لمحاربة العادات الضارة كالختان الفرعوني ، بحيث تفقد  القابلة هذا الأجر المجزي مقارنة بما تدفعه لهن الأمهات لختان بناتهن في حالة ممارستهن لهذه العادة الضارة .

على ضوء هذه الاسس من الممكن تطوير المرأة السودانية لتلعب الدور المنوط بها في تنمية المجتمع .

أهمية الديمقراطية للتنمية :

التنمية تهدف في الأساس لتحسين الأحوال المعيشية وتوسيع الفرص للمواطنين ، من خلال تعزيز حريتهم في اختيار الطريقة التي يرغبون العيش بها ، وطبيعة مشاركتهم في النشاطات الاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية والمدنية . وعلى الرغم من امكانية ممارسة (pursue) التنمية والديمقراطية بصورة مستقلة عن بعضهما البعض في المدى القريب ، إلا أنهما ، كما يقول  د. أليكس ديفال عام 2002، ذات ارتباط وثيق ببعضهما البعض في المدى البعيد .

فالمواطنون ، يرغبون دائما في الديمقراطية المرتبطة بالتنمية ، ولا ينظرون لهما بمنظار هذا أو ذاك . تأكد لنا ذلك ، في الشعارات التي رفعها المتظاهرون في انتفاضة ابريل 1985، حيث طالب المتظاهرون بالديمقراطية وبإنهاء المجاعة والأزمة الاقتصادية .

وعلى الرغم من بعض الاستثناءات القليلة جدا في العالم ، إلا أن الاداء الاقتصادي للديمقراطيات نجده أفضل بكثير عن اداء النظم الديكتاتورية والسلطوية .

تؤكد التجارب التاريخية للشعوب ، أن التعليم الجيد ، والرعاية الصحية الاولية الممتازة ، والدرجة العالية من الحريات الشخصية ، تساعد  بصورة  أكبر على  تحقيق التنمية الاقتصادية ، على العكس من البرامج الفوقية للأنظمة القمعية والاحتكارات التي ربما تحرز بعض النجاحات في المدى القريب . ولكن ،  كما تؤكد تجارب الدول الأخرى والسودان على وجه الخصوص ، إن النمو المستدام وتجنب الازمات الاقتصادية يتطلب مجتمعا ديمقراطيا مفتوحا . فالكل ،  يعلم ما حدث بالسودان من فساد كبير وتهريب لرءوس الاموال تحت الانظمة الديكتاتورية . عليه ، من المهم أن تعمل الحكومات الديمقراطية في المستقبل على خلق النشاطات الاقتصادية العامة والخاصة المتسمة بالشفافية والتي لا تتوفر إلا في ظل ظروف ديمقراطية .

بهذا المفهوم ، يتضح بصورة جلية ،  أن الديمقراطية والتنمية متلازمتان . فالديمقراطية ذات قيمة عظيمة ، ليس فقط في كونها ديمقراطية ، بل أنها تمثل جزءا هاما في التنمية المستدامة وذلك لسببين :

أولهما : لأنها تطور نظم التعليم  والرعاية الصحية  ، والتي تعتبر مهمة بالنسبة للتنمية المستدامة طويلة الأمد. فتطور هذه الخدمات الاجتماعية الهامة ، يرفع من الانتاجية ، وقدرة المجتمع على الحفاظ على القيم الاخلاقية الاساسية.

ثانيهما : الشفافية والمحاسبة اللتين تتسم بهما الديمقراطية ، تحد من سلبيات إقتصاد السوق ، كما تسمح في آن واحد لاقتصاد السوق ، أن يعمل بكفاءة لأنها تحد من الفساد الذي عادة ما يترعرع في الظلام ويضر بإقتصاد السوق .

يجب ، أن ندرك إن مصداقية النظام الديمقراطي تتوقف على قدرته على الانجاز وعلى مقابلة الاحتياجات الاساسية للجماهير . عليه ، لابد من تبني البرامج السليمة لتجنب الازمات الاقتصادية والعمل على إزالة الفقر حتى لا يفقد النظام الديمقراطي مصداقيته ، وتصبح  التربة خصبة للانقلابات العسكرية ، التي أذاقت المواطنين العذاب .

ضرورة إحترام حقوق الإنسان :

يمثل ذلك ، شرطا اساسيا لبناء السلام العادل والشامل والدائم . لأن إحترام حقوق الانسان ، يوفر الارضية الهامة للمشاركة الشعبية في  القرارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وتعبئة الموارد ، وبنفس القدر المشاركة في مسؤولية الفشل.

إحترام حقوق الانسان ، يمثل عنصرا هاما في الديمقراطية السياسية ، والتي تتكامل عضويا مع الديمقراطية الاقتصادية ، وكلاهما شرطان هامان للحفاظ على وحدة السودان .

عليه ، لابد من  إلغاء كل القوانين المقيدة للحريات ورفع حالة الطوارئ ، واطلاق سراح كافة المعتقلين والسجناء السياسيين ، والسماح للاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بما فيها منظمات حقوق الانسان الطوعية وغير الرسمية بممارسة نشاطاتها بحرية تامة  ، وأن تصبح  المواطنة هي اساسا للحقوق والواجبات .

التكاملات الاقتصادية الاقليمية:

تأثرت هذه بالمواقف العدائية من السودان ، وذلك  لعداء السودان للعديد من دول الجوار في فترة من الفترات تحت النظام الحالي . لذلك ، نجد أن للسودان تبادلا تجاريا محدودا  مع جيرانه ، ولكن عضوية السودان في الإيقاد والكوميسا ، تبشر بإمكانية أكبر للتطور في هذا المجال .

ولكن ايضا ، هنالك عقبات هائلة تقف أمام  التكامل الاقتصادي الاقليمي والتي في نظرنا وفي نظر منظمة Justice Africa تتمثل في الآتي :

أ- السودان بلد شاسع ، ويجاور عدة دول ذات اقتصاديات مختلفة وأسبقيات اقتصادية مختلفة فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي . وكما أن التكامل الاقتصادي عادة ما يصب في صالح الدول القوية بالإقليم . ولكن نعتقد من الممكن تقاسم المنافع بتنسيق خطط التنمية للدول المجاورة. هذه الخطط ستتحكم في توزيع الموارد بين الإستثمارات المختلفة بقدر عال من التوازن بين مكونات الخطط لهذه الدول بهدف السيطرة على إنسياب الموارد لتحقيق التنمية المتوازنة والهادفة لرفاهية مواطني هذه الدول .

ب- نقاط التفتيش الحالية المنتشرة في القطر وصعوبة الحصول على التصاديق وتفشي الرشوة ، كلها عوامل معوقة لانسياب التجارة.

ج- كل دول شمال شرق افريقيا بما فيها السودان ، ليس لديها الاستعداد للتنازل عن السيطرة على جزء كبير في حياتها الاقتصادية ، ووضعها تحت سيطرة جسم مشترك لهذه الدول . فهنالك خصومات وغيرة شديدة بين هذه الدول لا تسمح بتعاون فعال الآن .

د- ضعف الطاقات المؤسسية لتنفيذ اجراءات التكامل والتعاون . فهنالك حاجة ماسة لدرجة عالية من التنسيق بين سلطات هذه الدول . كما لابد من تضمين الاتفاقيات الدولية في القوانين المحلية  والادارات الوطنية .

هـ - ربما تتعارض برامج التكييف مع الاتفاقيات الاقليمية للتجارة التفضيلية بين  الجيران . فربما يصر المانحون بما في ذلك صندوق النقد الدولي ، على تحرير الاقتصاد لتتنافس الصادرات في السوق العالمية ، الشئ الذي ربما يكون على حساب الاتفاقيات بين دول الجوار . ولكن على  الرغم من ذلك ، تمثل التكاملات الاقتصادية الاقليمية الناجحة ، مصدر قوة في مواجهة العولمة ومؤسساتها والسياسات المرتبطة بها ، مما يخفف من سطوتها.

و- العديد من الحكومات ليست  لديها الرغبة في التنازل عن العائدات من الجمارك على الواردات . هذه المسألة من الممكن علاجها على مراحل كما حدث في تجربة السوق والمجموعة الأوروبية.

ح- المنظمات الاقليمية تتسم بالضعف ، تعتبر الايقاد والكوميسا من أضعف المؤسسات الدولية  ، ولكن لا يعني ذلك عدم إمكانية تطويرها بإتباع الأسس العلمية والإستفادة من التجارب المماثلة في مناطق أخرى.

لذلك ، نعتقد أن المكاسب من التعاون الاقتصادي الاقليمي ستكون متواضعة . ولكن لا يعني ذلك ، إهمالها . فصادرات السودان تختلف عن صادرات معظم جيرانه كأثيوبيا وكينيا ويوغندا والتي لديها صادرات متشابهه . وتوضح الدراسات التي أعدتها الايقاد ، إن هنالك امكانات مستقبلية معتبرة للتجارة الاقليمية .

ومن بين هذه  الفوائد الآتي :

أ‌- السودان ينتج العديد من المنتجات الزراعية ، والتي تعتبر نسبيا أرخص ، وبكميات كبيرة كالذرة والسمسم . وهنالك طلب حقيقي ولو محدود على هذه المنتجات بالإقليم .

ب- السودان في حاجة لسلع صناعية والتي يمكن توفيرها من دول الجوار كمصر وكينيا .

ج- السودان يحظى بأكثر القطاعات الخاصة  حيوية  والمتمتعة برأس مال مرموق في الإقليم ، بالإضافة للخدمات المالية الجيدة والعلاقات الحسنة مع الدول العربية ، مما يجعل دور رجال الأعمال السودانيين دورا هاما في النشاطات الاقتصادية بالاقليم.

وعلى الرغم من ، إن  التكامل والتعاون الاقتصادي الاقليمي ، سيلعب دورا ثانويا ولكنه دور ايجابي في اعادة تعمير الاقتصاد السوداني. عليه لابد ، أن تلعب الحكومة الديمقراطية دورا نشطا في الايقاد والكوميسا ، ولكن يجب ان لا تتوقع بأن ذلك سيلعب دورا كبيرا في التغلب على مشاكل السودان الاقتصادية .

القيادة الديمقراطية المؤهلة :

تحقيق ما جاء أعلاه ، يتطلب قيادة سياسية ذات التزام  ديمقراطي عال  في القول والممارسة ، وذلك من خلال التزامها بحقوق الانسان والمؤسسات الديمقراطية ، والتركيز على الإعتماد الإقتصادي  على الذات للدولة ، والتوزيع العادل للثروة والتوظيف الكامل للموارد ، والتنمية المتوازنة ذات البعد الانساني ، والحفاظ على الموارد  وإدارتها بصورة جيدة ، والمشاركة الحقيقية في القرارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .

لابد أن تكون القيادة طاهرة وتتمتع بقدرة فاعلة  في التواصل مع الجماهير  وإشراكهم في القرارات السياسية والاقتصادية ، وقدرا عاليا من المسؤولية ، والشفافية في الحكم ، وأن تتميز القيادة ايضا بالتفكير والنظرة الايجابية .

القيادة التي ننشدها ، لابد أن تكون قيادة ملهمة (visionary ) ، وملتزمة بمبادئ الاحترام وأهمية الثبات على المبدأ والمثابرة والجلد في تحقيق الهدف ويكون لها الاستعداد للعمل الجماعي القاعدي.

يجب على القيادة أن تؤمن بخدمة الجماهير وليس أن تخدمها الجماهير ، ولها الاستعداد للتضحية والمخاطرة . القيادة يجب ايضا ، أن تكون واعية ومستنيرة ، وتتمتع بالدراية العلمية العالية ، و لديها الاستعداد لتقبل الافكار الجديدة . كما يجب ، أن تلتزم بالمؤسسات الديمقراطية المرتكزة على الجماهير والهادفة لتطوير القدرات والمهارات.

على القيادة أيضا ، أن تتمتع بقدر عال من التسامح الإجتماعي.

القيادة الديمقراطية ، يجب أن تترفع عن الصغائر وأن تضع مصلحة الوطن فوق كل الإعتبارات.

من الضروري أيضا ، أن تتجنب القيادة المناورات السياسية الرخيصة والجري وراء مقاعد الحكم وأن تعمل بكل ما أوتيت من معرفة وخبرة لإثراء الديمقراطية داخل أحزابها وفي المجتمع السوداني .

إن ظروف السودان تتطلب نهجا توفيقيا في الحكم نسبة لتعدد مكونات السودان الإثنية والثقافية والدينية مما يعني إحترام المواطنة كأساس للحقوق والواجبات . هذا الشرط لن يتحقق أبدا إلا في ظل قيادة ملتزمة بالدولة المدنية والتي تراعي وتوازن بين المصالح والإنتماءات الثقافية والدينية والإثنية المختلفة في السودان .

القيادة الديمقراطية لابد بالضرورة ، أن تتمتع بالنسبية في التفكير مقارنة بالقيادة الشمولية التي تحتكر الحقيقة . إن النسبية في التفكير شرط أساسي للإبتكار والتقدم.

إن القيادة المرتكزة فقط على التاريخ الذي لا يتواصل مع ضرورات التحولات العلمية في عالم اليوم ، قيادات راكدة ولا يتوقع منها أن تلعب دورا في قلب الأوضاع المرتبطة بالتشوهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان . إن ما يحتاج له السودان اليوم ، قيادات ذات قدر عال من الإبداع الفكري للخروج  به  من الأزمة التي يواجهها  وتجنب إعادة إنتاجها مستقبلا . بمعنى آخر ، يجب على القيادة أن تتبنى نهجا مغايرا (antithesis) للنهج الذي أتبع منذ عهد الإستعمار ، والذي تولدت عنه نزاعات دموية  مما قعد  به لسنوات عديدة.

مرتكزات المرحلة الانتقالية :

وخلاصة لما جاء في هذه الدراسة ، نرى إن المرحلة الانتقالية يجب أن ترتكز اساسا على تحقيق ثلاث مهام  :

المهمة الأولى تتعلق بقضايا السياسة والدستور ونظم الحكم .

والمهمة الثانية ، ترتبط بقضايا الاقتصاد والتنمية.

والمهمة الثالثة ، علاقات حسن الجوار ، وذلك لأن لجيران السودان اهتمامات مشروعة بما يحدث في السودان ،  ولا نعني حقوقا مشروعة.

وتحقيق هذه المهام  ، يتطلب احترام ثلاث مبادئ هامة وهي : المشاركة (participation) ، ولم الشمل (inclusion) ، والالتزام (obligation) .

لذلك ، لابد من عقد مؤتمر دستوري جامع بهدف الإتفاق حول المسائل الدستورية ، ومؤتمر إقتصادي وطني شبيه بالمؤتمر الاقتصادي لعام 1986، ومؤتمرات إقليمية مع دول الجوار لبناء الثقة ودفع العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى الأمام .

كما من المهم ، حصر الكفاءات السودانية الراغبة في العودة إلى الوطن للمساهمة في بناء السلام .

الشكر أجزله للأستاذين الهادي عيسى و محمد  نورالدين بليبيا ، والمهندس محمد البشير عمُاري على النقاش المفيد لما جاء في هذه الدراسة وعلى مساعدتهم بالتحرير.

اللهم أشهد أني قد بلغت ، وهذه رسالتي للتاريخ

 
     

الفصل الأول

 

   
 

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية