| نسخة للطباعة | ||||||||
|
" خلفنا صعوبات الجبال أمامنا صعوبات السهول" ! ب. بريشت بقلم/ كمال الجزولى (1) (1/1) إشكاليتان ] أساسيتان لازمتا الحزب الشيوعى السودانى ، منذ نشأته الأولى ، وعبر مسار تطوره اللاحق: الموقف من الدين والموقف من الديموقراطية. وكنا اعتبرنا ، فى مقالة سلفت (أنظر: مثار النقع ، الصحافة 2/1/2001م) ، أن (انتباهة) الحزب الشيوعى السودانى الباكرة لعلاقة الدين بقضايا الثورة والتغيير الاجتماعى تشكل إحدى أبرز وأخطر العلامات الفارقة ، المميزة ، والكاشفة ليس فقط عن زيف اتهام الشيوعيين السودانيين بالالحاد ، بل وعن وجود (بذرة) الاستعداد فى فكر الحزب نفسه لتنويع منهجياته ومصادره النظرية ، بإخضاعها للفحص المستمر فى ضوء حركة الواقـع الحى ، وليس العكس ، والانفتاح ، بالتالى ، على منهجيات ومدارس ومصادر معرفية متنوعة ، حداثية كانت أم تراثية ، وذلك على الرغم من: أ/ أن الماركسية اللينينية بقيت تمثل ، من زاوية المعاصرة ، أقوى منهجيات الحزب ، ومُعيناته النظرية ، لمجابهة أسئلة الحداثة الشاخصة فى أفق مشروعه الاشتراكى ، بوجه عام، وما اتصل منها بحقلى الاقتصاد وتحليل وتفسير الظاهرات والعلاقات الاجتماعية فى ضوء قوانين الدياليكتيك ، على وجه الخصوص ، ب/ أن (انتباهته) تلك نفسها لم تظهر ، عبر تاريخه ، وتتواتر ، إلا كما تظهر ، فقط ، وتتواتر (إشارات الفنار البعيد) ، مراكمة كمية لا تصحبها حركة دفع يؤبه لها ، رغم كونه ألزم نفسه بذلك ، بصورة تحويلية كيفية حاسمة منذ مؤتمره الرابع (أكتوبر 1967م) ، الأمر الذى يشكل تناقضاً رجحنا أن تكون له أسبابه (السودانية) الخاصة ، فدعونا ، من ثم ، للاهتمام بنبشها ودرسها ، مع التسليم بمرض (الجمود الستالينى) كسبب عام.
(1/2) الإشكالية الأخرى (الموقف من الديموقراطية) لا تقل خطراً أو أهمية ، سوى أن الحزب تعاطى معها ، فى رأينا ، على العكس من الإشكالية الأولى ، بديناميكية أعلى ، وبقدرات أفضل ، رغم أن خطها البيانى ، طوال ما يربو على خمسـين عاماً هى عمر الحزب ، سجل العديد من الصواعد والهوابط ups & downs التى تستوجب الإحاطة بخلفياتها وشروطها الفكرية والسياسية. ومن ثمَّ فإننا سنعمد إلى تناولها هنا بمنهجية التحليل التاريخى ، فى سياق لا ينزلق فوق لزوجة السرد المحض ، وإنما يهدف لتسليط أكبر قدر من الضوء على الحقائق الموضوعية ، من جهة ، ولاستنهاض أقوى عناصر التمرد على الانغلاق والجمود فى فكر الحزب نفسه ، من الجهة الأخرى.
(1/3) على أنه يلزمنا ، ابتداءً ، تدقيق مفهوم الديموقراطية الليبرالية على الوجه الذى سيجرى استخدامه به فى هذه المقالة: (1/3/1) فالأصل أن (الديموقراطية) و(الليبرالية) مفهومان نشئا بانفصال. الديموقراطية ، مفهوم تاريخى أقدم. وهى ، كلفظ ، مأخوذة من الأصل اليونانى demos ـ بمعنى (شعب) ، وkratos ـ بمعنى (حكم أو سلطة). أما كدلالة اصطلاحية فتنصب على شكل الحكم الذى يتسم ، فى جوهره ، بتوسيع دائرة الحريات والحقوق والمشاركة والمساواة أمام القانون ، والذى ظل يمثل تطلعاً دائما بالنسبة للمجتمعات الانسانية ، على امتداد تاريخها السياسى ، وعلى اختلاف محدداتها الزمانية والمكانية والعرقية والعقدية واللغوية والثقافية وغيرها ، منذ أقدم التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية ، عند الأسبرطيين أو عند البيزنطيين أو ، بخاصة ، عند الاغريق الذين يعود المفهوم ، بالجذر الغالب لاستخداماته ، إلى تلخيصاتهم الفلسفية (سقراط ـ أفلاطون ـ أرسطو) ، من جهة ، وإلى تطبيقاتهم الأثينية من الجهة الأخرى. وقد شهدت العصور القديمة تلك الأشكال الملموسة والمعروفة للديموقراطية التى كان مضمونها يتوقف على طابع نظامها الاجتماعى ، عبودياً كان أم اقطاعياً.
(1/3/2) أما (الليبرالية) فهى مأخوذة ، لغة ، من اللفظ اللاتينى liberalis ، فى معنى (حُر) من (الحرية). ويعود مفهومها بجذوره الفلسفية إلى مذاهب (جون لوك) والتنويريين الفرنسيين بخاصة ، وقد تبلور فى أوروبا القرنين السابع عشر والثامن عشر ، كبرنامج أيديولوجى للبرجوازية الصاعدة من رماد الاقطاع ، وكتعبير ثورى عن حاجتها الملحة اقتصاديا وسياسيا لتحطيم كافة الحواجز القائمة على طريقها فى طبيعة وقوانين وميكانيزمات النظام الاقطاعى المدعوم من الإكليروس الكنسى ، والذى لم يعد يناسب ، آنذاك ، مقتضيات حركة رأس المال والسلعة من حيث السرعة واليسر ، إلى جانب تكبيله لحرية اختيار المهن وانتقال الأيدى العاملة المطلوبة بإلحاح لتطور الصناعة ، حيث كانت القوانين السائدة تجبر الفلاحين الأقنان وأبنائهم على البقاء فى خدمة (أسيادهم) كأنصاف عبيد. وبما أن تلك الضرورات فى مستوى البنية التحتية للمجتمعinfrastructure كان لا بد لها من تحويلات كبرى تناسبها فى مستوى البنية الفوقية superstructure ، فقد قام المفكرون الليبراليون ، فيما بين نشؤ حركة الاصلاح الدينى اللوثرى ، الطور الأول من عصر (الحداثة) ، وبين اندلاع الثورة الفرنسية (1789م)، بتدمير الأسس النظرية للنظام القديم الذى كانت (النبالة) فيه عنواناً لـ (الامتياز) ، كما كانت (الحقوق) هى المعادل الموضوعى لـ (حيازة الأرض) ، وبشروا ، نظرياً ، بمجتمع جديد يمثل مصدر الثروة فيه (رأس المال) القائم فى (الملكية الخاصة) ، و(حرية السوق) المستندة إلى (حرية المنافسة) ، وجرى تصويره بنشاط على أن فرص (الربح) وخيارات (المنفعة) تنفتح فيه أمام (الجميع) ، بحيث تمثل (جهود الفرد) الاقتصادية (المستقلة) و(حريته) فى (التملك) و(المنافسة) شرعية التمايز ، تماماً كما يمثل (العقد) الأساس القانونى لتنظيم العلاقات الاجتماعية. زبدة الأمر أن الليبرالية الاقتصادية والسياسية تخلقت فى رحم النظام الرأسمالى ، كنتاج لمرحلة السوق الرأسمالى ، ولتبرير حقوق الطبقة البرجوازية الصاعدة ، واستندت إلى عدد من النظريات والمبادئ ، كنظرية الحقوق والحريات الطبيعية ، ونظرية العقـد الاجتماعى ، ومبدأ المنفعة.
(1/3/3) على أن الاقتران بين (الديموقراطية) و(الليبرالية) لم يقع ، تاريخياً ، ضربة لازب. بل العكس هو الصحيح تماماً ، حيث أن (الليبرالية) قاومت (الديموقراطية) ردحاً طويلاً من الزمن ، قبل أن تعود لاستيعابها بالتدريج. فحق التصويت ، على سبيل المثال ، ظل قاصراً على الطبقات الرأسمالية العليا وحدها حتى الثلث الأول من القرن التاسع عشر. ولم تتمكن الطبقة الوسطى ، فى إنجلترا ، من التمتع به إلا فى إثر (الاصلاح الانتخابى) عام 1832م. أما العمال فلم يعترف لهم بهذا الحق ، إلا فى نهاية القرن التاسع عشر ، وأما النساء فقد كان عليهن الانتظار ، للحصول عليه ، حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين (1920م فى إنجلترا ـ 1928م فى أمريكا).
إذن فالأسس المعرفية لليبرالية انطرحت ، تاريخياً ، من زاوية التطور الاقتصادى للمجتمعات البشرية ، باستقلال عن الركائز الخاصة بالديموقراطية فى ما يتصل بالحريات والحقوق إزاء سلطة الدولة ، والتى انطرحت معرفياً قبل الليبرالية بكثير. فالليبرالية ولدت إقتصادياً أولاً ، ثم تمقرطت بعد ذلك متخذة طابعها السياسى ، من بوَّابة اضطرار البرجوازية لتوسيع دائرة الحقوق والحريات التى لطالما دافعت عنها أثناء مرحلة نهوضها الثورى ، لتشمل كل المواطنين ، باعتبار أن هذه الديموقراطية ، فى جوهرها ، هى تعظيم (المساواة) فى فرص الحياة فى كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، و(تحرير) القوى الكامنة لدى الانسان لتحقيق ذاته. من هنا نتج التداخل بين المفهومين ، فى بعض جوانبهما ، ربما لكون سيرورة الليبرالية قد اقترنت أكثر من غيرها بالديموقراطية.
ولا نرى أدنى أهمية ، هنا ، للجدال حول ما إذا كان مضمون الديموقراطية ، فى معنى الليبرالية السياسية ، يتمثل فى (المساواة) أم فى (الحريات) ، اللهم إلا من وجهة النظر المدرسية المحضة. ما يهمنا ، تحديداً ، هو أن هذه الديموقراطية ، التى ظلت تمثل على الدوام ، بهذه الدلالة ، السلاح الذى تصارع به جماهير الفقراء والضعفاء لانتزاع حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتصبو ، عن طريقه ، لإعادة صياغة العالم الأفضل والوجود المغاير ، قد استحقت دائماً عداء وشك الطبقات والنخب المتميزة التى يرتبط لديها إقرار الحقوق الديموقراطية للجماهير بتهديد امتيازاتها أو تغيير الأساس الاقتصادى السياسى للمجتمع الذى يوفر لها تلك الامتيازات. ومع ذلك ، وفى الظروف التى تلازم فيها صعود المركانتلية ، ومفاهيمها حول المدنية والتمدن ، مع عمليات التهميش الثورى المتسارع للاقتصاد الطبيعى الريفى ، ولأجل الاستمرار فى تيسير (حرية) انتقال الأيدى العاملة من اقتصاديات الريف إلى مجال الصناعات الناشئة فى المدن ، وتبرير القضاء على سطوة التوأم السياميين فى التاريخ القروسطى الأوروبى: الاقطاع والكنيسة ، فقد كان منطقيا تماماً أن ترتفع أيضاً منظومة المطالب التى وسمت الليبرالية فى عصر الحداثة بميسم الثورة ذات الأهداف البرجوازية الشاملة فى التغيير الاقتصادى والاجتماعى والسياسى ، وهى المطالب التى دخلت التاريخ ، منذ ذلك الحين ، بما أصبح يعرف بحرية التفكير ، وحرية الضمير ، وحرية التنظيم ، وحرية التعبير ، وحرية التعليم ، وحرية التنقل ، إلى جانب إلغاء نظام الحكم بالوراثة ، واعتماد نظام جديد يقوم على الانتخاب الحر للحكام ، وما إلى ذلك.
هكذا ، وبرغم هذا التناقض المظهرى بين المصالح الليبرالية الاقتصادية للطبقات البرجوازية الصاعدة وبين المصالح الديموقراطية السياسية للجماهير العاملة ، ولعوامل استحالة تحقيق الأولى بدون إيلاء الاعتبار الكافى للثانية ، إرتقت الليبرالية من مستوى الحريات الاقتصادية إلى مستوى الحريات السياسية (راجع: على الدين هلال ؛ مفاهيم الديموقراطية فى الفكر السياسى الحديث ، ص35 وما بعدها ـ وراجع ضمنه:C. P. Macpherson; The Real World of Democracy, pp. 1 – 11 ـ وكذلك هانز كلسن؛ الديموقراطـية: طبيعتها وقيمتها ، ص 118 ، 119 ، 123 ـ وراجع أيضاً: د. برهان غليون ؛ إغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية ، ص 229 ـ 230).
(1/4) وإذا كان التاريخ الحديث قد شهد ، ضمن هذا السياق ، شكل الحكم الذى نشأ وتكرس فى أوروبا ، منذ حوالى ثلاثة قرون ، وتحدد ، منهجيا ومؤسسيا ، بمصطلح الديموقراطية الليبرالية ، فإن السودانيين عرفوا ".. نظام الشورى الذى هو لب الديموقراطية منذ عهود تضرب فى أعماق التاريخ. فملوك كوش القدماء كان ينتخبهم زعماء القبائل ، وملوك الفونج وشيوخ العبدلاب كانوا يختارون بنفس الطريقة .. إن البعض يحاول أن يوهم الناس بأن الديموقراطية نظام غربى لا يصلح لنا. صحيح أن الديموقراطية البرلمانية نشأت فى الغرب مع الثورة الرأسمالية وانهيار النظام الاقطاعى ، ولكنا كنا نمارس مضمون الديموقراطية القائم على الشورى قبل ذلك العهد بكثير جداً" (عبد الخالق محجوب ؛ دفاع أمام المحاكم العسكرية ، ص 66).
إن الواجب المطروح الآن بإلحاح ضمن أجندة التطور السياسى فى البلدان النامية كافة ، وفى السودان على وجه التخصيص ، هو ، من جهة ، نفض الغبار عن الذاكرة الثقافية الديموقراطية لدى شعوبنا ، ومن الجهة الأخرى ، وعى التجربة الغربية فى إطار ظروفها وملابساتها التاريخية المحددة ، باتجاه الاستيعاب النقدى لخصائصها ذات الطبيعة التعميمية المشتركة بين خبرات مختلف الشعوب ، والتى تؤهلها لتجاوز محدوديتها (كمضمون) أيديولوجى جامد لنظام اجتماعى معيَّن ، كيما تصبح (إطاراً) ضابطاً لنظام حكم يقوم ، فى جوهره ، على الحريات المبذولة للجميع ، والشراكة المؤسسة على المساواة السياسية. "إن اشتراك الشعب اشتراكاً واضحاً فى حكم بلاده بوساطة ممثلين منتخبين أصبح حقاً لكل الشعوب ، أما الوصاية على شعب ما ، وحرمانه من ذلك الحق فدعوة منهارة مهما أتعب أصحابها الذهن فى تسميتها بأسماء براقة. وهذه سنة التطور التى لن يستثنى منها شعب السودان" (نفسه ، ص 67).
(1/5) وبما أن أحد أهم مطلوبات مبحثنا هذا هو ، كما أشرنا ، إضاءة الحقيقة الموضوعية فحسب ، ولأن أدنى توفيق فى الاقتراب من ذلك لا يتم إلا بالمجابهة المستقيمة للسؤال الصحيح ، تأسياً بالحكمة القائلة بأن طرح سؤال واحد صحيح خير من الحصول على جميع الاجابات ، فقد رأينا من المناسب صياغة السؤال بشكل مباشر وواضح على النحو الآتى: هل الحزب الشيوعى السودانى حزب غير ديموقراطى ، كما فى بعض الشائع من أدبيات خصومه الأيديولوجيين والسياسيين؟! هل حقاً يتقاطع فكره السياسى ، فى جوهره ومحصلاته النهائية ، مع الديموقراطية البرلمانية الليبرالية التى يفترض أن تستند إلى الحريات العامة والحقوق الأساسية للجماهير ، والتى أثبتت دروس التاريخ الماثلة أنها أنسب ما يناسب منظومة التعدد السودانى؟!
ولمقاربة أكبر قدر من عناصر الاجابة المطلوبة على هذا السؤال المركزى ، وإحكاماً لإغلاق الأبواب التى غالباً ما تأتى منها ريح المغالطات الفجة ، والمكابرات الممجوجة ، والسجاليات الماراثونية التى لا أرضاً تقطع ، فى العادة ، ولا ظهراً تبقى ، فسوف نستند ، كما سبق وألمحنا ، إلى منهجية قائمة فى الفحص المتأمل لخطاب الحـزب ، ومنظومة مفرداته ، وشبكة مفاهيمه ومصطلحاته ، عبر مختلف مراحل بروزها وتطورها فى نسيج علاقاته الفكرية والسياسية ، المتقاطعة والمتساوقة جدلياً على كافة مستوياتها الداخلية والخارجية ، مستصحبين فى ذلك خبرته التاريخية نفسها ، فى التنظير وفى العمل.
(2)
(2/1) نبدأ بتقرير حقيقة بسيطة ليس من العسير ملاحظتها بالنسبة لأى نظر متمكِّث فى مجمل مسيرة تطور الحزب منذ منتصف أربعينات القرن الماضى ، وتتصل بالطابع التركيبى المعقد فى فكره لمسار تطور مفهوم الديموقراطية. فعلى حين بقيت هذه الموضوعة تمثل ، بشكل ثابت ، أحد أهم المطلوبات الاستراتيجية المطروحة فى أفق مشروعه الاشتراكى ، ظلت ملتبسة أيضاً ، فى فترات مختلفة من هذا التطور ، وبدرجات متفاوتة ، بمفاهيم ومصطلحات (الديموقراطية الاشتراكية ، أو الشعبية ، أو الجديدة ، أو الثورية) .. الخ ، وذلك تحت الأثر الضاغط على حركة اليسار ، وحركة التحرر الوطنى العالمية بوجه عام ، من جهة النموذج الاشتراكى السائد آنذاك ، وبالأخص التجربتين السوفيتية والصينية. وهى المفاهيم والمصطلحات التى تصعَّدت من أنماط الهيكلة السياسية الستالينية للحزب والدولة والمجتمع ، تحت عنوان (المركزية الديموقراطية) ، فى الاتحاد السوفيتى ، ومن ثم فى أنظمة الديموقراطيات الشعبية التى نشأت فى بلدان شرق أوربا وأنحاء متفرقة من العالم ، فى أعقاب الحرب الثانية ، مستهدية بأدبيات القدح المقذع الذى أفردته الماركسية اللينينية ، وبخاصة فى نسختها الروسية بظروفها المحددة ، للديموقراطية الليبرالية.
ومع ذلك ، فإن من فساد النظر ، يقيناً ، عدم ملاحظة أن مؤشر الأصالة الفكرية لدى الحزب ظل يسجل منذ ذلك الوقت الباكر ، وبرغم قوة تأثير تلك (الديموقراطية الاشتراكية ، الشعبية .. الخ) ، وتائر عالية من النزوع إلى (الديموقراطية الليبرالية) بمضمونها القائم فى توفير أوسع الحقوق والحريات الجماهيرية ، قانوناً وممارسة ، إلى درجة تصويب النقد الجرئ والصريح للتجربة السوفيتية ، فى هذه الناحية ، قبل انهيارها المدوى بنحو من نيف وأربعين سنة. وإنه لمن الصعب حقاً ، بل يكاد يكون من المستحيل ، فض هذا التناقض المظهرى ، فى فكر الحزب ، بين قوة أثر (الديموقراطية الشعبية) ، من جهة ، وبين أصالة النزوع إلى (الديموقراطية الليبرالية) ، من الجهة الأخرى ، بدون وضع اليد على مسألتين فى غاية الأهمية: أولاهما: تتمثل فى مركزى (الجذب) و(الطرد) الأساسيين ، بالنسبة لهذا الفكر ، والكامنين فى كل من مفهوم (الديموقراطية الليبرالية) التى تستصحب موضوعة الحريات والحقوق السياسية وتهدر موضوعة العدالة الاقتصادية ، من ناحية ، ومفهوم (الديموقراطية الشعبية) التى تفعل العكس تماماً من الناحية الأخرى.
أما ثانيتهما: فتتمثل فى الشكوى المستمرة من ضعف الأساس الاجتماعى الذى تستند إليه الديموقراطية البرلمانية فى الممارسة السودانية ".. حيث الوزن الكبير للقطاع التقليدى فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، ومن ثم وجود قوى إجتماعية داخل الديموقراطية البرلمانية ذات مصلحة مضادة لتوسيع قاعدة الديموقراطية وتجديد الحياة فى القطاع التقليدى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 134 ـ ومحمد أ. نقد ؛ مبادئ موجهة لتجديد البرنامج). ولا غرو ، فالطبقات والنخب المتميزة تعيد إنتاج شكوكها وعداواتها التاريخية بإزاء الحقوق الديموقراطية للجماهير ، والتى لا تنفك تقترن لديها دائماً بتهديد امتيازاتها ، أو بتغيير الأساس الاقتصادى السياسى للمجتمع الذى يوفر لها تلك الامتيازات. ولعل هذا وحده يكفى للكشف عن فداحة الضلالات الأيديولوجية الكامنة فى تصور هذه الحقوق والحريات كمنح سلطانية توهب للجماهير من جانب الطبقات والنخب الحاكمة ، أياً كانت!
(2/2) لقد بدا هذا التنازع واضحاً فى فكر الحزب ، منذ مطالع الاستقلال السياسى لبلادنا ، بين المفهومين المتعارضين ، المتناقضين فى ما بينهما ، من جهة ، وداخل كل منهما ، من الجهة الأخرى ، سواء من خلال مؤتمريه الثالث والرابع (فبراير 1956م وأكتوبر 1967م) ، أم من خلال دورات الانعقاد ذات الأهمية الاستثنائية للجنته المركزية (مارس 1953م مثلاً) ، أم من خلال وثائقه الأخرى ذات الطابع البرامجى. فعيون الحزب لم تكن كليلة يوماً عن النقد الماركسى التقليدى للديموقراطية البرجوازية ، حيث تمارس (الثروة) سلطتها تحت ستار الجمهورية الديموقراطية بصورة غير مباشرة ، حسبما يلاحظ ف. إنجلز ، ولكنها ، فى نفس الوقت ، أكثر ضماناً ، بحيث تتمظهر هذه السلطة ، فى السطح ، كما لو كانت سلطة الشعب أو غالبيته ، بينما هى ، فى حقيقتها ، سلطة الأقلية البرجوازية التى تمارس استبدادها المطلق على بقية الطبقات (ف. إنجلز ؛ أصل العائلة ، الملكية الخاصة والدولة ، ص 127). ومع ذلك فقد بقيت عيون الحزب مفتوحة أيضاً على الاتجاه النظرى العام فى تقييم هذه الديموقراطية البرجوازية من زاوية الماركسية اللينينية ، كأداة لا تلغى الاضطهاد الطبقى ، ولكنها تساعد على كشفه ، لا تخلص الكادحين من الاستغلال ، ولكنها تعينهم على منازلته. وقد كتب ماركس عن تأسيس الجمهورية فى فرنسا عام 1848م أنها تساعد على بسط سيادة الطبقة البرجوازية ، غير أنها تهيئ ، فى ذات الوقت ، المناخ السياسى الملائم الذى يمكن المستغلين "بالفتح" من منازلة مستغليهم "بالكسر" (ضمن: أ. دنيسوف "محرر" ؛ نظرية الدولة والقانون ، ص 129).
وهكذا ، وبرغم الأثر الضاغط للنموذج السوفيتى ونماذج الديموقراطيات الشعبية على الحزب الشيوعى السودانى ، تحت الظرف التاريخى الموضوعى المحدد ، فإنه ليس من العسير على التناول المدقق ملاحظة أن النظرية الأساسية للحزب بدأت تسجل باكراً ميلها الواضح ، مع كل ذلك ، للتمحور حول قيام حكومة وطنية ديموقراطـية تنجح فى إنجاز مهامها ، فتفتح الطريق لتحويل مجتمعنا بالتدريج نحو الاشتراكية (برنامج المؤتمر الثالث 1956م ـ ومحمد أبراهيم نقد ؛ مبادئ موجهة ..). ومن ثمَّ أبدى الحزب حماساً خاصاً للتوسُّل بالوسائل الديموقراطية لجعل قيام مثل هذه الحكومة أمراً ممكناً ، وذلك بالنضال وفق الأشراط العامة للديموقراطية البرلمانية ، برغم كلاسيكيات الهجاء الماركسى لها ، وبالذات فى طبعته اللينينية القائمة فى تعميم خبرة الثورة الروسية (1917م) ، حيث ".. الأمر الرئيس قد سبق وتحقق فى جذب طليعة الطبقة العاملة ، وكسبها إلى جانب السلطة السوفيتية ضد البرلمانية ، وإلى جانب دكتاتورية البروليتاريا ضد الديموقراطية البرجوازية" (ف. إ. لينين ؛ مرض اليسارية الطفولى فى الشيوعية ، ص 77) ، وحيث ".. أن دكتاتورية البروليتاريا هى وحدها القادرة على تحرير الانسان من اضطهاد رأس المال ، وكذب وزيف ونفاق الديموقراطية البرجوازية .. المقتصرة على الأغنياء" (ف. إ. لينين ؛ حول الديموقراطية والديكتاتورية ، ص 390) ، وحيث أن من "الحماقة" و"السخف" ، بحسب لينين ، الاعتقاد بإمكانية ".. الانتقال للاشتراكية عن طريق الديموقراطية بوجه عام" (ف. إ. لينين ؛ الاقتصاد والسياسة فى عصر دكتاتورية البروليتاريا ، ص 281).
ولعل المفارقة ذات المغزى العميق تتجلى هنا فى عودة تلك "الحماقة" وذلك "السخف" ، بعد عقود قلائل من وفاة لينين ، ليشكلا أحد أهم عناصر التطور التاريخى فى الفكر الماركسى! فلقد دافع الشهيد عبد الخالق محجوب ، فى أواخر الخمسينات ، دفاعاً مجيداً عن الديموقراطـية البرلمانية فى مواجهة انقلاب كبار الجنرالات عليها بقيادة الفريق أبراهيم عبود ، قائلاً: "إننى أؤمن بكافة حقوق الشعب الديموقراطية ، وأرى أن نظام حكم الفرد فى بلد كالسودان ، متعدد القوميات ولما تتلاحم أجزاؤه ، يهدد وحدة البلاد بخطر ماحق ، وخاصة فى مشكلة الجنوب التى تتطلب الديموقراطـية حلاً ، لا القوة والتعسف والقرارات الادارية الفردية ، تتطلب التراضى والتطور الحر للقوميات .. فى ظل وطن واحد مشترك بين الكل اشتراكاً على قدم المساواة" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 67). ودحض الشهيد كل الحجج التى سيقت فى ذمِّ الديموقراطية البرلمانية ، سواءً تلك التى اعتبرتها "بدعة" لا تناسب إلا الغرب وحده ، أو تلك التى ربطتها بمستوى تعليمى معين ".. فقد جرت فى بلادنا انتخابات كانت نسبة الناخبين فيها أعلى بكثير من بعض البلاد الأوربية. وشعبنا ، رغم تفشى الأمية ، عرف مصالحه أكثر من بعض الشـعوب الأوربية المتعلمة التى تأتى بأحزاب المحافظين للحكم ، إذ أن الشعب السودانى تمكن من انتخاب أغلبية وطنية فى برلمان 1954م حققت الجلاء والاستقلال" (نفسه). كما نافح عن هذه الديموقراطية البرلمانية بإزاء الاتهامات التى تقرنها بالفساد ، سائقاً الحجة على أن أصل الفساد ليس هو النظام البرلمانى نفسه ، بدليل استمرار الفساد حتى بعد القضاء على هذا النظام البرلمانى وتأسيس النظام الانقلابى العسكـرى ، بل إن أصل الفساد "طبقات غنية تسيطر على بعض الأحزاب ، وتفسد بعض النواب بالمال الحرام ، وتعميهم عن مصالح الناخبين ، وتحولهم إلى رجال (نعم) وإلى إمِّعات .. وإذا كنا نريد محاربة الفساد فيجب اقتلاع الأصل ، واجتثاث جذوره .. البرلمان مرآة تعكس القبيح والجميل فى ظل الديموقراطية ، والعقل يقول إذا لم تقبل نفسك رؤية القبيح فى المرآة فأبعده عنها ، ولا تكن كالطفل تحطم المرآة وتصبح كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. إن الديموقراطية .. هى الضمان لمكافحة الفساد ، فما من قوة تستطيع مراقبة الفساد واجتثاثه غير رقابة الشعب ، ولا رقابة للشعب إلا إذا تمتع بحرياته كاملة وأصبحت له سلطة تغيير الحاكمين" (نفسه ، ص 68 ـ 70).
ونحسبنا فى غنى عن الاطناب فى سوق الأدلة على أن الحزب الشيوعى السودانى لم يمثل وحده (عنزة) الحركة الثورية العالمية (الفاردة) فى هذا الشأن. فعلى صعيد الفضاء الفكرى العام لليسار الأوربى ، مثلاً ، والاحزاب الشيوعية الأوربية تحديداً ، تحولت بؤرة النظر الكلاسيكية إلى الديموقراطية البرلمانية من مجرد اعتبارها أداة تتناسب ومصالح الطبقة البرجوازية ، إلى استيعابها ، أيضاً وفى ذات الوقت ، كمعول فى أيدى الطبقات الكادحة ، تستطيع ، إذا ما أحسنت استخدامه فى إطار حتميات الصراع الطبقي ، أن تحقق الكثير من مطلوباتها الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية ، بل وإسباغ طابعها العام عليه إلى حـدِّ تصويبه ، نهائياً ، فى خدمة مصالح الأغلبية فى المجتمع ، بدلاً من تكريسه فى خدمة الأقلية البرجوازية وحدها كما كان يراد له فى الأصل.
(2/3) وبصرف النظر عن صحة أو خطأ المراهنة أو التعويل على خطة كهذه ، فإننا لا نجد مسوِّغاً عقلياً واحداً لاتهام (نوايا) الحزب فى قبوله بالديموقراطية الليبرالية بأنها ليست (صافية) ، أو أنها محكومة بتكتيكات (العصا النائمة والعصا القائمة) ، حسب الترويج التسطيحى الشهير لخصوم الحزب الأيديولوجيين والسياسيين الذين لا يرضون بأقل من أن يعنى قبول السير بالطريق الديموقراطى التخلى نهائياً عن المشروع الاشتراكى! فالمسألة ، فى جوهرها ، أعقد من ذلك بما لا يقاس. والواقع أن مثل هذا الترويج ، بالغاً ما بلغ من الفخامة والتزويق ، سرعان ما يتكشف عن وضع مقلوب على رأسه تماماً ، فما يلبث أن يتهاوى ، كمثل كاتدرائية تتقوض ، بمجرد تعريضه لحجج التاريخ وحقائقه الباردة. ونماذج ذلك كثيرة ، بخاصة خلال الفترة 1946م ـ 1964م.
(2/3/1) فمن الواضح تماماً أن قبول الحزب بممارسة العمل السياسى وفق المبادئ العامة للديموقراطية (الليبرالية) يعنى ، بالأساس ، اعتزامه الانخراط فى النشاط السياسى كجزء لا يتجزأ من الحركة الديموقراطية العامة فى البلاد ، وذلك بالاقرار التام ، قبل أى شئ آخر ، بقيم التعددية ، وباستخدام أسلحة الاقناع وحدها فى خوض المعركة السياسية السلمية على وعى الجماهير ، وبالاحتكام إلى آليات الديمقراطية وحدها ، كالتعبئة والاضراب والتظاهر السلمى والانتخابات العامة ، وبالاعتماد ، إلى ذلك ، على إنجازاته وحدها لكسب ثقة هذه الجماهير فى المنافسة الدورية على تداول السلطة ، فضلاً عن إشاعة الديموقراطية داخل بنيته التنظيمية من جهة ، وفيما بينه وبين سائر أقسام الحركة الجماهيرية من الجهة الأخرى. لقد شكل ذلك (الاعتزام) نقطة الانطلاق الأولى فى نشاط الشيوعيين السياسى ، بصرف النظر عما أصابوا أو لم يصيبوا فى هذا الشأن ، نتيجة لجملة ظروف وعوامل وملابسات تاريخية سوف نعرض لها ، لاحقاً ، فى سياق هذا المبحث.
(2/3/2) وقد تأسس هذا المنطلق ، منذ البداية ، على منطق القناعات الفكرية والسياسية التى كانت قد تبلورت ، قبل ذلك بوقت طويل ، بين الحلقات الأولى لطلائع الشيوعيين السودانيين ، حتى قبل التكوين الرسمى لحزبهم عام 1946م ، حيث نظروا لهذه الديموقراطية الليبرالية ، لا كمحض قضية شكلية ، وإنما باعتبار كافٍ لمضمونها الحقيقى القائم فى قضية الحريات العامة والحقوق الأساسـية ، والتى تمثل ، فى ظروف ضعف وضمور بنية الطبقة العاملة الصناعية ، فى بلد كالسودان ، بتعدد تكويناته الاقتصادية الاجتماعية والقومية ، وعدم التناسق فى تطور قطاعاته الاقتصادية ، الشرط المركزى لتحقق هذه الديموقراطية الليبرالية كمصدٍّ أساسى فى وجه مشروع العنف البرجوازى ، المدعوم بآليات التدخل الاستعمارى ، وذلك بما توفره من مناخات النمو المتسارع للقوى الشعبية الرافضة لهذا المشروع ، وإمكانات مقاومتها السلمية الفعالة له ، باعتبارها البيئة السياسية الأصلح لحضانة وتطوير المشروع الاشتراكى من خلال أوسع حراك لجماهير الكادحين فى المدن والأرياف (العمال ، صغار المزارعين والعمال الزراعيين ، البرجوازية الصغيرة التقليدية المكوَّنة من صغار المنتجين والحرفيين وأصحاب المحلات الصغيرة ، والمثقفين .. الخ). ومن ثمَّ اتخذ الشيوعيون ، فى ذلك الوقت الباكر ، موقفاً نقدياً مستقيماً ونادراً من التجربة السوفيتية ، بطبعتها الستالينية ، معتبرين الموقف من (الحريات) ، إلى جانب الموقف من (الدين) ، بمثابة الخلل الأساسى و(كعب آخيل) الحقيقى فيها ، مما احتاج إلى قرابة نصف القرن لتأكيده. لقد أشار إلى ذلك ، على سبيل المثال ، حسن الطاهر زروق ، عام 1944م ، فى تصريحه الذى أوردناه فى مقالتنا التى سلفت الاشارة إليها ، حيث استبعد ، وقتها ، أن تتطابق تجربتهم السودانية مع تجربة روسيا قائلاً: ".. قد نستفيد من التجربة ونتفادى سلبياتها مثل غياب ضمانات حرية وسلامة الفرد ، وعدم تقدير دور الدين فى حياة الشعوب" (جريدة السودان الجديد ، 1/9/1944م ـ ضمن محمد نورى الأمين ، رسالة دكتوراه).
(2/3/3) وقد كان من الممكن أن يصبح التشكك فى مؤسسية هذا الموقف النقدى ، واعتباره خاصاً فقط بحسن الطاهر وحده ، أمراً معقولاً ومقبولاً ، لولا أن الأداء العام للحزب والاتجاه الغالب فيه ، عبر مختلف محطات تطوره ، والصراعات الفكرية التى شهدها على مدى أكثر من خمسين عاماً من عمره ، ليدل ، وبكل المعايير ، دلالة قاطعة على خلاف ذلك ، أى على الاحتفاء الحزبى المؤسسى بالمنجزات التاريخية للشعوب فى جبهة الحريات والحقوق الليبرالية السياسية ، كرصيد قابل للاستصحاب فى سياق المشروع الاشتراكى ، علاوة على عدم الاقتناع الواضح بأن التجربة الاشتراكية نجحت فى تقديم أىِّ نموذج ملهم فى الديموقراطية السياسية. فبالاضافة إلى تعبيرات الشهيد عبد الخالق الساطعة ، والتى سلفت الاشارة إليها ، نورد المزيد من هذه النماذج القوية فيما يلى:
أ/ فقد نص برنامج الحزب (دستوره) المجاز فى مؤتمره الرابع عام 1967م ، بعد زهاء ربع القرن من تصريح حسن الطاهر المشار إليه ، على أن ".. الديموقراطية الاشتراكية ، مرتكزة على ما حققته الشعوب من حرية للفرد والجماعة فى التعبير وحرية الفكر ، ستكمل هذا البناء بتحرير الانسان من سيطرة رأس المال واقترابه من مراكز النفوذ" (ص 8). ب/ وسوف يعود عبد الخالق عام 1971م ، بعد مرور أكثر من عقد على دفاعه أمام المحكمة العسكرية الأولى ، وأربع سنوات من صدور برنامج المؤتمر الرابع ، وسبع وعشرين سنة من تصريح حسن الطاهر ، ليؤكد على رسوخ هذا النظر الناقد ، ضمناً ، فى فكر الحزب ، لنموذج الديموقراطية الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتى ، أو الشعبية فى الصين وبلدان شرق أوروبا ، وذلك بقوله فى آخر إسهاماته الفكرية قبل إعدامه بوقت قصير ، مسترشداً بقانون (نفى النفى) الدياليكتيكى: إن "تغيير المجتمع إلى مرحلة أعلى لا يعنى نفياً كاملاً لما أحرزته الشعوب من حقوق قانونية إبان الثورة الديموقراطية البرجوازية .. (بل يعنى) تحويلها من إعلان إلى ممارسة فعلية .. إنجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية للانتقال للاشتراكية لا يتم إلا عبر الديموقراطية فى الحقوق السياسية للجماهير ، (أى) الديموقراطية فى النظام السياسى ، (أى) تغيير المجتمع بالديموقراطية الشاملة" (ع. الخالق ، وثيقة حول البرنامج). ونضيف هنا ، على سبيل الاستطراد الحميد ، أن الشهيد عبد الخالق كتب (وصيته) التاريخية هذه ورأسه ، شخصياً ، تحت ظل السيف ، فى معمعة الصراع ضد سلطة مايو التى لا يزال ثمة من يصر على أنها كانت سلطة الشيوعيين (!) ج/ أما السكرتير العام الحالى للحزب محمد ابراهيم نُقد فقد عاد ، بدوره ، بعد مرور أكثر من نصف قرن على تصريح حسن الطاهر ، وزهاء الأربعين عاماً على دفاع عبد الخالق ، وثلاثين عاماً على برنامج 1967م ، وأكثر من ربع قرن على وثيقة (حول البرنامج) ، ليقدم تلخيصاً بليغاً لمآلات هذا التنازع بين (مركز جذب) الحقوق والحريات السياسية فى الديموقراطية الليبرالية من جهة ، و(مركز جذب) المحتوى الاجتماعى للديموقراطية الاشتراكية .. الشعبية .. الخ ، من الجهة الأخرى ، وذلك من بين وقائع المخض الشديد فى فكر الحزب ، ردحاً من الزمن ، ما بين أصالته واستقلاليته التى وفرت لديه دائماً عناصر التهيؤ للانحياز إلى الديموقراطـية الليبرالية ، وبين الأثر الضاغط لتجاوزات (اليمين) السياسى ، وخرقه المتكرر لهذه الديموقراطية ، إلى جانب الحضور القوى ، فى الواقع التاريخى المحدد ، لنجاحات النموذج الاشتراكى (السوفيتى والصينى بالأساس) ، وانعكاساتها فى المنطقتين العربية والأفريقية ، مما رتب لظاهرة الالتباس والتناقض المظهرى فى هذا الفكر ، وعرَّضه ، فى بعض فترات تاريخه ، للتورُّط فى مواقف التبرير لمصادرة الحقوق والحريات ضمن ذلك النموذج. ولئن كان الحزب قد خلص فى نهاية المطاف ، برغم كل هذا الالتباس والتناقض ، إلى موقف راسخ فى الانحياز للحريات والحقوق السياسية ، فقد وصف نُقد هذا الانحياز ، فى سياق أحدث الأدبيات الحزبية ، بأنه ".. متميز ومفارق للتصور الذى كان سائداً فى الأدبيات الماركسية ، ومن بينها أدبيات حزبنا ، والذى يبرر مصادرة الديموقراطية فى النموذج السوفيتى للاشتراكية ونمط الحزب الواحد وبعض نماذج الأنظمة الوطنية العربية والأفريقية" (م. أ. نقد ، ورقة "مبادئ موجهة ..").
(2/3/4) ولأن التركيبة الذهنية والوجدانية لذلك الجيل المؤسِّس تشكَّلت ، أصلاً ، من بين وقائع الصراع الذى خاضته الحركة الوطنية فى سبيل الاستقلال والحرية ، فقد قرَّ فى فكر الحزب ، منذ بواكير نشأته ، أن الكفاح من أجل التحرر من الاستعمار هو بمثابة المحور الأساسى للحركة السياسية الاستقلالية ، فى تلك المرحلة ، وهى قضية لا يمكن أن تنفصل ، بأى حال ، عن النضال لنشر الوعى بقيم الحريات والحقوق الديموقراطية. وقد لاحظ الشهيد عبد الخالق ، فى تحليله لأحداث تلك الحقبة ، أن المشكلة الأساسية التى واجهت السودان عند خروجه من الحرب العالمية الثانية تركزت ".. حول إبعاده عن توجيه حياته وفق نظام ديموقراطى" (ع. الخالق ، لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ، ص 35). ذلك أن الاستعماريين لجأوا إلى البطش عندما أحسُّوا بخطورة تطور الحركة الجماهيرية. وعلى سبيل المثال فقد ".. سنوا القوانين الرجعية ، وحلوا منظمة انصار السلام ، وجعلوا من مصادرة حرية الافراد والجماعات والصحف قاعدة لهم ، وبدأوا خلال عام 1951م يعدون العدة لحل اتحاد نقابات العمال" (نفسه ، ص 70). وفى وثيقة دفاعه السياسى المار ذكره أشار الشهيد إلى ".. أن حرية المواطن فى الدعوة لما يرى لاقت تعنتاً كثيراً من جانب المستعمرين .. ولهذا اندمجت فى الحركة الشعبية المطالبة بتوفير الحريات الديموقراطية" (ع. الخالق محجوب ؛ دفاع أمام المحاكم العسكرية ، ص 45). ولعلنا نجد فى ذلك تفسيراً واضحاً لتحالف الشيوعيين الباكر ، آنذاك ، مع حزب الامة ، فى ما عرف وقتها بـ (الجبهة الاستقلالية) ، حيث كان الحزبان قد اتفقا على المطالبة بكفالة الحريات العامة ضمن الركائز الأساسية التى نهض عليها تحالفهما.
وبتاريخ 31/12/1955م عاد نائب دوائر الخريجين ، وقتها ، حسن الطاهر زروق لتفصيل تلك المطالب الديموقراطية من خلال مساهمته فى مناقشة مشروع الدستور المؤقت ، مقترحاً النص فيه على قيام الجمعية التأسيسية لتمكين ممثلي الشعب من المشاركة في وضع الدستور الدائم للبلاد ، وأن يحترم ذلك الدستور إرادة الشعب ومصالحه ، وأن يجعل جهاز الدولة ديمقراطياً وخاضعاً للرقابة والمحاسبة الشعبيتين ، وأن يضمن المشاركة الشعبية الواسعة في الحكم ، وأن يوفر الحريات العامة وحرية العقيدة وحرية اعتناق الآراء السياسية والعمل من أجلها ، بالاضافة إلى المطالبة بإزالة التعارض القائم بين ذلك المشروع وبين بعض القوانين والسياسات السائدة وقتها ، وذلك بتعديل تلك القوانين والسياسات حتى تتسق معه ، وبخاصة ما تعلق منها بالحريات العامة كقضايا الأجر المتساوي للعمل المتساوي في الشمال والجنوب ، والأجر المتساوي للعمل المتساوي للرجل وللمرأة ، وقانون الصحافة وبعض مواد قانون العقوبات (محمد سليمان ، اليسار السوداني في عشر سنوات ، ص 173 ـ 176).
وإذن ، فإن المنطق الذى شكَّل وعى ذلك الجيل الأول من الشيوعيين السودانيين باتجاه إنشاء الحزب ، قد تمحور ، أصلاً ، حول ضرورة "بروز قوة اجتماعية .. تضع منهجاً يلبى رغبات الشعب .. فى الديموقراطية السياسية والاجتماعية" (ع. الخالق محجوب ، لمحات ..، ص 38).
(2/3/5) وإلى ذلك فقد جاء الشرط التاريخى نفسه الذى أدى ، فى صيف 1946م ، لولادة التنظيم فى بداياته الأولى (الحركة السودانية للتحرر الوطنى ـ "حستو") ، مقترناً مع ذات الشرط التاريخى الذى أنتج ، فى آن واحد ، حركة شعبية واسعة ، متنوعة ، ومنفعلة ، بحكم طبيعتها ومنطق تكوينها وقانونها الخاص ، بطموحات الحريات العامة والحقوق الأساسية ، كنقابات العمال واتحادات المزارعين والنقابات المهنية ، وتنظيمات الشباب والنساء والطلاب ، وحركة أنصار السلم وغيرها. لقد ".. كان ميلاد هذا الحزب نتيجة للحركة الواسعة التى انبثقت من صفوف الشعب يهدف لحرية التنظيم ، وحق كل مواطن فى إبداء رأيه .. (وقد) امتاز حزب الجبهة المعادية للاستعمار منذ إعلانه بوقوفه بثبات من أجل استقلال البلاد ، ومن أجل الديموقراطية ، وتحسين حياة الكادحين" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 51 ـ 52). وقد أسـهم الشيوعيون السودانيون ، بصورة نشطة ، ومباشرة ، ومتشابكة مع وقائع تأسيس حزبهم ، فى استنهاض وتطوير تلك الحركة "التى انبثقت من صفوف الشعب" ، وتبوَّأوا مراكز القيادة والتوجيه فيها ، بل صار بعضهم رموزاً تاريخية لها ، فشكَّلت ، بأساليبها وأدواتها الديموقراطية ، كالإضراب ، والمظاهرة ، والموكب ، والمنشور ، والمذكرة ، والملصق ، والجريدة ، والندوة ، والليلة السياسية ، والكتابة على الجدران ، وغيرها من صور الرمز المقروء والمسموع والمرئى ، إلى جانب الأشكال المختلفة لتنظيم التضامن الجماهيرى ، حقول تدريبهم النضالى الأساسية ، وطبعت ، بالتالى ، وبصرف النظر عن أى مصادر تأثير أخرى ، فكرهم ووجدانهم ومزاجهم العام بطابعها الديموقراطى الشامل ، من خلال مظاهرات الطلبة عام 1946م ، ومعارك الجمعية التشريعية صيف 1948م ، فى أم درمان وعطبرة ، ومعركة تأسيس نقابة عمال السكة حديد وغيرها ، حتى أن مخابرات الإدارة البريطانية فى السودان وصفت ، فى بعض تقاريرها السِّرية عام 1949م ، أول تنظيم ديموقراطى للشباب السودانى ، على سبيل المثال ، بأنه حركة شيوعية ذات (أخطار) ، من أهدافها الكفاح لإحباط المشاريع الاستعمارية ، وتحرير السودان ، وتأسيس نظام ديموقراطى (ضمن: د. محمد سعيد القدال ، معالم فى تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ، ص 65). هذا التقرير المخابراتى الاستعمارى ينطوى ، بلا شك ، على دلالة بالغة الأهمية والخصوصية بالنسبة لما نحن بصدده فى هذا المبحث ، لكونه قد أصاب تماماً ، فى تحديد أهداف التنظـيم الوليد ، وإن أخطأ ، أو قل تعمَّد أن يخطئ ، فى توصيف هويِّته!
(2/3/6) وبغض النظر ، أيضاً ، عن النقد الذى وجه لموقف الحزب الابتدائى من اتفاقية الحكم الذاتى (أواخر فبراير 1953م) ، أو النقد الذاتى الذى مارسه الحزب نفسه بشأنه ، وانتهى بتصحيحه فى نفس الأسبوع (دورة اللجنة المركزية ، مارس 1953م) ، فإن ذلك الموقف ، صواباً كان أم خطأ ، قد انبنى ، أصلاً ، وفق كتيب (الاتفاقية فى الميزان) لقاسم أمين ]] ، لا على أى سبب آخر سوى (الشك) الذى انتاب الحزب ، وقتها ، فى نوايا الانجليز تجاه مطالب الشعب بالجلاء الناجز ، وحق تقرير المصير ، وبناء سودان حر ديموقراطى. فالاتفاقية التى وقعتها الحكومتان البريطانية والمصرية مع كل الأحزاب السـودانية ، ما عدا (حستو) ، أرجأت هذه المطالب ريثما تنتهى فترة الحكم الذاتى (ثلاث سنوات) ، كما وضعت قيوداً إضافية على الحريات (قانون النشاط الهدام بخاصة) ، ووفرت للحاكم البريطانى من السلطات والصلاحيات ما يمكنه من تدعيم النفوذ الاستعمارى وممارسة شتى أساليب الضغط على البرلمان (د. القدال ، معالم .. ، ص 74). هاجس الحدب ، إذن ، على تجنيب قضية بناء الدولة الوطنية الديموقراطية المستقلة مزالق المؤامرات الاستعمارية هو الذى يفسر موقف الحزب من اتفاقية الحكم الذاتى ، وليس دافع (الخيانة) للاستقلال ، كما يشيع خصومه!!
وإن جاز لنا أن نتساءل ، على سبيل الاستطراد المنطقى ، فما هى مصلحة الحزب فى (خيانة) قضية ظل يبشر بها ، منذ أول نشأته ، ويستنهض باتجاهها طاقات الجماهير ، ويبنى على طريقها شتى منظمات النشاط النقابى والمهنى والفئوى ، بالاضافة إلى الجبهة المعادية للاستعمار (!) كما ظل (يداوس) لأجلها ، على شح إمكاناته المادية ، آلة الإدارة الاستعمارية ، وشتى أجهزة مخابراتها وقمعها ، بكلِّ قضِّها وقضيضها ، فيسقط له ، فى ساحات معاركها ، وعلى رأسها معركة الجمعية التشريعية فى الخرطوم وعطبرة وغيرها ، أنبل أبنائه كالشهيد قرشى الطيب؟! يحتاج نقدة الحـزب ومتهموه ، يقيناً ، وهو ، من قبل ومن بعد ، ليس فوق النقد أو الاتهام ، إلى تدقيق الحجج وتجويد المنطق!
(2/3/7) ولعل مما له دلالة خاصة ، فى هذا السياق ، أن الزمن قد تكفل وحده بإثبات أن مخاوف الحزب تلك من النوايا الاستعمارية الكامنة وراء اتفاقية الحكم الذاتى لم تكن بلا أساس. فلقد أقدمت الادارة الاستعمارية خلال النصف الثانى من عام 1953م ، وبين يدى البدء فى تطبيق الاتفاقية ، على سن (قانون النشاط الهدام) بهدف التأسيس لقيام ".. دولة بوليسية تجرد الاستقلال من معناه ، وتجعله جثة لا روح فيها. وكان لنشاط حزب الجبهة الفضل الأول فى إلغاء ذلك القانون ، مما سمح للجماهير بالانطلاق خلال فترة الانتقال ، وإجراء تحولات فى الجو السياسى لصالح الاستقلال" (ع. الخالق؛ دفاع ..، ص 53 ـ 54).
(2/3/8) وعلى الرغم من أن دورة مارس 1953م المار ذكرها شهدت بروز اتجاه يسارى متشدِّد داخل اللجنة المركزية يعتبر الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها فى ذلك العام محض لعبة برجوازية ، ويعترض ، من ثمَّ ، على المشاركة فيها ، فإن الحزب ، بقيادة عبد الخالق ، قرر ضرورة خوضها باعتبارها عملاً جماهيرياً يتيح له فرصة طرح برنامجه على نطاق واسع ، ووسيلة لتوسيع نشاط الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار وتعميق الديموقراطية (ع. الخالق ، لمحات .. ، ص 82 ـ 83). بل لقد اعتبرت تلك المشاركة فى الانتخابات أداة لتشديد يقظة الجماهير بإزاء المزالق التى كان الحزب لا يزال يرى أنها تحف باتفاقية الحكم الذاتى (نفسه ، ص 83). (2/3/9) وتشهد وقائع تلك الفترة الحاسمة فى تاريخ السودان ، وتحديداً وقائع السنوات الثلاث الفاصلة ما بين اتفاقية الحكم الذاتى أواخر فبراير عام 1953م وبين استقلال السودان رسمياً فى الأول من يناير عام 1956م ، على انخراط الشيوعيين ، جنباً إلى جنب مع حلفائهم فى الحركة الجماهيرية الواسعة التى كانوا قد أسهموا فى استنهاضها ، فى نضال لا يفتر من أجل ترسيخ الحقوق والحريات الديمقراطية. من ذلك ، على سبيل المثال ، المذكرة التى تقدمت بها الجبهة المعادية للاستعمار إلى إسماعيل الأزهرى ، رئيس الوزراء آنذاك ، حول قضية الحريات ، والاضراب الذى قاده اتحاد نقابات عمال السودان فى سبيل الحريات ، ونشاط الهيئة الشعبية الدائمة للدفاع عن الحريات ، ومذكرة رؤساء تحرير الصحف إلى الأزهرى حول الحريات ، والمشاريع التى تقدم بها حسن الطاهر زروق من داخل البرلمان الأول لتعديل وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ، وما إلى ذلك.
(2/3/10) وجاء برنامج الحزب (سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديموقراطية والسلم) الذى أجازه مؤتمره الثالث غداة الاستقلال (فبراير 1956م) ، ليبرز تصوُّره للتحالف المطلوب لمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية بأسرها ، من خلال تحليله لطبيعة الأهداف نفسها المطروحة فى أفق المرحلة ، والقوى الاستراتيجية المنوط بها إنجازها. فبرغم الأثر الضاغط لمفهوم الديموقراطية الشعبية على تلك الوثيقة ، إلا أنها صاغت تلك الأهداف فى: دعم الاستقلال السياسى بالاستقلال الاقتصادى ، إشراك الجماهير فى توجيه شئون البلاد ، رفع المستوى المعيشى للكادحين ، إحداث الثورة الثقافية والتخلص من مخلفات الاستعمار. وأكدت أنه لا بد ، لإنجاز تلك الأهداف ، من الوحدة الشعبية التى تتمثل فى ما أسمته بـ (الاتحاد الوطنى الديموقراطى) ، بين الجماهير العاملة ، والمزارعين بالأساس ، وبين كل الطبقات الثورية الأخرى من برجوازية وطنية ]]] وبرجوازية صغيرة فى المدن. ورأت أنه من الممكن ، بدراسة الوضع العالمى وظروف البلاد فى ذلك الوقت ، إحراز التقدم المنشود بالاعتماد على نضال الجماهير بالوسائل والطرق السلمية حتى لا تتعرض بلادنا لهزات ، باعتبار أن توفر الحريات الديموقراطية ، على حد تعبير الوثيقة ، هو الطريق للتقدم وللنمو السلمى للثورة الديموقراطية (أنظر: برنامج المؤتمر الثالث 1956م ـ وأنظر أيضاً: ع. الخالق محجوب ؛ إصلاح الخطأ فى العمل بين الجماهير ، ص 18 ـ 19). وقد قال الشهيد عبد الخالق ، فيما بعد ، عن ذلك (الاتحاد الوطنى) الذى نادى الشيوعيون بقيامه ليشمل كل المناضلين ضد الاستعمار: ".. لو قدر لهذا العمل الجليل أن يتم بنجاح لكانت بلادنا تقفز اليوم قفزات هائلة فى طريق التطور المستقل وبناء اقتصاد معزز. وسيحكم التاريخ حكماً قاسياً على كل من ساهم فى تفويت الفرصة على شعب السودان لتوحيد صفه الوطنى ، فقد دفعت البلاد ثمن الانقسام .. غالياً ، إضعافاً للاستقلال ، واقتصاداً خرباً ، وطريقاً وعراً شائكاً سارت فيه بلادنا. إن حزب الجبهة المعادية للاستعمار يحق له أن يقول إنه كان حزب الوحدة الوطنية ، يوحد ولا يفرق ، ويجمع ولا يشتت .. وقد كان .. مستعداً للاشتراك فى ذلك الاتحاد الوطنى حتى ولو أصابه الغرم. وما مسلكنا فى الانتخاب للبرلمان ببعيد عن الأذهان ، ففى سبيل إنجاح الكثير من المرشحين الوطنيين بذلنا الجهد لا نرجو .. جزاءً ولا شكورا ، وهذا لعمرى هو النظام الحزبى النظيف ذو المبادئ السامية" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 52 ـ 53).
لقد ألقى المؤتمر الثالث وبرنامجه بحزمة كثيفة من الضوء على حقيقة موقف الحزب الشيوعي من قضية الديمقراطية فى جوهرها القائم فى الحريات العامة والحقوق الأساسية للجماهير. فقد مضى الحزب يتبنى الجمهورية البرلمانية إطاراً للحكم ، وأسلوباً فى إدارة الحياة السياسية ، ويعارض اللجوء للقوانين الاستثنائية وفرض حالة الطوارئ ، آنذاك ، من جانب حكومة السيد عبد الله خليل ، ويطالب بالحكم الذاتى الأقليمي للمديريات الجنوبية كمقترح ديموقراطى باكر لحل الأزمة الوطنية الخطيرة التى كانت قد انفجرت للتو بين يدى الاستقلال وعشية انعقاد المؤتمر الثالث للحزب. وسوف يعود عبد الخالق للتشديد على صحة استنتاجات المؤتمر الثالث وبرنامجه حول المسألة الديموقراطية من زاوية أن استمرار الحركة الجماهيرية ونموها واتساعها وصلابة تنظيماتها وتنوعها هو الضمانة الأساسية للتطور المستقل للبلاد (ع. الخالق ، لمحات .. ، ص 112). وقد عبر حسن الطاهر زروق فى تأييده لمطالبة النائب ابراهيم المفتى من داخل البرلمان (ديسمبر 1956م) برفع حالة الطوارئ ، تعبيراً ناصعاً عن عمق اقتران قضية الاستقلال السياسى بقضية الحريات الديموقراطية فى فكر الشيوعيين السودانيين ، وفى برنامج المؤتمر الثالث ، وذلك بتأكيده على أن ".. الاستقلال بدون حريات هيكل متداع بغير روح أو إرادة. ولسنا على استعداد للتفريط في أى مظهر من مظاهر هذا الاستقلال الذي جاء بتضحيات غالية. فعندما تختفي حريات الشعب من حياته يصبح ذلك الاستقلال جسماً بلا روح ، وتتغول الحكومات على المحكومين ، وتسلط عليهم أوضاعاً ضد حرياتهم" (محمد سليمان ؛ اليسار السودانى .. ، ص 257).
(2/3/11) وسوف يعود الأستاذ نُقد فى نهاية 1997م ، لينظر فى الخصائص الوطنية الديموقراطية العامة لبرنامج 1956م ، بقوله عنه ـ فى ورقته المار ذكرها ـ أنه قد اتسم "بطابع الجبهة .. الواسعة التى توحد كل القوى المعادية للاستعمار ، بوصفها .. المؤهلة للتصدى وإنجاز مهام ما بعد الاستقلال ". وأنه "طرح .. مبدأ جديراً بالتأمل .. والتجديد ، هو: تمثيل عادل للقوى الموجودة فى الجمعية التأسيسية داخل الحكومة ، ومنع سيطرة قسم خاص .. على جهاز الدولة ، أو ديكتاتورية حزب من الأحزاب ". وأن "الفكرة .. خلف هذه الفقرة تتسع لتستوعب ثلاثة مضامين: الأول ألا ينفرد الشماليون بالحكم دون الجنوبيين والأقليات القومية. الثانى ألا ينفرد حزب مفرد بالسلطة. الثالث ألا يسيطر الجيش على السلطة ". ويرى نُقد أن هذه الفقرة من ذلك البرنامج القديم ".. تعزز الأساس النظرى لمبدأ تداول السلطة ديموقراطياً ". ويستخلص من ذلك درساً بليغاً فى ضرورة مراجعة المصطلحات التى استهلكها التداول والتطور ، بقوله: ".. ولعله أجدى لظروف السودان وسوابقه .. التعامل مع مصطلح تداول السلطة ديموقراطياً ، بديلاً للدارج والسائد عالمياً عن تداول السلطة سلمياً. فديموقراطياً تعنى .. ناخبين ونواب وبقية آليات .. الديموقراطية. أما مصطلح سلمياً فقد خبرناه فى الاتجاهين: حيث سلم المرحوم عبد الله خليل رئيس الوزراء السلطة لقادة الجيش ، وصعد قادة الجيش إلى السلطة بديلاً لديكتاتورية نميرى ، إستجابة لضغط قاعدة الجيش تجاوباً مع الانتفاضة ، و(شكلوا) المجلس العسكرى الانتقالى الذى كبح جماح الانتفاضة ، وأصبح الوصى .. على تداول السلطة سلمياً ". ثم يخلص إلى تقويم إجمالى مفاده أن "أطروحة الحكومة الوطنية الديموقراطية ، وما تحمله دلالات تكوينها من مرونة وواقعية ، مضافة إليها أطروحة .. الانتقال المتدرج للاشتراكية ، حصَّنت البرنامج من الزلل والانزلاق إلى النصِّية المطلقة ، ممثلة فى النص المتواتر فى .. كلاسيكيات الماركسية وأدبيات الحركة الشيوعية: نص تحطيم جهاز الدولة القديم ، وبناء جهاز .. جديد ، (فقد) استعاض عنه البرنامج بشعار سليم ، وهدف واقعى ، ممكن التحقيق فى ظروف السودان: إصلاحات ديموقراطية فى جهاز الدولة". ولا يغادر نُقد هذا الجانب دون أن يسجل ملاحظة ذات أهمية استثنائية ، وهى أن البرنامج ".. لم يستخدم .. مصطلح ديكتاتورية البروليتاريا ". وإذا كانت ثمة "ظلال قد تشى بالغائب الحاضر" فى بعض الفقرات المتناثرة من الوثيقة ، مثل: الجماهير الكادحة وعلى رأسها الطبقة العاملة ، الطبقة العاملة وحزبها ، تحالف العمال والمزارعين ، فإن ذلك لا ينتقص البتة من كون الحقيقة الراسخة هى أن البرنامج قد "أفلت .. من التأويل السلفى .. فى الأدبيات الشيوعية حينها عن أن دولة الديموقراطية الشعبية فى الصين وشرق أوروبا تؤدى وظيفة ديكتاتورية البروليتاريا فى ظروف تاريخية خاصة ". ثم يستطرد مؤكداً أن هذا المصطلح ".. لم يرد فى وثائق اللجنة المركزية بين المؤتمرين (1956م ـ 1967م) ، ولم يرد فى تقرير المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) ، ولا فى الدستور الذى أجازه المؤتمر الرابع ، وما من مبرر نظرى أو مسوِّغ سياسى يجيز أن يرد .. فى برنامج حزبنا فى المستقبل " (ورقة "مبادئ موجهة ..").
(2/3/12) ويشير أداء حزب الجبهة المعادية للاستعمار خلال الديموقراطية الأولى (1954م ـ 1958م) ، بأكثر من إصبع ، إلى مدى جدية النزوع ، فى فكره السياسى ، صوب الحريات والحقوق الديموقراطية الليبرالية ، وذلك فى مواجهة الخروقات التى ظلت تتعرض لها ، للمفارقة ، حتى من مواقع ذات الأحزاب والقوى التى كان يفترض فيها الالتزام بها ، ودعوته إلى سن التشريعات ، وصياغة البرامج ، واتخاذ كافة الترتيبات التى من شأنها كفالة مساحة أرحب لنشاط الجماهير، ومشاركتها الفاعلة فى إدارة شئون البلاد من خلال تنظيماتها الديموقراطية المستقلة ، كضمانة أكيدة لعدم تحوُّل قضية الحريات والحقوق إلى محض شعارات خاوية ، وكمخرج من انحباس الخلافات فى الحلقات القيادية الحزبية وحدها ، بعيداً عن الرقابة والمشاركة الديموقراطية للجماهير ، مما يعرِّض النظام ، بل والاستقلال نفسه ، لخطر الانهيار الشامل. ونكتفى ، فى هذا الصدد ، بسوق الأدلة الثلاثة التالية من تلك الفترة:
الدليل الأول: من حادث (جودة) ، إبان حكومة الأزهرى الأولى ، وبعد بضعة أسابيع من اعلان الاستقلال ، حيث استشهد 25 مزارعاً رمياً بالرصاص ، وحوالى أكثر من مئة بالاختناق فى (عنبر) ضيق سئ التهوية تم اعتقالهم فيه ، بالاضافة إلى إصابة 86 آخرين بإصابات خطرة ، وذلك لمجرد أنهم تجمعوا أمام مكتب (مشروع جودة) الخاص لزراعة القطن فى منطقة كوستى على النيل الأبيض ، مطالبين بمراجعة استحقاقاتهم. ففى معرض الاحتجاج على ذلك العنف استنهضت الجبهة المعادية للاستعمار حركة شعبية واسعة ، قوامها تنظيمات العمال والطلاب والمحامين وغيرهم ، كما شملت الصحافة المستقلة. غير أن الحكومة (الديموقراطية) ردت بالمزيد من (عنف الدولة) على تلك الحركة التى لم تعتمد سوى أساليب التعبير الديموقراطى السلمى المعهودة ، فأقدمت على اعتقال قياداتها ، وفى مقدمتهم رموز الجبهة المعادية للاستعمار ، ومحاكمتهم جنائياً والزج بهم فى غياهب السجون. لقد ترسبت آثار تلك الأزمة فى الجانب السلبى من الحياة السياسية (القدال ، معالم .. ، ص90) ، ووصفها أكاديمى متخصص فى العلوم السياسية ـ من غير الشيوعيين ـ بأنها "تمثل الفشل المستمر للمجموعة المسيطرة على الحكم فى حل التناقضات مع المزارعين بأسلوب ديموقراطى" (د. تيسير محمد احمد ، زراعة الجوع فى السودان ـ ضمن المصدر نفسه). الدليل الثانى: من موقف الحزب بإزاء صراعات الأحزاب التقليدية ، فيما بينها ، وداخل كل منها على حدة ، خلال تلك الفترة ، مما عرَّض جنين الديموقراطية للاجهاض. فقد انفجرت تلك الصراعات داخل الحزب الوطنى الاتحادى ، مثلاً ، بعد الاستقلال ، وكانت قد بدأت أصلاً منذ فترة الحكم الذاتى (1954م ـ 1956م) ، ثم ما لبثت أن تفاقمت باستقالة 21 من نوابه الذين أعلنوا عن تكوين حزب الشعب الديموقراطى ، وتتوجت أخيراً بلقاء السيد على الميرغنى بالسيد عبد الرحمن المهدى ، بعد طول قطيعة ، فى ما عرف حينها بـ (لقاء السيدين) ، الأمر الذى أدى إلى إسقاط حكومة الأزهرى فى يوليو 1956م ، بعد ستة أشهر فقط من الاستقلال ، وسكب المزيد من الزيت على حريق الصف الوطنى برفع الاتحاديين لشعارات: (الكهنوت مصيرو الموت) و(مصرع القداسة على أعتاب السياسة) ، وردود الأفعال العنيفة ، المتوقعة بالطبع ، من جانب الختمية.
أثناء ذلك كان الحزب الشيوعى يبذل قصارى جهده ، على صغر حجمه وضعف إمكانياته المادية ، فى الدعوة إلى الوحدة الوطنية من أجل المحافظة على الاستقلال وحماية الديموقراطية ، مندِّداً بالخلاف بين الختمية والاتحاديين ، بوصفه صراعاً من أجل السلطة لا يخدم غرضاً وطنياً بقدر ما يشتت القوى التى حاربت الاستعمار ، ومنادياً بتكوين جبهة وطنية تضم الاتحاديين والختمية والشيوعيين والجبهة المعادية للاستعمار وغيرهم ، من أجل تأمين الاستقلال ومقاومة الأحلاف. ورد ذلك ، على سبيل المثال ، ضمن الخطاب الجماهيرى الذى ألقاه عبد الخالق محجوب فى ليلة سياسية بمدينة عطبرة (مايو 1956م) ، فى أول ظهور علنى له بعد زهاء العشر سنوات من العمل السرى فى قيادة الحزب. كما ورد أيضاً فى بيان المكتب السياسى ، الصادر بتاريخ 15/6/1956م ، والذى عبر عن القلق من المصير المظلم الذى ينتظر البلاد ، فيما لو قدر لحالة الانقسام أن تستمر ، داعياً ".. لتخفيف حدة التوتر .. وإيجاد نقاط اتفاق .. تدفع بعوامل الانقسام إلى الخلف ، مما يساعد بدوره على بناء وحدة وطنية تحمى الوطن وتعزز استقلاله". وطرح البيان مشروع ميثاق يتضمَّن: عدم استئثار معسكر أو طبقة بمفاخر الجهاد من أجل الاستقلال ، واحترام العقائد والمذاهب والانتماءات الحزبية ، ومساواة الجميع فى الحقوق الديموقراطية ، والسعى لإيجاد نقاط اتفاق بين جميع الأحزاب والهيئات والطوائف على مبدأ أساسى هو تعزيز الاستقلال السياسى. وفى مذكرتها إلى رؤساء الأحزاب وأعضاء البرلمان ، فى يوليو 1956م ، دعت الجبهة المعادية للاستعمار إلى تكوين حكومة قومية للنهوض بمهام تعزيز الاستقلال. وحذرت من خطورة أية محاولة لإقصائها أو إقصاء العمال والمزارعين مهما كان حجمهم ، لأن المهم هو مضمون الوحدة التى سيؤدى انعدامها إلى انقسامات أعمق فى المستقبل. وفى 27 يناير 1958م أصدرت سكرتارية الجبهة المعادية للاستعمار بياناً خلال المعركة الانتخابية جاء فيه: "دخلنا المعركة الانتخابية .. لتوحيد القوى الوطنية .. لهزيمة خطط التدخل الاستعمارى .. ليست القضية فى نظرنا .. هى هزيمة حزب الشعب الديموقراطى أو الوطنى الاتحادى ، وإنما توحيد الحزبين لتأييدنا فى هذه القضية الشريفة التى تمثل حقاً مصالح بلادنا الوطنية بدلاً من دعوتنا لتعميق الانقسام فى الصف الوطنى". ولم يقتصر خطاب الجبهة على قادة الاتحاديين والختمية ، بل تطور إلى حد دعوة جماهير الحزبين للتوحد عملياً فى الشارع ، والمطالبة بوحدة نوابهما داخل البرلمان ، كما فى البيان الصادر بتاريخ 12/3/1958م (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 91 ـ 94).
لم ينشأ هذا الموقف الرافض لانقسام الصف الوطنى من فراغ ، بل ثمة أكثر من سبب يدعونا للقول بأنه ظل ، منذ ذلك الوقت وحتى الآن ، متسقاً تماماً مع رؤية الحزب المعلنة للأهداف الاسترتيجية لمرحلة ما بعد الاستقلال السياسى ، والتى تتمحور ، بالأساس ، حول قضايا الاستقلال الاقتصادى ، والمشاركة الجماهيرية ، وتحسين ظروف حياة الكادحين ، والثورة الثقافية. فبغير تحقيق هذه الأهداف ".. لا يعتبر السودان كامل الاستقلال ، بل أن الاستقلال السياسى يصبح أداة من أدوات الاستغلال الاستعمارى ، وتردى حالة الشعب ، ويأخذ المستعمرون باليسار ما أعطوه باليمين. لقد أكدت تجربة بلادنا .. صحة هذا التقدير الماركسى للاستقلال السياسى" (ع. الخالق محجوب ، لمحات .. ، ص 111).
من هذه الزاوية فقط يمكن النظر إلى هاجس وحدة القوى الوطنية ، كضمان لتعزيز الاستقلال وحماية السيادة الوطنية ، فى فكر الحزب الشيوعى ، ودعوته المستمرة ، قبل وبعد الاستقلال ، إلى أعلى سقف من التحالف ، سواءً على مستوى القوى الوطنية عموماً أم على مستوى الجبهة الوطنية الديموقراطية بخاصة ، لا كمفاضلة بين أشكال تنظيمية ، وإنما كشرط لازم لإنجاز هذه المهام ، فما من حزب بمفرده مؤهل فى السودان لتحمل هذه المسئولية التاريخية. وسوف يعود عبد الخالق ، بعد أكثر من عشر سنوات ، ليؤكد ، فى سياق مساهمته الشهيرة ضمن وقائع الصراع الفكرى الذى احتدم داخل الحزب حول الموقف من إنقلاب مايو 1969م ، أنه عندما يجرى التفكير فى حزب واحد ، أى طبقة واحدة ، لتجسيد إرادة الأمة ، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد الاختيار بين أشكال تنظيمية. فحتى لو كانت الطبقة الواحدة هى الطبقة العاملة ، أو كان الحزب الواحد هو الحزب الشيوعى ، فإن هذا التصور سيبقى مثالياً ، وسيؤدى إلى الفشل المحتم فى إنجاز مهام الثورة الديموقراطية بطريقة حاسمة (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 267).
هكذا ظل مضمون الأهداف المطروحة فى أفق المرحلة هو العامل الأكثر حسماً ، بالنسبة للحزب ، فى تحديد مضمون التحالف المطلوب لتحقيقها. وبما أنه من المستحيل أن تنجح طبقة واحدة ، أو حزب واحد ، فى النهوض بأعباء مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية فى السودان ، فإن التحالف الوطنى الديموقراطى العريض قد انطرح ، بالتالى ، كضرورة موضوعية ، كما وأن مضمونه نفسه قد تحدَّد تلقائياً ، "وبهذا النشاط المتزايد ، خاصة خلال عام 1958م ، وبالتعاون مع كل المواطنين المخلصين ، ابتدأت تحدث تحولات عميقة فى النظام البرلمانى ، فلأول مرة ابتدأت كتلة من نواب الأحزاب الحاكمة تنظر لمصالح الشعب الناخب وتتحرر من نفوذ التعصب الحزبى. وهذا الأمر خطوة حاسمة فى دعم النظام الديموقراطىالبرلمانى ، ورفع مستوى السلطة التشريعية فوق السلطة التنفيذية" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 55 ـ 56). الشاهد ، إذن ، أنه لو لم يكن مصير النظام الديموقراطى ليعنى الحزب فى شئ ، لكان منطقياً تماماً أن ينتهج خطاً سياسياً يفاقم من الصراعات غير المبدئية الناشبة أصلاً بين القوى الوطنية ، أى الخط (الانتهازى) الضيق ، بدلاً من بذله ذلك الجهد المضنى مع الأطراف المختلفين لحثهم على تجاوز خلافاتهم ، وتنبيههم لعواقبها الفادحة على مجمل التجربة الديموقراطية ، وعلى الاستقلال نفسه ، فيما لو ظلت على حالها ـ محض تنازع عبثى على عظمة السلطة وأسلاب الحكم.
الدليل الثالث: من وقائع الموقف الأكثر تشدداً الذى اتخذه الحزب ضد انقلاب الفريق أبراهيم عبود (17 نوفمبر 1958م): ـ قبل وقوعه ، حيث كانت جريدته (الميدان) أول من نبه الرأى العام إليه ، فنشرت فى افتتاحيتها ، قبل أسبوعين فقط من الانقلاب ، مقالاً لعبد الخالق محجوب بعنوان: "إفتحوا عيونكـم جيداً: الأمريكان يستعدون لتدبير الانقـلاب المقـبل فى السـودان" (الميدان ، 3/11/1958م ـ ضمن القدال ، معالم .. ، ص 100). بل إن جُلَّ نشاط الحزب كان قد انصب ، خلال الفترة التى سبقت الانقلاب مباشرة ، على التنبيه لمخاطره المحدقة ، والدعوة لرفع درجة الاستعداد السياسى بين القوى الوطنية لرفضه ومجابهته ، الأمر الذى وضع هذا الحزب ، بالذات ، فى عين عاصفة التدابير القمعية للانقلابيين ، وأدى بهم للتربص به ، والقبض على قياداته ورموزه وتقديمهم للمحاكمة العسكرية ، فى ما عرف إعلامياً ، وقتها ، بـ "محكمة الشيوعية الكبرى" ، وذلك بعد مضى ما لا يزيد على أشهر قلائل من وقوع الانقلاب والاطاحة بالتجربة الديموقراطية الأولى فى البلاد. فما هى فحوى ذلك الموقف؟! يقول عبد الخالق فى المقتطف المُطوَّل التالى: ".. وصل إلى علمى .. أن انقلاباً ما سيتم .. حدث هذا فى الاسبوع الثالث من أكتوبر. وقد دعوت المكتب السياسى .. للتشاور .. واتخذنا قرارنا بما نراه فى مصلحة الاستقلال والديموقراطية. لقد انتهزت فرصة أول اجتماع سياسى فنوهت بما يدبر للديموقراطية والاستقلال ، وهاجمت .. ذلك التدبير ، وتساءلت لمصلحة من تتخذ تلك الخطوة وقد أشرفت البلاد على التخلص من حكومة السيد عبد الله خليل ووضع حكومة أكثر ديموقراطية وتجاوباً مع أهداف الشعب الوطنية؟ وقد واصلت تلك الحملة بطريقة لا تعرضنا للقوانين فى أكثر من أربعة اجتماعات سياسية عامة ، ودفعنا بجريدة الميدان فى هذا الاتجاه فأشارت باستمرار إلى ذلك التدبير ، ودمغته ، وطالبت الشعب أن يتيقظ ، ونظمت حملة من الاحتجاجات الشعبية توجه إلى رئيس الوزراء عندما قرر ، متحدياً الرغبة الشعبية ، تأجيل البرلمان من الانعقاد يوم 17 نوفمبر ، وكنا نلمح الخطة من وراء ذلك. فى الوقت نفسه قمنا باتصالات متعددة مع بعض الأخوان فى قيادة الحزب الوطنى الاتحادى وحزب الشعب الديموقراطى والكتلة الحرة فى حزب الأمة والجنوبيين ، ووضعت لهم ما وصل إلى علمنا ، وطلبت منهم أن نتعاون لإنقاذ النظام البرلمانى واستقلال البلاد. ولو أن أولئك الأخوان أخذوا ما قلت مأخذ الجد وقاموا بما يفرضه الدفاع عن الاستقلال والديموقراطية لكنا نعيش اليوم فى ظروف تختلف عن الظروف الراهنة" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 56 ـ 57).
ـ وبعد وقوعه ، حيث أصدر مكتبه السياسى بيانه الشهير ، بعد يوم واحد فقط من الانقلاب (18/11/1958م) ، بعنوان: "17 نوفمبر إنقلاب رجعى" ، وذلك بالمفارقة لمواقف جميع الأحزاب الأخرى التى سارعت لتأييد الانقلاب ، منذ الساعات الأولى لوقوعه ، وبلا استثناء ، حيث ".. جاءت المعارضة منذ الوهلة الأولى من اليسار والنقابات والاتحادات المهنية ، رغم أنها لم تكن فى السلطة" (حيدر أبراهيم على ؛ المجتمع المدنى والتحوُّل الديموقراطى فى السودان ، ص 51). وبعد أن أوضح البيان المذكور كيف انطلقت حركة شعبية واسعة مناهضة لحكومة عبد الله خليل ، حتى بات انهيارها ، عشية الانقلاب ، وشيكاً ، فأقدم على تسليم السلطة لقادة الجيش ، مضى فى تحليله قائلاً: ".. ولكن الأغلبية الساحقة من الضباط .. هم جزء من البرجوازية الصغيرة فى بلادنا ، ولهم اتجاهات وطنية ديموقراطية ، وستكون مهمة الاستعماريين تصفية هذه القوة .. وبناء جهاز موال للرجعيين بجانب تصفية الحركة الجماهيرية .. إن حزبنا مواجه بمهام تاريخية كبرى .. يجب ألا نترك القوى الشعبية تتقهقر" (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 108 ـ 109).
ولما كان على الحزب ، خلال العامين التاليين ، وقبل حدوث الانعطاف فى مواقف الأحزاب الأخرى ضد الانقلاب ، أن يتحمَّل وحده ، على صغر حجمه وقلة إمكاناته المادية ، المسئولية عما أعلنه منفرداً من واجب "عدم ترك القوى الشعبية تتقهقر" فى المعركة ضد الديكتاتورية ، فقد كان عليه أن يدفع وحده أيضاً ، طوال العامين المذكورين ، ثمن ذلك الموقف إلى جانب حلفائه وسط القوى النقابية والديموقراطية ، مدنياً وعسكرياً. فالانقلابيون لم يكونوا بغافلين عن آراء الحزب المعادية للديكتاتورية ، ونشاطاته الرامية إلى تدعيم النظام الديموقرطى البرلمانى. ولذلك فقد استهدفوا الشيوعيين ، منذ أول أسبوع للانقلاب ، بحملة من السياسات المعادية ، والاعتقالات التى طالت قياداتهم ورموزهم ، يساقون إلى مخافر الشرطة ومراكزها لتلتقط لهم الصور وكأنهم من عتاة المجرمين ، فى حين خصص الانقلابيون معاشاً مترفاً ، من أموال الشعب ، لمن مكنهم من الاستيلاء على السلطة والقضاء على النظام الديموقراطى ـ رئيس الوزراء السابق ، والأمين العام لحزب الأمة ، وقتها ، السيد عبد الله خليل الذى كان ، ومن باب الامعان فى التمويه ، قد صرَّح ، قبل يوم واحد من الانقلاب ، للصحف التى سألته عن حقيقة مقالة نشرتها ، أوان ذاك ، "الهيرالد تربيون" وتنبأت فيها بلجوئه للجيش ، بأن الذين يتحدثون عن احتمال انقلاب لا يعرفون أخلاق السودانيين التى تتعارض مع الانقلابات (!) وإلى ذلك أغلق الانقلابيون جريدة (الميدان) ، رغم سماحهم لبقية الصحف الحزبية والمستقلة بمعاودة الصدور. وبالجملة ، فقد بدا واضحاً أن الانقلابيين كانوا يناصبون الشيوعيين العداء من بين جميع الأحزاب ، وأنهم كانوا سيقدمونهم للمحاكمة ، مهما يكن من أمر ، فور حدوث الانقلاب ، و".. إننا نعاقب على رأينا المعروف فى الانقلاب قبل شهرين من حدوثه ، والذى جاهدنا كثيراً لمنعه لإيماننا بأنه مضر بقضيتى الاستقلال والديموقراطية" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 58 ـ 59).
وعندما أدت مراكمات وملابسات مختلفة إلى تغيير القوى السياسية الأخرى لمواقفها من نظام عبود ، إبتداءً من أواخر 1960م ، بادر الحزب إلى طرح أداة (الإضراب السياسى) بينها لإسقاطه. ولعل هذه الحقيقة التاريخية ، وما استتبعتها من وقائع انتهت بالهزيمة الساحقة لتلك الديكتاتورية العسكرية على أيدى الجماهير العزلاء فى ثورة أكتوبر 1964م ، تكفى ، بمجردها ، للكشف عن مدى التعويل ، فى فكر الحزب ، على طاقات الجماهير ، وقواها الديموقراطية المستقلة المتعدِّدة ، حتى فى معاقلها بين صغار ضباط الجيش. وقد شكلت تلك القوى ، بالفعل ، فى مناطق الوعى ، وبين جماهير الانتاج الحديث ، ووسط صغار الضباط، طاقة الدفع الأساسية لإنجاح الاضراب السياسى وانتصار الثورة.
وسوف يعود الشهيد عبد الخالق ، بعد عقد من الزمن ، لتلخيص الاستنتاجات الرئيسة التى تثبت صحة ذلك الموقف ، بقوله إن ثورة أكتوبر واجهت الفئات التى تداولت الحكم منذ 1954م مدنياً وعسكرياً بجملة من الحقائق المذهلة ، أهمها إمكانية أن تنشأ فى السودان حركة سياسية مستقلة عن تلك الفئات ، وأن تتكون هذه الحركة من منظمات نقابية ومهنية وجماعات سياسية لم يكن لها شأن كبير من قبل ، وأن تستطيع نسف حكم قائم بطريقة مفاجئة للفئات ذات المصالح ، وأن تشكل سلطة لا تنتمى إلى تلك الفئات ، بل وأن ينفصل جهاز الدولة عن السلطة الحاكمة وينضم لتلك القوى السياسية فى الاضراب السياسى كعمل ثورى (جريدة أخبار الأسبوع ، 13/3/1969م).
من زاوية أخرى ، فإن طرح الحزب لسلاح (الاضراب السياسى) يشكل ، فى حد ذاته ، وبوضوح تام ، دلالة أخرى على مدى استمساكه بالديموقراطية ، فى معنى وسع المشاركة الجماهيرية المستقلة ، حتى فى مجابهة الديكتاتوريات وكسرها. ففى 29/8/1961م صدر أول بيان من المكتب السياسى للحزب حول (الاضراب السياسى العام) ، فحواه ".. أن الطبقات التى ترتكز عليها القوى الثورية هى الطبقة العاملة والمزارعون والطلبة والبرجوازية الوطنية ، وبالعمل اليومى وسط هذه القوى يمكن أن تعبأ فى إضراب سياسى عام .. يشل النظام .. شللاً تاماً .. إن الإضراب السياسى العام هو توقف الجماهير الثورية عن العمل. ويتم تنفيذه عندما تصل تلك الجماهير إلى وضع لا تحتمل فيه العيش تحت النظام الراهن. إنه عملية وسلسلة وليس ضربة واحدة. وليس المهم هو متى وأين يبدأ .. المهم الارتقاء بالنضال الجماهيرى وتنظيمه ليصل إلى نقطة التنفيذ الشـاملة" (ضمن القـدال ، معالم .. ، ص 119). وبالنظر إلى كون (الاضراب السياسى) أصبح ، منذ ذلك الوقت ، جزءاً عزيزاً من خبرة الجماهير الثورية فى كل من أكتوبر 1964م وأبريل 1985م ، فسوف يعود نُقد ، بعد قرابة الأربعين عاماً ، ليركِّز خبرة (الاضراب السياسـى) باعتباره ".. أداة مجربة وفاعلة لاستعادة الديموقراطية ، وللدفاع عن الديموقراطية التى تعترف مبادؤها بمشروعية انتفاضة الجماهير" ، ليس فقط ضد الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية ، بل وحتى ".. عندما يتنكر الحكام الذين انتخبتهم لمبادئ الديموقراطية". ويخلص السكرتير العام للحزب من ذلك إلى أن تضمين (الاضراب السياسى) و(الانتفاضة) فى البرنامج القادم لهو بمثابة التعبير ، فى سياق هذا الفكر ، "عن الطبيعة الثورية للحزب .. ومسعاه فى أن يواصل تراث الثورة السودانية" منذ الثورة المهدية (مبادئ موجهة ..).
لقد اتخذ الحزب ذلك الموقف الصارم من انقلاب 1958م ، رغم أن ذلك الخيار قد يبدو، للوهلة الأولى ، فوق طاقة الحزب المحدودة ، ورغم أن ثمة ثلاث ملاحظات هامة يمكن أن تطرح ، إلى ذلك ، على النحو الآتى: الملاحظة الأولى: أن الانقلاب ، من الناحية الشكلية البحتة ، لم يسلب الحزب سلطة أو حكومة. الملاحظة الثانية: أنه وقع تتويجاً لسلسلة من السياسات الحكومية المعادية لروح الاستقلال والديموقراطية ، والتى استهدفت ، فى كثير من جوانبها ، الحزب نفسه والمنظمات الجماهيرية المستقلة. ومن ذلك ، على سبيل المثال: أ/ الموقف المتعنت الذى اتخذته حكومة السيد عبد الله خليل بإصرارها على عدم السماح للشيوعيين بتكوين حزبهم الشيوعى الدستورى. لقد ظل الشيوعيون يبدون دائماً حرصاً شديداً على اكتساب حقهم الديموقراطى فى ممارسة نشاطهم السياسى والفكرى فى أجواء الشرعية والعلانية ، على عكس (الفلكلور) الذى يشيعه خصومهم حول (استمرائهم) للعمل من (تحت الأرض) ، ويا له من (فلكلور) بائس سقيم! فالحقيقة التى لا مراء فيها هى أن الشيوعيين ما اضطروا للاختفاء والعمل السرى ، معظم فترات تاريخهم ، على ما يتكبدونه فى ذلك من مشاق ومخاطر فادحة ، إلا بسبب سياسات القمع التى تمارس ضدهم ، لقاء مجاهداتهم المشهودة ، منذ أيام الاستعمار ، فى سبيل انتزاع الحركة الشعبية لحرياتها وحقوقها الديموقراطية ، فلكأن الدوح حرام على بلابله ، حلال على الطير من كل جنس! ولقد أفاد الشهيد عبد الخالق حول هذه المسألة ، فيما بعد ، قائلاً: ".. كان أول نتاج لتلك الحركة الشعبية دستور الحكم الذاتى الذى طبق على بلادنا أول عام 1954م. ومنذ تلك الفترة وأنا أساهم جاهداً مع كل العاملين لتغيير قوانين الاستعمار بالطرق الديموقراطية حتى أتمكن من تأليف حزب شيوعى دستورى. ولقد انتهزت الفرصة عندما صرَّح وزير خارجية السودان محمد احمد محجوب فى اليونان فى منتصف عام 1957م بأن سياسة حكومته تهدف للسماح للشيوعيين بمزاولة أى نشاط يريدونه فى ظل الدستور ، فحررت خطاباً إلى رئيس الوزراء عبد الله خليل أطلب منه أن يقرن قول السيد محجـوب بالعمل ، وأن يتقدم للبرلمان بإلغاء المادة 4 من قانون الجمعيات غير المشروعة ، فصمت عن لا أو نعم! إن هذه الواقعة تؤكد أننى سعيت وأسعى لإيجاد وضع ديموقراطى حق يكفل حرية التنظيم الدستورى لكل مواطن أو جماعة من المواطنين" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 45).
واستطراداً ، فقد وقف الشيوعيون ، منذ البداية ، فى الصفوف الأولى دفاعاً عن الديموقراطية فى البلاد ، وسعوا ، فى مختلف المراحل ، ".. لإعلاء كلمة السلطة التشريعية فوق السلطة التنفيذية ، وقد ابتدأت تظهر نتائج هذا الاتجاه الديموقراطى السليم فى الأشهر القليلة التى سبقت الانقلاب العسكرى. ولو وصلت الأمور إلى نتائجها المنطقية لكانت البلاد تتمتع .. بنظام برلمانى أكثر ديموقراطية مما مضى .. فمنذ إعلان الاستقلال وحتى يوم مصادرة دستور السودان المؤقت ، ما مرَّ أسبوع إلا وكان هناك اجتماع جماهيرى مفتوح يتحدث فيه قادة الجبهة عن المشاكل التى تواجه البلاد ، فشرحنا للشعب أهمية الديموقراطية ، وتعديل القوانين التى ورثت من عهد الاستعمار ، حتى يستطيع الشعب أن يؤثر فى مجرى الحياة السياسية فى البلاد" (نفسه ، ص 54 ـ 55). ب/ الروح العدائية ونبرة الوعيد اللتان تعاملت بهما حكومة السيد عبد الله بك خليل ، الأمين العام لحزب الأمة آنذاك ، مع التعبيرت الجماهيرية السلمية المعارضة لزيارة ريتشارد نيكسون ، نائب الرئيس الأمريكى وقتها ، إلى السودان بغرض تسويق (مشروع أيزنهاور) الاستعمارى ، حيث أصدرت الحكومة بياناً اتهمت فيه "حفنة من الشيوعيين بتهديد الأمن والاستقرار". ج/ تعطيل الحكومة للبرلمان فى يونيو 1958م ، عندما بدأت سحب المعارضة تتجمع ضدها ، وتنذر بسحب الثقة منها. د/ مماطلتها فى الاعتراف بالاتحاد العام لنقابات عمال السودان وتسجيله. هـ/ رد فعلها العنيف فى مواجهة الاضراب الذى قاده الاتحاد بتاريخ 21 أكتوبر 1958م ، بمشاركة 42 نقابة تمثل 98% من مجموع القوى العاملة فى البلاد ، للاحتجاج على تغول الحكومة على حرية العمل النقابى واستقلاله ، ولحملها للدخول فى مفاوضات فورية مع المضربين لمناقشة مطالبهم بتنفيذ بعض الاجراءات الاقتصادية ، كتنويع التجارة الخارجية ، وتأميم القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية ، والتخفيض الفعال فى منصرفات الحكومة. فعلى حين حظى الاضراب والمطالب بمؤازرة قوية من الحزب والجبهة المعادية للاستعمار وجماهير المزارعين والتجار ، بالاضافة إلى طلاب جامعة الخرطوم الذين أضربوا تضامناً ، وبعثوا برسالة إلى اتحاد العمال اعتبروا فيها أن الهجوم على الاتحاد هو الخطوة الأولى نحو حجر الحريات الديموقراطية ، أقدمت الحكومة ، وبالمفارقة لأبسط مبادئ الليبرالية السياسية، على تنظيم (جردة) اعتقلت من خلالها 62 عاملاً ، وحظرت المواكب والتجمعات السياسية فى الخرطوم. وقد وصفت صحيفتا (الأيام) و(الرأى العام) المستقلتان الاضراب بأنه نقطة تحول فى نشاط الحركة النقابية (القدال ، معالم .. ، ص 96 ـ 97). و/ وأخيراً تتويج حزب الأمة لهذه السلسلة من الخروقات لأسس الحياة الديموقراطية بتسليم رئيس الوزراء (الأمين العام للحزب) السلطة لكبار الضباط فى 17 نوفمبر 1958م ، وذلك ، حسب الفريق أبراهيم عبود نفسه ، بموجب "أوامر .. صادرة من رئيس لمرءوس ، وقد قبلتها ونفذتها على هذا الأساس .. عبد الله خليل هو مهندس الانقلاب ، ولو طلب منا إلغاءه فى أية لحظة لفعلنا فوراً" (إفادة عبود أمام لجنة التحقيق فى إنقلاب 17 نوفمبر 1958م ـ ضمن: تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة فى السودان ، ص 208).
ونحمد للسيد الصادق المهدى إقراره غير المسبوق بهذه الواقعة ، بعد مرور أكثر من أربعة عقود عليها (الصحافة ، 10/4/2001م) ، وإن كنا نلمح شيئاً من محاولة (التبرير) التى تنتقص من قيمة (الاقرار) فى استخدامه للفظ (الشبهة) فى وصف دور حزب الأمة ، أو تقديمه لشروحات تحيل الأمر برمته إلى "خلاف فى التقدير" بين رئيس الحزب وبين أمينه العام ، وبناء الأخير "تقديراته" على معلومات بلغته بأن الحزب الوطنى الاتحادى "مجتهد للوصول للحكم" ولو بـ "التآمر" على النظام ، وأنه اتفق مع قيادة الجيش "على أن يكون الاجراء مؤقتاً" ، وأن "تأييد راعى الحزب للانقلاب فى البداية مبنى على سوء فهم" .. الخ (المصدر نفسه). ويلزمنا ، من باب الحرص على مستقبل الديموقراطية فى بلادنا ، التعليق على هامش هذا التصريح المهم بأن من الصعب تصور صلاحيته ، حتى بافتراض الاتفاق على صحته أجمعه ، إلا على سبيل الشرح لبعض الظرف الذاتى لحزب الأمة وقتها ، وتوضيح طبيعة الصراعات التى دارت داخله مع نهاية الخمسينات ، والملابسات التى تم فيها تسليم السلطة من جانب حكومته لأرستقراطية الجيش ، تماماً مثلما لا تصلح الإبانة حول انقسام الحزب الشيوعى أواخر الستينات ، والاطناب فى تفاصيل النشاط المنفلت فكرياً وسياسياً وتنظيمياً لمجموعة السيدين معاوية سورج وأحمد سليمان ، إلا لتسليط الضوء فقط على الظرف الذاتى للحزب وقتها ، والملابسات التى وقع من بينها انقلاب مايو. أما الحقيقة ، بمعايير مؤسسية (التبعات) الحزبية ، فتبقى ماثلة ، فى الحالين ، فى أنه لا القول الأول يصلح لإعفاء حزب الأمة إجمالاً من مسئوليته التاريخية عن إنقلاب كبار الجنرالات فى 1958م ، ولا الثانى يصلح لإعفاء الحزب الشيوعى إجمالاً من مسئوليته التاريخية عن انقلاب (الرواد) فى 1969م. ويبقى المحك هو المدى الذى يستطيع فيه هذا الحزب أو ذاك أن يحوِّل (سالب) واقعه التاريخى إلى (موجب) دروس وعبر.
الملاحظة الثالثة: أنه ، وباستثناء الشيوعيين والقوى النقابية ، فإن الأحزاب أجمعها سارعت لتأييد الانقلاب منذ ساعاته الأولى: أ/ فحزب الأمة لم يكتف بتدبيره ، وإنما أضاف تأييده صراحة عبر البيان الذى أصدره راعيه الإمام عبد الرحمن المهدى ، بعد يومين فقط من وقوعه ، دامغاً فيه كل أطراف العمل السياسى بالفشل: ".. فشلوا جميعاً ، ولم تنجح أى من الحكومات .. وأصيب الشعب بالاحباط ، وهاهو يوم الخلاص ، فقد هب رجال الجيش وأمسكوا بمقاليد الأمور ، ولن يسمحوا للتردد والفوضى والفساد بالعبث فى هذه البلاد ، ولقد منَّ الله علينا برجل يقود الحكومة بالحق والصرامة ، فابشروا بهذه الثورة المباركة ، واذهبوا إلى أعمالكم بهدوء وثقة لتأييد رجال الثورة" (تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة .. ، ص 210). وهو البيان الذى سبق أن أوردنا وصف السيد الصادق له بأنه "مبنى على سوء فهم" ، مشيراً إلى "خلاف فى الرأى" ، بين رئيس الحزب السيد الصديق المهدى وأمينه العام السيد عبد الله بك خليل ، حول عملية "التسليم" (الصحافة ، 10/4/2001م). ومع أهمية هذا الهامش الذى ساقه السيد الصادق على متن الحدث ، يظل من الصعب ، بالنسبة لأثر ذلك "الخلاف" على أى تقدير موضوعى لمسئولية الحزب المؤسسية عن الانقلاب ، إغفال ملاحظة أن رئيس الحزب نفسه ".. لم يعارض إستيلاء العسكريين على السلطة (من حيث المبدأ) ، إلا أنه كان يرى أن يكون دور العسكريين .. مرتبطاً بفترة زمنية قصيرة" (تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة .. ، ص 210).
ب/ وحزب الشعب الديموقراطى أيضاً أعلن ، من جانبه ، فى الرسالة التى وجهها راعيه السيد على الميرغنى إلى الشعب فى اليوم الأول للانقلاب: ".. لقد سمعنا بأن الجيش .. تولى مقاليد الحكم .. ونأمل أن تؤدى نوايا ومجهودات الجيش إلى نشر الأمن والاستقرار .. والطمأنينة .. ونسأل الله أن يؤدى ما حدث إلى الخير والنجاح ، وأن يلهم الذين تحملوا المسئولية إلى السداد" (نفسه ، ص 211 ، 212). ومع أنه ليس من المستبعد ، بطبيعة الحال، رد (الحذر) فى ثنايا هذه العبارات إلى عزوف السيد على الميرغنى المأثور عن طرح آرائه بصورة مباشرة ، إلا أنه يبقى وارداً بإلحاح ، فى باب التفسير الأكثر وثوقاً لهذا (الحذر) ، الشك الذى انتاب الختمية ، عموماً ، فى أن يكون النظام الجديد امتداداً عسكرياً لحزب الأمة. فمما يؤكد هذا الشك واقعة تقاربهم ، لاحقاً ، مع النظام فى إثر اتخاذه بعض الاجراءات ذات الدلالة الخاصة فى هذا الاتجاه ، كإبعاد اللواء أحمد عبد الوهاب (المحسوب على حزب الأمة) من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، وتمتين العلاقات مع مصر ، وتوقيع اتفاقية مياه النيل عام 1959م ، فأصبح تأييد الختمية ضرورياً لبقاء النظام ، ولدفع تهمة عدم الشرعية عنه. وهكذا ، عندما قدمت المعارضة مذكرتها لرئيسه عام 1960 مطالبة بعودة الحكم المدنى ، تقدم أغلب قادة الختمية وحزب الشعب الديموقراطى ، وعلى رأسهم الشيخ على عبد الرحمن ومحمد نور الدين ، بمذكرة (كرام المواطنين) فى تأييد النظام العسكرى (نفسه ، ص 212). ولئن كان الكثيرون قد لمحوا (براعة) مشهودة فى صياغة بيان الختمية الأول ، مما جعل موقف التأييد فيه محل استنتاج فقط ، لكون عبارات البيان تعمدت عدم الافصاح المباشر عن هذا التأييد ، فإن (مذكرة كرام المواطنين) التى أرسلت إلى الفريق عبود فى 29/11/1960م جاءت لتعكس ، وبأكثر العبارات إفصاحاً ومباشرة ، موقف التأييد الصارخ للانقلاب ، حتى بعد عامين من وقوعه ، دونما حاجة ، هذه المرة ، إلى طمر المعنى فى (براعة) المبنى ، للدرجة التى بدا فيها هذا الموقف متطابقاً (بأثر رجعى) مع موقف حزب الأمة الأول ، ساعة وقوع الانقلاب. لقد عادت (مذكرة كرام المواطنين) لتصف أهداف (الثورة) التى أعلنها عبود فى (البيان رقم "1") صبيحة 17 نوفمبر 1958م بأنها "أغراض عظيمة" ، وأن الثورة سارت ".. فى عزم وصدق للعمل على تحقيق تلك الأغراض ، وساد البلاد جو من الاستقرار .. ليجنى الشعب ثمرات الاستقلال .. (و) من واجب المواطنين أن يحرصوا .. ويبذلوا كل الجهد، فى أن يسود البلاد جو من الاستقرار .. الخ" (بشير محمد سعيد ؛ الزعيم الأزهرى وعصره ، ص 374 ـ 375 ، ضمن: د. حيدر أبراهيم على ؛ ورقة فى ندوة تقييم التجارب الديموقراطية ..، أنظر: الديموقراطية فى السودان: البعد التاريخى والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، ص 39). واستطراداً فسوف يعود الشيخ على عبد الرحمن لتكرار نفس هذا الموقف بعد انقلاب مايو 1969م بقوله: ".. أصبح مجرد التفكير فى الأنظمة الحزبية السابقة وطريقة إصلاحها .. نكسة ورجعة إلى الوراء .. وها هى البلاد التقدمية ، على وجه العموم ، والجمهورية العربية المتحدة (مصر على أيام عبد الناصر ـ الكاتب) ، على وجه الخصوص ، قد قطعت شوطاً كبيراً فى تطبيق نظام الحزب الواحد كأسلوب ديموقراطى يوحد الأمة ، ويحدد خطها السياسى" (على عبد الرحمن الأمين ؛ الديموقراطية والاشتراكية فى السودان ، ص 40).
ج/ أما الحزب الوطنى الاتحادى فقد بعث أمينه العام خضر حمد ببرقية تهنئة إلى الفريق عبود من القاهرة ، فى اليوم التالى مباشرة للانقلاب ، يطالبه فيها باتخاذ إجراءات ضد الفساد والمفسدين. وكتب فى مذكراته ، فيما بعد ، أنه بعد عودته للسودان قابل المرحوم إسماعيل الأزهرى الذى عبر له عن ثقته فى وطنية عبود وجماعته ، ورأى أن يعطوا الفرصة ليعملوا فلعلهم يوفقون فيما فشلت فيه الأحزاب ، وأنهم لن يضعوا من جانبهم أى عراقيل أمامهم ، وسيفسحون لهم الطريق للعمل المثمر ، لأن المهم هو خير البلد. واقترح عليه أن يزور اللواء أحمد عبد الوهاب ثم عبود ، فقام بالزيارتين ونقل خلالهما رأى أزهرى (مذكرات خضر حمد، ضمن القدال ، معالم .. ، ص 107).
د/ وأما الأخوان المسلمون الذين لم يعاملوا بواسطة الحكم العسكرى الجديد كحزب سياسى ، وإنما كجمعية دينية ، والذين كان نشاطهم محصوراً فقط وسط الطلاب ، فقد أيدوا الانقلاب صراحة ، أيضاً ، حيث كتبت صحيفتهم (الأخوان المسلمون) بتاريخ 1/12/1958م تقول: "إن البداية التى سارت عليها الحكومة فى تصحيح الأوضاع الفاسدة تدعو للاطمئنان" (نفسه). (2/3/13) وليس ثمة ما هو أوضح ، فى تفسير دوافع الحزب الشيوعى لاتخاذ ذلك الموقف المتفرِّد من انقلاب نوفمبر 1958م ، من وثيقة المؤتمر الرابع ، بعد تلك الأحداث بعدة سنوات (أكتوبر 1967م) ، والتى أوردت ، فى سياق تحليلها لوقائع تلك الفترة: ".. لقد أدى العجز الموضوعى للنظام .. فى مواجهة قضايا ما بعد الاستقلال .. إلى أزمة حادة فى البلاد. يقابل هذا نمو متزايد فى العناصر الثورية ، وخاصة الحزب الشيوعى ، بين الحركة الجماهيرية ، وكان زمام المبادرة فى يد القوى اليمينية المتطرفة ، فنقلت الصراع الطبقى من حيزه السلمى إلى دكتاتورية عسكرية موجهة فى الأساس إلى صدر القوى الديموقراطية. فما عجزوا عنه بالصراع السلمى أرادوا تحقيقه بالصراع الدموى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 108). (2/3/14) وإلى ذلك كله ، فإن ثقلاً معتبراً من الجهد الفكرى والسياسى الذى ظل الحزب الشيوعى يبذله ، طوال تاريخه ، وبخاصة فى جبهة الصراع مع الاتجاهات التصفوية داخله ، قد انصب على المنافحة عن ديموقراطية الحركة النقابية ، كتنظيمات مهنية تعمل على تحسين أوضاع أعضائها ، بصرف النظر عن تباين انتماءاتهم السياسية ، والتفريق بينها وبين الأحزاب كتنظيمات طبقية تستهدف السلطة بالأساس. وذلك ، رغم الدور التاريخى الفعال الذى لعبه الحزب فى تأسيس تلك النقابات ، والمراكز القيادية المرموقة التى تبوَّأها الكثير من كادره فيها بالانتخاب الديموقراطى ، الأمر الذى كان من الممكن أن يشكِّل إغواءً حقيقياً له باستسهال العمل على تجييرها لخدمة أهدافه السياسية المباشرة.
ويلزمنا ، هنا ، ومن باب الدقة والاستقامة الواجبة ، أن نسارع للقول بأن الحزب لم يكن نادراً ما يشهد بروز مثل هذه الاتجاهات فى تاريخه. فقد برز ، على سبيل المثال ، عام 1970م ، ضمن وقائع الصراع الذى احتدم داخله ، عقب إنقلاب مايو ، الاتجاه لدعوة السلطة للتدخل لضمان سيطرة القوى التقدمية على قيادة الحركة النقابية: (حاسم حاسم يا ابو القاسم) .. الخ! غير أن التيار الغالب وقتها (جناح عبد الخالق) تصدى لهذه الدعوة المنحرفة بحزم ، حيث أكدت مجلة (الشيوعى) فى حينها: "أن تحرير الجماهير العاملة من نفوذ الطبقات الرجعية لا يتم بقرار إدارى تصدره السلطة .. (و) أن التنظيمات الديموقراطية ليست أجهزة رسمية ، بل أدوات شعبية فى يد الجماهير ، ويجب أن تظل كذلك ، وقد ناضل الحزب الشيوعى فى كافة الظروف لتحافظ تلك التنظيمات على هذه الصفة" (م/الشيوعى ، ع/134). ونسارع ، أيضاً ، لتأكيد ما سبق ذكره من أننا ، بإيرادنا لهذه الواقعة ، لا نرمى إلى تبرير سلوكيات سياسية فاسدة ارتكبها أعضاء نافذون فى قيادة وقواعد الحزب ، أو إبراء ذمة الحزب نفسه من المسئولية عنها بالكلية ، بقدر ما نهدف إلى إضاءة جوانب من الصراع داخله حول إحدى أهم القضايا المركزية فى تاريخنا السياسى الحديث: قضية الديموقراطية.
(3)
(3/1) لكن ، ولئن كان ضرباً من المكابرة الغليظة الادعاء بأن موقف الشيوعيين السودانيين من الديموقراطية الليبرالية ظل قائماً باتساق لا يتغير طوال الوقت ، فإن من فساد النظر اللاتاريخى ، الذى لا يرتب درساً ولا يخلف عبرة ، عدم استصحاب المسببات والعوامل التى دفعت بالحزب ، فى بعض معارج تاريخنا السياسى المعاصر ، إلى حال التراجع عن استمساكه القديم بتلك الديموقراطية. إن من بين مقاصد هذا المقال الحضَّ على الاعتبار بدروس هذه (المسببات والعوامل) ، ليس من جانب الشيوعيين وحدهم ، بل ومن جانب كافة أطراف الحركة الوطنية فى بلادنا ، إذا كنا نروم ، حقاً وفعلاً ، فتح طريق سالكة لتحقيق أهداف هذه الحركة ، بتجاوز أخطاء الماضى التى إن وجب تحميل الشيوعيين نصيبهم فيها ، فإنه لا يجوز أن يعفى الآخرون أنفسهم من أى قسط منها ، اللهم إلا بالمصادمة لحقائق التاريخ الباردة ومنطقه الصارم. ومن بداهات الوجدان السليم انتفاء الحكمة عن تصوُّر الدوح حراماً على بلابله ، حلالاً على الطير من كل جنس (!) رغم أن عبرة التاريخ التى لا بد قد (تجرعها) الجميع ، الآن ، حتى الثمالة هى أن (الاعتداء) على الديموقراطية ليس (دوحة) يمكن لعاقل أن يتفيَّأ ظلها ، بل هى (حمارة القيظ) ذاتها!! نعم ، لقد حدث أن تراجع الشيوعيون ، بالفعل ، فى فترات من هذا التاريخ ، عن لغة ذلك الخطاب (الديموقراطى الليبرالى) القديم ، المتوطن فى مبادئ الحريات العامة والحقوق الأساسية ، وانقلبوا يبحثون عن (ديموقراطية أخرى) تتمتع بها فقط الجماهير الشعبية الوطنية والديموقراطية بينما تحرم منها الفئات المعادية للثورة الديموقراطية (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 132) ، وأطلقوا على ذلك مصطلحات (الديموقراطية الثورية) و(الديموقراطية الجديدة) وما إلى ذلك من الطروحات التى لطالما سحبت أقدامهم ، فى فترات معلومة من تاريخهم ، للتورط فى تدبير انقلابات ، ودعم انقلابات ، والتعاطف مع انقلابات ، مما كان ينسجم ورؤيتهم التى تبلورت ، وقتها ، حول إشكالية الصراع السياسى ، وسلطة الحزب الواحد ، والشمولية ، وذلك بفعل تلك (المسببات والعوامل) التى يتوجب على الجميع التمكُّث فى تأملها بتجرُّد ودراستها برويَّة.
(3/2) فمع أن تلك الرؤية لم تكن مفتقرة أصلاً إلى التأسيس النظرى فى قلب التربة الفكرية للماركسية اللينينية ، وتحديداً طبعتها الروسية التى سعت لتعميم هجائيات الديموقراطية الليبرالية من واقع خبرة الثورة العظيمة فى ذلك البلد البعيد بظروفه الخاصة ، بالاضافة إلى تأثيرات الحركة الشيوعية العالمية وحركة اليسار ، عموماً ، فى العالم وفى المنطقة ، بمحدِّداتها الموضوعية والذاتية ، وأشراطها التاريخية المعلومة ، إلا أنه يقع صحيحاً أيضاً القول بأنها ، وبرغم كل ما أبداه الحزب من مقاومة لإغواء الانكفاء على النصوص ، تسربت إلى فكر الحزب ، بخاصة ، من بين ملابسات الاعتداءات والمخاشنات المتواترة والمحبطة ، باسم ذات الليبرالية فى الممارسة الديموقراطية البرلمانية السودانية ، ضده وضد الحركة الجماهيرية المستقلة كلها ، على يد ذات القوى التقليدية التى سبق ، للمفارقة ، أن أعلنت ارتضائها بها منهجاً للحكم وللحياة السياسية فى البلاد:
أ/ فمنذ مطالع الاستقلال عمدت تلك القوى لاختزال كل قيمة له ، وأى معنى يمكن أن ينطوى عليه ، فى محض (عَلـَم) يُرفع ، و(سلام جمهورى) يُعزف ، وربما (عملة وطنية) أضحت دولة بين الأغنياء بخاصة! ولم يكن شعار (تحرير لا تعمير) ، فى تلك الفترة ، غير صياغة شديدة الإحكام لتلك الرؤية الخرقاء. وكما لاحظ بعض الباحثين فقد "كان النظام البرلمانى بالنسبة للأحزاب التقليدية وسيلة شرعية لفرض سيطرتهم ، وليس أداة لتأسيس الديموقراطية فى السودان. وقد تبين ذلك فى المواقف غير المبدئية وتغيير التحالفات وتحوُّل النواب البرلمانيين من معسكر إلى آخر" (حيدر أبراهيم على ؛ المجتمع المدنى والتحوُّل الديموقراطى فى السودان ، ص 50). ولقد توَّجت تلك القوى ، كما ذكرنا ، مسلسل خروجها المتكرر على أسس الديموقراطية البرلمانية الليبرالية ، خلال الأشهر القلائل التى أعقبت الاستقلال ، وفى سياق صراعاتها الكيدية فيما بينها حول كراسى الحكم ، وبَرَمِها بمطلب توسيع رقعة الحريات والحقوق السياسية ، كقضية لا تنفصل عن النضال ضد تغلغل الاستعمار الحديث ، وذلك بإقدامها على وضع السلطة ذاتها ، فى 17 نوفمبر 1958م ، فى أيدى كبار الجنرالات بـ (تعليمات) من المرحوم عبد الله بك خليل ، الذى لم يسجل تاريخ حزب الأمة ، حتى الآن ، على ضخامة التغييرات الفكرية والسياسية والتنظيمية التى شهدها عبر مسيرة تطوره ، أية محاسبة سياسية له ، أو مراجعة تتسم بالمباشرة والشفافية لتلك (الكارثة) التى ورط حزبه والبلاد بأسرها فيها، فكبدت الشعب ست سنوات من الحكم الشمولى ، باستثناء ما سلف إيراده من إشارة السيد الصادق المهدى عالية القيمة ، وغير المسبوقة ، على ما شابها من مسحة التبرير (الصحافة ، 10/4/2001م).
ب/ وفى أعقاب ثورة أكتوبر 1964م لم يهدأ للقوى التقليدية بال حتى قطعت أمرها فيما بينها للاجهاز على حكومة الثورة الأولى. ثم سرعان ما أعدت كامل عدتها للانقضاض على الحزب ، وتدبير حله ، وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية ، بالاستناد إلى أصوات الأغلبية الميكانيكية داخلها ، والمشاعر البدائية المنفعلة بالتحريض الغوغائى خارجها ، مما أسماه عبد الخالق (عنف البادية) الذى أطلقته القوى التقليدية من عقاله ، مدججاً بكل ما أوتى من همجية وأسلحة بيضاء ، لمهاجمة الشيوعيين ودور حزبهم ، بهدف قطع الطريق نهائياً أمام الاندياح الملحوظ آنذاك لنفوذه بين الجماهير ، مستغلة فى ذلك حادثة معهد المعلمين العالى الشهيرة ، والمشكوك فى أمرها ، عام 1965م ، والتى أريد لها أن تفجر الفتنة بحديث مجترىء على الدين لطالب مجهول الهوية ، جرت نسبته إلى الحزب فى هستيريا من الغوغائية ، والعجلة ، واللهوجة ، وعدم الرغبة فى التثبت. بل إن نائب حزب الأمة محمد ابراهيم خليل ، لم يجد فى نفسه حرجاً كى يعلن على رءوس الأشهاد ، وفى لحظة صدق نادرة وكافية لفضح المسكوت عـنه فى مهـرجان التباكى على الديـن الذى تم نصـبه فى جلسـة البرلمـان بتاريـخ 15/11/1965م ، أنه "ليس من المهم إن كان (ذلك) الطالب شيوعياً أم غير شيوعى"!! (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 155). ومن عجب أن يقال ذلك تحت عنوان (الدفاع عن الديموقراطية)!! فبعد أن تقدم محمد احمد محجوب ، زعيم الجمعية ورئيس الوزراء ، فى تلك الجلسة ، بطلب إلى رئيس الجمعية برفع المادة (25/8) من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر (عاجل) ، تلى الرئيس اقتراحاً تقدم به ستة أعضاء يقول: "إنه من رأى هذه الجمعية التأسيسية .. ولتجربة الحكم الديموقراطى فى البلاد (!) وفقدانه للحماية اللازمة لنموه وتطوره (!) .. أن تكلف الحكومة للتقدم بمشروع قانون يحل بموجبه الحزب الشيوعى السودانى" .. الخ!! (نفسه ، ص 154).
وإذاً ، فكل معضلات ما بعد ثورة أكتوبر ، وكل مصاعب إعادة بناء ما خربته الديكتاتورية العسكرية على كافة الأصعدة الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، وجبهة الحرب فى الجنوب ، وجبهة العلاقات الخارجـية ، كان سببه ، ببساطة ، الحزب الشيوعى !! وبحله وطرد نوابه من البرلمان سوف تستقيم الأمور كلها ، وتتوطد تجربة الحكم (الديموقراطى) (!) ، وتكتسب المناعة المفقودة ، واللازمة لنموها وتطورها (!) وما أن فتح باب (الخطب) ، حتى انبرى (خطباء) المؤسسة التقليدية ، يهرفون بما لا يعرفون ، ويكيلون للحزب تهماً إنشائية لم يستشعر أى واحد منهم وازعاً من ضمير كى يكلف نفسه بالوقوف على شئ من حقيقتها ، ولو بالحد الأدنى من قيم القسط والعدل مما يحض عليه الاسلام الذى راحوا يتحشدون باسمه ، دع عنك أى مستوى من المسئولية تجاه الشعب والوطن. فالدكتور الترابى ، مثلاً ، لم يكن أقل صراحة من السيد محمد ابراهيم خليل فى الاعتراف بالنية المبيتة لحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان ، بصرف النظر عن حديث الطالب الغِر. ووجه زعيم جبهة الميثاق الاسلامى ، آنذاك ، خمس تهم للحزب هى: الإيمان ، الأخلاق ، الديموقراطية ، الوحدة الوطنية ، الاخلاص للوطن !! (نفسه ، ص 155). أما المرحوم نصر الدين السيد فقد جحد الشيوعيين حتى نضالهم ضد ديكتاتورية عبود ، ومشاركتهم فى استعادة النظام الديموقراطى البرلمانى الليبرالى (!) قائلاً: "إن الحزب الوطنى الاتحادى هو الحزب الوحيد الذى وقف ضد الحكم العسكرى من ميلاده إلى مصرعه"!! ولم يفته ، بالطبع ، أن يدلى بدلوه فى مهرجان (التكفير) المنصوب تحت قبة (البرلمان الديموقراطى) فراح يتهم الشيوعيين بأنهم ".. يلقنون أبناءنا بأن الله لا وجود له وأن هذا الدين خرافة!!" وعندما ألفى نفسه مضطراً لإثبات ما يقول ، لم يتردد فى إبلاغ نواب الشعب الذين ينتظر منهم إصدار أحد أهم وأخطر القرارات فى تاريخ البرلمانية السودانية: "هذا ما قاله لى أخ قادم من موسكو ، قل أعوذ بالله من هذا .. وأطلب من الله عز وجل أن يحيينا مسلمين ويميتنا مسلمين إن شاء الله !!" (نفسه ، ص 156) صوت واحد ارتفع من وسط كل (زفة) التهريج التى شهدتها تلك الجلسة ، مشحوناً بكل دلالات الحكمة ، والشجاعة ، وصدق المواجهة مع النفس ، وأمانة النيابة عن الشعب. فلقد أتيح للسيد حسن بابكر الحاج ، ن | ||||||||