نسخة للطباعة              
 

       

                                   " خلفنا صعوبات الجبال

أمامنا صعوبات السهول" !

                                                   ب. بريشت

بقلم/ كمال الجزولى

(1)

(1/1) إشكاليتان ] أساسيتان لازمتا الحزب الشيوعى السودانى ، منذ نشأته الأولى ، وعبر مسار تطوره اللاحق: الموقف من الدين والموقف من الديموقراطية. وكنا اعتبرنا ، فى مقالة سلفت (أنظر: مثار النقع ، الصحافة 2/1/2001م) ، أن (انتباهة) الحزب الشيوعى السودانى الباكرة لعلاقة الدين بقضايا الثورة والتغيير الاجتماعى تشكل إحدى أبرز وأخطر العلامات الفارقة ، المميزة ، والكاشفة ليس فقط عن زيف اتهام الشيوعيين السودانيين بالالحاد ، بل وعن وجود (بذرة) الاستعداد فى فكر الحزب نفسه لتنويع منهجياته ومصادره النظرية ، بإخضاعها للفحص المستمر فى ضوء حركة الواقـع الحى ، وليس العكس ، والانفتاح ، بالتالى ، على منهجيات ومدارس ومصادر معرفية متنوعة ، حداثية كانت أم تراثية ، وذلك على الرغم من:

      أ/ أن الماركسية اللينينية بقيت تمثل ، من زاوية المعاصرة ، أقوى منهجيات الحزب ، ومُعيناته النظرية ، لمجابهة أسئلة الحداثة الشاخصة فى أفق مشروعه الاشتراكى ، بوجه عام، وما اتصل منها بحقلى الاقتصاد وتحليل وتفسير الظاهرات والعلاقات الاجتماعية فى ضوء قوانين الدياليكتيك ، على وجه الخصوص ،

   ب/ أن (انتباهته) تلك نفسها لم تظهر ، عبر تاريخه ، وتتواتر ، إلا كما تظهر ، فقط ، وتتواتر (إشارات الفنار البعيد) ، مراكمة كمية لا تصحبها حركة دفع يؤبه لها ، رغم كونه ألزم نفسه بذلك ، بصورة تحويلية كيفية حاسمة منذ مؤتمره الرابع (أكتوبر 1967م) ، الأمر الذى يشكل  تناقضاً رجحنا أن تكون له أسبابه (السودانية) الخاصة ، فدعونا ، من ثم ، للاهتمام بنبشها ودرسها ، مع التسليم بمرض (الجمود الستالينى) كسبب عام.

 

(1/2) الإشكالية الأخرى (الموقف من الديموقراطية) لا تقل خطراً أو أهمية ، سوى أن الحزب تعاطى معها ، فى رأينا ، على العكس من الإشكالية الأولى ، بديناميكية أعلى ، وبقدرات أفضل ، رغم أن خطها البيانى ، طوال ما يربو على خمسـين عاماً هى عمر الحزب ، سجل العديد من الصواعد والهوابط ups & downs التى تستوجب الإحاطة بخلفياتها وشروطها الفكرية والسياسية. ومن ثمَّ فإننا سنعمد إلى تناولها هنا بمنهجية التحليل التاريخى ، فى سياق لا ينزلق فوق لزوجة السرد المحض ، وإنما يهدف لتسليط أكبر قدر من الضوء على الحقائق الموضوعية ، من جهة ، ولاستنهاض أقوى عناصر التمرد على الانغلاق والجمود فى فكر الحزب نفسه ، من الجهة الأخرى. 

 

(1/3) على أنه يلزمنا ، ابتداءً ، تدقيق مفهوم الديموقراطية الليبرالية على الوجه الذى سيجرى استخدامه به فى هذه المقالة:

(1/3/1) فالأصل أن (الديموقراطية) و(الليبرالية) مفهومان نشئا بانفصال. الديموقراطية ، مفهوم تاريخى أقدم. وهى ، كلفظ ، مأخوذة من الأصل اليونانى demos ـ بمعنى (شعب) ، وkratos ـ بمعنى (حكم أو سلطة). أما كدلالة اصطلاحية فتنصب على شكل الحكم الذى يتسم ، فى جوهره ، بتوسيع دائرة الحريات والحقوق والمشاركة والمساواة أمام القانون ، والذى ظل يمثل تطلعاً دائما بالنسبة للمجتمعات الانسانية ، على امتداد تاريخها السياسى ، وعلى اختلاف محدداتها الزمانية والمكانية والعرقية والعقدية واللغوية والثقافية وغيرها ، منذ أقدم التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية ، عند الأسبرطيين أو عند البيزنطيين أو ، بخاصة ، عند الاغريق الذين يعود المفهوم ، بالجذر الغالب لاستخداماته ، إلى تلخيصاتهم الفلسفية (سقراط ـ أفلاطون ـ أرسطو) ، من جهة ، وإلى تطبيقاتهم الأثينية من الجهة الأخرى. وقد شهدت العصور القديمة تلك الأشكال الملموسة والمعروفة للديموقراطية التى كان مضمونها يتوقف على طابع نظامها الاجتماعى ، عبودياً كان أم اقطاعياً.

 

(1/3/2) أما (الليبرالية) فهى مأخوذة ، لغة ، من اللفظ اللاتينى liberalis ، فى معنى (حُر) من (الحرية). ويعود مفهومها بجذوره الفلسفية إلى مذاهب (جون لوك) والتنويريين الفرنسيين بخاصة ، وقد تبلور فى أوروبا القرنين السابع عشر والثامن عشر ، كبرنامج أيديولوجى للبرجوازية الصاعدة من رماد الاقطاع ، وكتعبير ثورى عن حاجتها الملحة اقتصاديا وسياسيا لتحطيم كافة الحواجز القائمة على طريقها فى طبيعة وقوانين وميكانيزمات النظام الاقطاعى المدعوم من الإكليروس الكنسى ، والذى لم يعد يناسب ، آنذاك ، مقتضيات حركة رأس المال والسلعة من حيث السرعة واليسر ، إلى جانب تكبيله لحرية اختيار المهن وانتقال الأيدى العاملة المطلوبة بإلحاح لتطور الصناعة ، حيث كانت القوانين السائدة تجبر الفلاحين الأقنان وأبنائهم على البقاء فى خدمة (أسيادهم) كأنصاف عبيد. وبما أن تلك الضرورات فى مستوى البنية التحتية للمجتمعinfrastructure  كان لا بد لها من تحويلات كبرى تناسبها فى مستوى البنية الفوقية superstructure ، فقد قام المفكرون الليبراليون ، فيما بين نشؤ حركة الاصلاح الدينى اللوثرى ، الطور الأول من عصر (الحداثة) ، وبين اندلاع الثورة الفرنسية (1789م)، بتدمير الأسس النظرية للنظام القديم الذى كانت (النبالة) فيه عنواناً لـ (الامتياز) ، كما كانت (الحقوق) هى المعادل الموضوعى لـ (حيازة الأرض) ، وبشروا ، نظرياً ، بمجتمع جديد يمثل مصدر الثروة فيه (رأس المال) القائم فى (الملكية الخاصة) ، و(حرية السوق) المستندة إلى (حرية المنافسة) ، وجرى تصويره بنشاط على أن فرص (الربح) وخيارات (المنفعة) تنفتح فيه أمام (الجميع) ، بحيث تمثل (جهود الفرد) الاقتصادية (المستقلة) و(حريته) فى (التملك) و(المنافسة) شرعية التمايز ، تماماً كما يمثل (العقد) الأساس القانونى لتنظيم العلاقات الاجتماعية. زبدة الأمر أن الليبرالية الاقتصادية والسياسية تخلقت فى رحم النظام الرأسمالى ، كنتاج لمرحلة السوق الرأسمالى ، ولتبرير حقوق الطبقة البرجوازية الصاعدة ، واستندت إلى عدد من النظريات والمبادئ ، كنظرية الحقوق والحريات الطبيعية ، ونظرية العقـد الاجتماعى ، ومبدأ المنفعة.

 

(1/3/3) على أن الاقتران بين (الديموقراطية) و(الليبرالية) لم يقع ، تاريخياً ، ضربة لازب. بل العكس هو الصحيح تماماً ، حيث أن (الليبرالية) قاومت (الديموقراطية) ردحاً طويلاً من الزمن ، قبل أن تعود لاستيعابها بالتدريج. فحق التصويت ، على سبيل المثال ، ظل قاصراً على الطبقات الرأسمالية العليا وحدها حتى الثلث الأول من القرن التاسع عشر. ولم تتمكن الطبقة الوسطى ، فى إنجلترا ، من التمتع به إلا فى إثر (الاصلاح الانتخابى) عام 1832م. أما العمال فلم يعترف لهم بهذا الحق ، إلا فى نهاية القرن التاسع عشر ، وأما النساء فقد كان عليهن الانتظار ، للحصول عليه ، حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين (1920م فى إنجلترا ـ 1928م فى أمريكا).

 

      إذن فالأسس المعرفية لليبرالية انطرحت ، تاريخياً ، من زاوية التطور الاقتصادى للمجتمعات البشرية ، باستقلال عن الركائز الخاصة بالديموقراطية فى ما يتصل بالحريات والحقوق إزاء سلطة الدولة ، والتى انطرحت معرفياً قبل الليبرالية بكثير. فالليبرالية ولدت إقتصادياً أولاً ، ثم تمقرطت بعد ذلك متخذة طابعها السياسى ، من بوَّابة اضطرار البرجوازية لتوسيع دائرة الحقوق والحريات  التى لطالما دافعت عنها أثناء مرحلة نهوضها الثورى ، لتشمل كل المواطنين ، باعتبار أن هذه الديموقراطية ، فى جوهرها ، هى تعظيم (المساواة) فى فرص الحياة فى كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، و(تحرير) القوى الكامنة لدى الانسان لتحقيق ذاته. من هنا نتج التداخل بين المفهومين ، فى بعض جوانبهما ، ربما لكون سيرورة الليبرالية قد اقترنت أكثر من غيرها بالديموقراطية.

 

      ولا نرى أدنى أهمية ، هنا ، للجدال حول ما إذا كان مضمون الديموقراطية ، فى معنى الليبرالية السياسية ، يتمثل فى (المساواة) أم فى (الحريات) ، اللهم إلا من وجهة النظر المدرسية المحضة. ما يهمنا ، تحديداً ، هو أن هذه الديموقراطية ، التى ظلت تمثل على الدوام ، بهذه الدلالة ، السلاح الذى تصارع به جماهير الفقراء والضعفاء لانتزاع حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتصبو ، عن طريقه ، لإعادة صياغة العالم الأفضل والوجود المغاير ، قد استحقت دائماً عداء وشك الطبقات والنخب المتميزة التى يرتبط لديها إقرار الحقوق الديموقراطية للجماهير بتهديد امتيازاتها أو تغيير الأساس الاقتصادى السياسى للمجتمع الذى يوفر لها تلك الامتيازات. ومع ذلك ، وفى الظروف التى تلازم فيها صعود المركانتلية ، ومفاهيمها حول المدنية والتمدن ، مع عمليات التهميش الثورى المتسارع للاقتصاد الطبيعى الريفى ، ولأجل الاستمرار فى تيسير (حرية) انتقال الأيدى العاملة من اقتصاديات الريف إلى مجال الصناعات الناشئة فى المدن ، وتبرير القضاء على سطوة التوأم السياميين فى التاريخ القروسطى الأوروبى: الاقطاع والكنيسة ، فقد كان منطقيا تماماً أن ترتفع أيضاً منظومة المطالب التى وسمت الليبرالية فى عصر الحداثة بميسم الثورة ذات الأهداف البرجوازية الشاملة فى التغيير الاقتصادى والاجتماعى والسياسى ، وهى المطالب التى دخلت التاريخ ، منذ ذلك الحين ، بما أصبح يعرف بحرية التفكير ، وحرية الضمير ، وحرية التنظيم ، وحرية التعبير ، وحرية التعليم ، وحرية التنقل ، إلى جانب إلغاء نظام الحكم بالوراثة ، واعتماد نظام جديد يقوم على الانتخاب الحر للحكام ، وما إلى ذلك.

 

      هكذا ، وبرغم هذا التناقض المظهرى بين المصالح الليبرالية الاقتصادية للطبقات البرجوازية الصاعدة وبين المصالح الديموقراطية السياسية للجماهير العاملة ، ولعوامل استحالة تحقيق الأولى بدون إيلاء الاعتبار الكافى للثانية ، إرتقت الليبرالية من مستوى الحريات الاقتصادية إلى مستوى الحريات السياسية (راجع: على الدين هلال ؛ مفاهيم الديموقراطية فى الفكر السياسى الحديث ، ص35 وما بعدها ـ وراجع ضمنه:C. P. Macpherson; The Real World of Democracy, pp. 1 – 11  ـ وكذلك هانز كلسن؛ الديموقراطـية: طبيعتها وقيمتها ، ص 118 ، 119 ، 123 ـ وراجع أيضاً: د. برهان غليون ؛ إغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية ، ص 229 ـ 230).

 

(1/4) وإذا كان التاريخ الحديث قد شهد ، ضمن هذا السياق ، شكل الحكم الذى نشأ وتكرس فى أوروبا ، منذ حوالى ثلاثة قرون ، وتحدد ، منهجيا ومؤسسيا ، بمصطلح الديموقراطية الليبرالية ، فإن السودانيين عرفوا ".. نظام الشورى الذى هو لب الديموقراطية منذ عهود تضرب فى أعماق التاريخ. فملوك كوش القدماء كان ينتخبهم زعماء القبائل ، وملوك الفونج وشيوخ العبدلاب كانوا يختارون بنفس الطريقة .. إن البعض يحاول أن يوهم الناس بأن الديموقراطية نظام غربى لا يصلح لنا. صحيح أن الديموقراطية البرلمانية نشأت فى الغرب مع الثورة الرأسمالية وانهيار النظام الاقطاعى ، ولكنا كنا نمارس مضمون الديموقراطية القائم على الشورى قبل ذلك العهد بكثير جداً" (عبد الخالق محجوب ؛ دفاع أمام المحاكم العسكرية ، ص 66).

 

      إن الواجب المطروح الآن بإلحاح ضمن أجندة التطور السياسى فى البلدان النامية كافة ، وفى السودان على وجه التخصيص ، هو ، من جهة ، نفض الغبار عن الذاكرة الثقافية الديموقراطية لدى شعوبنا ، ومن الجهة الأخرى ، وعى التجربة الغربية فى إطار ظروفها وملابساتها التاريخية المحددة ، باتجاه الاستيعاب النقدى لخصائصها ذات الطبيعة التعميمية المشتركة بين خبرات مختلف الشعوب ، والتى تؤهلها لتجاوز محدوديتها (كمضمون) أيديولوجى جامد لنظام اجتماعى معيَّن ، كيما تصبح (إطاراً) ضابطاً لنظام حكم يقوم ، فى جوهره ، على الحريات المبذولة للجميع ، والشراكة المؤسسة على المساواة السياسية. "إن اشتراك الشعب اشتراكاً واضحاً فى حكم بلاده بوساطة ممثلين منتخبين أصبح حقاً لكل الشعوب ، أما الوصاية على شعب ما ، وحرمانه من ذلك الحق فدعوة منهارة مهما أتعب أصحابها الذهن فى تسميتها بأسماء براقة. وهذه سنة التطور التى لن يستثنى منها شعب السودان" (نفسه ، ص 67).   

 

(1/5) وبما أن أحد أهم مطلوبات مبحثنا هذا هو ، كما أشرنا ، إضاءة الحقيقة الموضوعية فحسب ، ولأن أدنى توفيق فى الاقتراب من ذلك لا يتم إلا بالمجابهة المستقيمة للسؤال الصحيح ، تأسياً بالحكمة القائلة بأن طرح سؤال واحد صحيح خير من الحصول على جميع الاجابات ، فقد رأينا من المناسب  صياغة السؤال بشكل مباشر وواضح على النحو الآتى: هل الحزب الشيوعى السودانى حزب غير ديموقراطى ، كما فى بعض الشائع من أدبيات خصومه الأيديولوجيين والسياسيين؟! هل حقاً يتقاطع فكره السياسى ، فى جوهره ومحصلاته النهائية ، مع الديموقراطية البرلمانية الليبرالية التى يفترض أن تستند إلى الحريات العامة والحقوق الأساسية للجماهير ، والتى أثبتت دروس التاريخ الماثلة أنها أنسب ما يناسب منظومة التعدد السودانى؟!

 

      ولمقاربة أكبر قدر من عناصر الاجابة المطلوبة على هذا السؤال المركزى ، وإحكاماً لإغلاق الأبواب التى غالباً ما تأتى منها ريح المغالطات الفجة ، والمكابرات الممجوجة ، والسجاليات الماراثونية التى لا أرضاً تقطع ، فى العادة ، ولا ظهراً تبقى ، فسوف نستند ، كما سبق وألمحنا ، إلى منهجية قائمة فى الفحص المتأمل لخطاب الحـزب ، ومنظومة مفرداته ، وشبكة مفاهيمه ومصطلحاته ، عبر مختلف مراحل بروزها وتطورها فى نسيج علاقاته الفكرية والسياسية ، المتقاطعة والمتساوقة جدلياً على كافة مستوياتها الداخلية والخارجية ، مستصحبين فى ذلك خبرته التاريخية نفسها ، فى التنظير وفى العمل.

 

 

                           (2)

 

(2/1) نبدأ بتقرير حقيقة بسيطة ليس من العسير ملاحظتها بالنسبة لأى نظر متمكِّث فى مجمل مسيرة تطور الحزب منذ منتصف أربعينات القرن الماضى ، وتتصل بالطابع التركيبى المعقد فى فكره لمسار تطور مفهوم الديموقراطية. فعلى حين بقيت هذه الموضوعة تمثل ، بشكل ثابت ، أحد أهم المطلوبات الاستراتيجية المطروحة فى أفق مشروعه الاشتراكى ، ظلت ملتبسة أيضاً ، فى فترات مختلفة من هذا التطور ، وبدرجات متفاوتة ، بمفاهيم ومصطلحات (الديموقراطية الاشتراكية ، أو الشعبية ، أو الجديدة ، أو الثورية) .. الخ ، وذلك تحت الأثر الضاغط على حركة اليسار ، وحركة التحرر الوطنى العالمية بوجه عام ، من جهة النموذج الاشتراكى السائد آنذاك ، وبالأخص التجربتين السوفيتية والصينية. وهى المفاهيم والمصطلحات التى تصعَّدت من أنماط الهيكلة السياسية الستالينية للحزب والدولة والمجتمع ، تحت عنوان (المركزية الديموقراطية) ، فى الاتحاد السوفيتى ، ومن ثم فى أنظمة الديموقراطيات الشعبية التى نشأت فى بلدان شرق أوربا وأنحاء متفرقة من العالم ، فى أعقاب الحرب الثانية ، مستهدية بأدبيات القدح المقذع الذى أفردته الماركسية اللينينية ، وبخاصة فى نسختها الروسية بظروفها المحددة ، للديموقراطية الليبرالية.

 

       ومع ذلك ، فإن من فساد النظر ، يقيناً ، عدم ملاحظة أن مؤشر الأصالة الفكرية لدى الحزب ظل يسجل منذ ذلك الوقت الباكر ، وبرغم قوة تأثير تلك (الديموقراطية الاشتراكية ، الشعبية .. الخ) ، وتائر عالية من النزوع إلى (الديموقراطية الليبرالية) بمضمونها القائم فى توفير أوسع الحقوق والحريات الجماهيرية ، قانوناً وممارسة ، إلى درجة تصويب النقد الجرئ والصريح للتجربة السوفيتية ، فى هذه الناحية ، قبل انهيارها المدوى بنحو من نيف وأربعين سنة. وإنه لمن الصعب حقاً ، بل يكاد يكون من المستحيل ، فض هذا التناقض المظهرى ، فى فكر الحزب ، بين قوة أثر (الديموقراطية الشعبية) ، من جهة ، وبين أصالة النزوع إلى (الديموقراطية الليبرالية) ، من الجهة الأخرى ، بدون وضع اليد على مسألتين فى غاية الأهمية:

أولاهما: تتمثل فى مركزى (الجذب) و(الطرد) الأساسيين ، بالنسبة لهذا الفكر ، والكامنين فى كل من مفهوم (الديموقراطية الليبرالية) التى تستصحب موضوعة الحريات والحقوق السياسية وتهدر موضوعة العدالة الاقتصادية ، من ناحية ، ومفهوم (الديموقراطية الشعبية) التى تفعل العكس تماماً من الناحية الأخرى.

 

أما ثانيتهما: فتتمثل فى الشكوى المستمرة من ضعف الأساس الاجتماعى الذى تستند إليه الديموقراطية البرلمانية فى الممارسة السودانية ".. حيث الوزن الكبير للقطاع التقليدى فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، ومن ثم وجود قوى إجتماعية داخل الديموقراطية البرلمانية ذات مصلحة مضادة لتوسيع قاعدة الديموقراطية وتجديد الحياة فى القطاع التقليدى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 134 ـ ومحمد أ. نقد ؛ مبادئ موجهة لتجديد البرنامج). ولا غرو ، فالطبقات والنخب المتميزة تعيد إنتاج شكوكها وعداواتها التاريخية بإزاء الحقوق الديموقراطية للجماهير ، والتى لا تنفك تقترن لديها دائماً بتهديد امتيازاتها ، أو بتغيير الأساس الاقتصادى السياسى للمجتمع الذى يوفر لها تلك الامتيازات. ولعل هذا وحده يكفى للكشف عن فداحة الضلالات الأيديولوجية الكامنة فى تصور هذه الحقوق والحريات كمنح سلطانية توهب للجماهير من جانب الطبقات والنخب الحاكمة ، أياً كانت!

 

(2/2) لقد بدا هذا التنازع واضحاً فى فكر الحزب ، منذ مطالع الاستقلال السياسى لبلادنا ، بين المفهومين المتعارضين ، المتناقضين فى ما بينهما ، من جهة ، وداخل كل منهما ، من الجهة الأخرى ، سواء من خلال مؤتمريه الثالث والرابع (فبراير 1956م وأكتوبر 1967م) ، أم من خلال دورات الانعقاد ذات الأهمية الاستثنائية للجنته المركزية (مارس 1953م مثلاً) ، أم من خلال وثائقه الأخرى ذات الطابع البرامجى. فعيون الحزب لم تكن كليلة يوماً عن النقد الماركسى التقليدى للديموقراطية البرجوازية ، حيث تمارس (الثروة) سلطتها تحت ستار الجمهورية الديموقراطية بصورة غير مباشرة ، حسبما يلاحظ ف. إنجلز ، ولكنها ، فى نفس الوقت ، أكثر ضماناً ، بحيث تتمظهر هذه السلطة ، فى السطح ، كما لو كانت سلطة الشعب أو غالبيته ، بينما هى ، فى حقيقتها ، سلطة الأقلية البرجوازية التى تمارس استبدادها المطلق على بقية الطبقات (ف. إنجلز ؛ أصل العائلة ، الملكية الخاصة والدولة ، ص 127). ومع ذلك فقد بقيت عيون الحزب مفتوحة أيضاً على الاتجاه النظرى العام فى تقييم هذه الديموقراطية البرجوازية من زاوية الماركسية اللينينية ، كأداة لا تلغى الاضطهاد الطبقى ، ولكنها تساعد على كشفه ، لا تخلص الكادحين من الاستغلال ، ولكنها تعينهم على منازلته. وقد كتب ماركس عن تأسيس الجمهورية فى فرنسا عام 1848م أنها تساعد على بسط سيادة الطبقة البرجوازية ، غير أنها تهيئ ، فى ذات الوقت ، المناخ السياسى الملائم الذى يمكن المستغلين "بالفتح" من منازلة مستغليهم "بالكسر" (ضمن: أ. دنيسوف "محرر" ؛ نظرية الدولة والقانون ، ص 129).

 

       وهكذا ، وبرغم الأثر الضاغط للنموذج السوفيتى ونماذج الديموقراطيات الشعبية على الحزب الشيوعى السودانى ، تحت الظرف التاريخى الموضوعى المحدد ، فإنه ليس من العسير على التناول المدقق ملاحظة أن النظرية الأساسية للحزب بدأت تسجل باكراً ميلها الواضح ، مع كل ذلك ، للتمحور حول قيام حكومة وطنية ديموقراطـية تنجح فى إنجاز مهامها ، فتفتح الطريق لتحويل مجتمعنا بالتدريج نحو الاشتراكية (برنامج المؤتمر الثالث 1956م ـ ومحمد أبراهيم نقد ؛ مبادئ موجهة ..). ومن ثمَّ أبدى الحزب حماساً خاصاً للتوسُّل بالوسائل الديموقراطية لجعل قيام مثل هذه الحكومة أمراً ممكناً ، وذلك بالنضال وفق الأشراط العامة للديموقراطية البرلمانية ، برغم كلاسيكيات الهجاء الماركسى لها ، وبالذات فى طبعته اللينينية القائمة فى تعميم خبرة الثورة الروسية (1917م) ، حيث ".. الأمر الرئيس قد سبق وتحقق فى جذب طليعة الطبقة العاملة ، وكسبها إلى جانب السلطة السوفيتية ضد البرلمانية ، وإلى جانب دكتاتورية البروليتاريا ضد الديموقراطية البرجوازية" (ف. إ. لينين ؛ مرض اليسارية الطفولى فى الشيوعية ، ص 77) ، وحيث ".. أن دكتاتورية البروليتاريا هى وحدها القادرة على تحرير الانسان من اضطهاد رأس المال ، وكذب وزيف ونفاق الديموقراطية البرجوازية .. المقتصرة على الأغنياء" (ف. إ. لينين ؛ حول الديموقراطية والديكتاتورية ، ص 390) ، وحيث أن من "الحماقة" و"السخف" ، بحسب لينين ، الاعتقاد  بإمكانية ".. الانتقال للاشتراكية عن طريق الديموقراطية بوجه عام" (ف. إ. لينين ؛ الاقتصاد والسياسة فى عصر دكتاتورية البروليتاريا ، ص 281).

 

       ولعل المفارقة ذات المغزى العميق تتجلى هنا فى عودة تلك "الحماقة" وذلك "السخف" ، بعد عقود قلائل من وفاة لينين ، ليشكلا أحد أهم عناصر التطور التاريخى فى الفكر الماركسى! فلقد دافع الشهيد عبد الخالق محجوب ، فى أواخر الخمسينات ، دفاعاً مجيداً عن الديموقراطـية البرلمانية فى مواجهة انقلاب كبار الجنرالات عليها بقيادة الفريق أبراهيم عبود ، قائلاً: "إننى أؤمن بكافة حقوق الشعب الديموقراطية ، وأرى أن نظام حكم الفرد فى بلد كالسودان ، متعدد القوميات ولما تتلاحم أجزاؤه ، يهدد وحدة البلاد بخطر ماحق ، وخاصة فى مشكلة الجنوب التى تتطلب الديموقراطـية حلاً ، لا القوة والتعسف والقرارات الادارية الفردية ، تتطلب التراضى والتطور الحر للقوميات .. فى ظل وطن واحد مشترك بين الكل  اشتراكاً على قدم المساواة" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 67). ودحض الشهيد كل الحجج التى سيقت فى ذمِّ الديموقراطية البرلمانية ، سواءً تلك التى اعتبرتها "بدعة" لا تناسب إلا الغرب وحده ، أو تلك التى ربطتها بمستوى تعليمى معين ".. فقد جرت فى بلادنا انتخابات كانت نسبة الناخبين فيها أعلى بكثير من بعض البلاد الأوربية. وشعبنا ، رغم تفشى الأمية ، عرف مصالحه أكثر من بعض الشـعوب الأوربية المتعلمة التى تأتى بأحزاب المحافظين للحكم ، إذ أن الشعب السودانى تمكن من انتخاب أغلبية وطنية فى برلمان 1954م حققت الجلاء والاستقلال" (نفسه). كما نافح عن هذه الديموقراطية البرلمانية بإزاء الاتهامات التى تقرنها بالفساد ، سائقاً الحجة على أن أصل الفساد ليس هو النظام البرلمانى نفسه ، بدليل استمرار الفساد حتى بعد القضاء على هذا النظام البرلمانى وتأسيس النظام الانقلابى العسكـرى ، بل إن أصل الفساد "طبقات غنية تسيطر على بعض الأحزاب ، وتفسد بعض النواب بالمال الحرام ، وتعميهم عن مصالح الناخبين ، وتحولهم إلى رجال (نعم) وإلى إمِّعات .. وإذا كنا نريد محاربة الفساد فيجب اقتلاع الأصل ، واجتثاث جذوره .. البرلمان مرآة تعكس القبيح والجميل فى ظل الديموقراطية ، والعقل يقول إذا لم تقبل نفسك رؤية القبيح فى المرآة فأبعده عنها ، ولا تكن كالطفل تحطم المرآة وتصبح كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. إن الديموقراطية .. هى الضمان لمكافحة الفساد ، فما من قوة تستطيع مراقبة الفساد واجتثاثه غير رقابة الشعب ، ولا رقابة للشعب إلا إذا تمتع بحرياته كاملة وأصبحت له سلطة تغيير الحاكمين" (نفسه ، ص 68 ـ 70).

 

       ونحسبنا فى غنى عن الاطناب فى سوق الأدلة على أن الحزب الشيوعى السودانى لم يمثل وحده (عنزة) الحركة الثورية العالمية (الفاردة) فى هذا الشأن. فعلى صعيد الفضاء الفكرى العام لليسار الأوربى ، مثلاً ، والاحزاب الشيوعية الأوربية تحديداً ، تحولت بؤرة النظر الكلاسيكية إلى الديموقراطية البرلمانية من مجرد اعتبارها أداة تتناسب ومصالح الطبقة البرجوازية ، إلى استيعابها ، أيضاً وفى ذات الوقت ، كمعول فى أيدى الطبقات الكادحة ، تستطيع ، إذا ما أحسنت استخدامه فى إطار حتميات الصراع الطبقي ، أن تحقق الكثير من مطلوباتها الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية ، بل وإسباغ طابعها العام عليه إلى حـدِّ تصويبه ، نهائياً ، فى خدمة مصالح الأغلبية فى المجتمع ، بدلاً من تكريسه فى خدمة الأقلية البرجوازية وحدها كما كان يراد له فى الأصل.

 

(2/3) وبصرف النظر عن صحة أو خطأ المراهنة أو التعويل على خطة كهذه ، فإننا لا نجد مسوِّغاً عقلياً واحداً لاتهام (نوايا) الحزب فى قبوله بالديموقراطية الليبرالية بأنها ليست (صافية) ، أو أنها محكومة بتكتيكات (العصا النائمة والعصا القائمة) ، حسب الترويج التسطيحى الشهير لخصوم الحزب الأيديولوجيين والسياسيين الذين لا يرضون بأقل من أن يعنى قبول السير بالطريق الديموقراطى التخلى نهائياً عن المشروع الاشتراكى! فالمسألة ، فى جوهرها ، أعقد من ذلك بما لا يقاس. والواقع أن مثل هذا الترويج ، بالغاً ما بلغ من الفخامة والتزويق ، سرعان ما يتكشف عن وضع مقلوب على رأسه تماماً ، فما يلبث أن يتهاوى ، كمثل كاتدرائية تتقوض ، بمجرد تعريضه لحجج التاريخ وحقائقه الباردة. ونماذج ذلك كثيرة ، بخاصة خلال الفترة 1946م ـ 1964م.

 

(2/3/1) فمن الواضح تماماً أن قبول الحزب بممارسة العمل السياسى وفق المبادئ العامة للديموقراطية (الليبرالية) يعنى ، بالأساس ، اعتزامه الانخراط فى النشاط السياسى كجزء لا يتجزأ من الحركة الديموقراطية العامة فى البلاد ، وذلك بالاقرار التام ، قبل أى شئ آخر ، بقيم التعددية ، وباستخدام أسلحة الاقناع وحدها فى خوض المعركة السياسية السلمية على وعى الجماهير ، وبالاحتكام إلى آليات الديمقراطية وحدها ، كالتعبئة والاضراب والتظاهر السلمى والانتخابات العامة ، وبالاعتماد ، إلى ذلك ، على إنجازاته وحدها لكسب ثقة هذه الجماهير فى المنافسة الدورية على تداول السلطة ، فضلاً عن إشاعة الديموقراطية داخل بنيته التنظيمية من جهة ، وفيما بينه وبين سائر أقسام الحركة الجماهيرية من الجهة الأخرى.

       لقد شكل ذلك (الاعتزام) نقطة الانطلاق الأولى فى نشاط الشيوعيين السياسى ، بصرف النظر عما أصابوا أو لم يصيبوا فى هذا الشأن ، نتيجة لجملة ظروف وعوامل وملابسات تاريخية سوف نعرض لها ، لاحقاً ، فى سياق هذا المبحث.

 

(2/3/2) وقد تأسس هذا المنطلق ، منذ البداية ، على منطق القناعات الفكرية والسياسية التى كانت قد تبلورت ، قبل ذلك بوقت طويل ، بين الحلقات الأولى لطلائع الشيوعيين السودانيين ، حتى قبل التكوين الرسمى لحزبهم عام 1946م ، حيث نظروا لهذه الديموقراطية الليبرالية ، لا كمحض قضية شكلية ، وإنما باعتبار كافٍ لمضمونها الحقيقى القائم فى قضية الحريات العامة والحقوق الأساسـية ، والتى تمثل ، فى ظروف ضعف وضمور بنية الطبقة العاملة الصناعية ، فى بلد كالسودان ، بتعدد تكويناته الاقتصادية الاجتماعية والقومية ، وعدم التناسق فى تطور قطاعاته الاقتصادية ، الشرط المركزى لتحقق هذه الديموقراطية الليبرالية كمصدٍّ أساسى فى وجه مشروع العنف البرجوازى ، المدعوم بآليات التدخل الاستعمارى ، وذلك بما توفره من مناخات النمو المتسارع للقوى الشعبية الرافضة لهذا المشروع ، وإمكانات مقاومتها السلمية الفعالة له ، باعتبارها البيئة السياسية الأصلح لحضانة وتطوير المشروع الاشتراكى من خلال أوسع حراك لجماهير الكادحين فى المدن والأرياف (العمال ، صغار المزارعين والعمال الزراعيين ، البرجوازية الصغيرة التقليدية المكوَّنة من صغار المنتجين والحرفيين وأصحاب المحلات الصغيرة ، والمثقفين .. الخ). ومن ثمَّ اتخذ الشيوعيون ، فى ذلك الوقت الباكر ، موقفاً نقدياً مستقيماً ونادراً من التجربة السوفيتية ، بطبعتها الستالينية ، معتبرين الموقف من (الحريات) ، إلى جانب الموقف من (الدين) ، بمثابة الخلل الأساسى و(كعب آخيل) الحقيقى فيها ، مما احتاج إلى قرابة نصف القرن لتأكيده. لقد أشار إلى ذلك ، على سبيل المثال ، حسن الطاهر زروق ، عام 1944م ، فى تصريحه الذى أوردناه فى مقالتنا التى سلفت الاشارة إليها ، حيث استبعد ، وقتها ، أن تتطابق تجربتهم السودانية مع تجربة روسيا قائلاً: ".. قد نستفيد من التجربة ونتفادى سلبياتها مثل غياب ضمانات حرية وسلامة الفرد ، وعدم تقدير دور الدين فى حياة الشعوب" (جريدة السودان الجديد ، 1/9/1944م ـ ضمن محمد نورى الأمين ، رسالة دكتوراه).

 

(2/3/3) وقد كان من الممكن أن يصبح التشكك فى مؤسسية هذا الموقف النقدى ، واعتباره خاصاً فقط بحسن الطاهر وحده ، أمراً معقولاً ومقبولاً ، لولا أن الأداء العام للحزب والاتجاه الغالب فيه ، عبر مختلف محطات تطوره ، والصراعات الفكرية التى شهدها على مدى أكثر من خمسين عاماً من عمره ، ليدل ، وبكل المعايير ، دلالة قاطعة على خلاف ذلك ، أى على الاحتفاء الحزبى المؤسسى بالمنجزات التاريخية للشعوب فى جبهة الحريات والحقوق الليبرالية السياسية ، كرصيد قابل للاستصحاب فى سياق المشروع الاشتراكى ، علاوة على عدم الاقتناع الواضح بأن التجربة الاشتراكية نجحت فى تقديم أىِّ نموذج ملهم فى الديموقراطية السياسية. فبالاضافة إلى تعبيرات الشهيد عبد الخالق الساطعة ، والتى سلفت الاشارة إليها ، نورد المزيد من هذه النماذج القوية فيما يلى:

 

أ/ فقد نص برنامج الحزب (دستوره) المجاز فى مؤتمره الرابع عام 1967م ، بعد زهاء ربع القرن من تصريح حسن الطاهر المشار إليه ، على أن ".. الديموقراطية الاشتراكية ، مرتكزة على ما حققته الشعوب من حرية للفرد والجماعة فى التعبير وحرية الفكر ، ستكمل هذا البناء بتحرير الانسان من سيطرة رأس المال واقترابه من مراكز النفوذ" (ص 8).

ب/ وسوف يعود عبد الخالق عام 1971م ، بعد مرور أكثر من عقد على دفاعه أمام المحكمة العسكرية الأولى ، وأربع سنوات من صدور برنامج المؤتمر الرابع ، وسبع وعشرين سنة من تصريح حسن الطاهر ، ليؤكد على رسوخ هذا النظر الناقد ، ضمناً ، فى فكر الحزب ، لنموذج الديموقراطية الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتى ، أو الشعبية فى الصين وبلدان شرق أوروبا ، وذلك بقوله فى آخر إسهاماته الفكرية قبل إعدامه بوقت قصير ، مسترشداً بقانون (نفى النفى) الدياليكتيكى: إن "تغيير المجتمع إلى مرحلة أعلى لا يعنى نفياً كاملاً لما أحرزته الشعوب من حقوق قانونية إبان الثورة الديموقراطية البرجوازية .. (بل يعنى) تحويلها من إعلان إلى ممارسة فعلية .. إنجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية للانتقال للاشتراكية لا يتم إلا عبر الديموقراطية فى الحقوق السياسية للجماهير ، (أى) الديموقراطية فى النظام السياسى ، (أى) تغيير المجتمع بالديموقراطية الشاملة" (ع. الخالق ، وثيقة حول البرنامج).

       ونضيف هنا ، على سبيل الاستطراد الحميد ، أن الشهيد عبد الخالق كتب (وصيته) التاريخية هذه ورأسه ، شخصياً ، تحت ظل السيف ، فى معمعة الصراع ضد سلطة مايو التى لا يزال ثمة من يصر على أنها كانت سلطة الشيوعيين (!)

ج/ أما السكرتير العام الحالى للحزب محمد ابراهيم نُقد فقد عاد ، بدوره ، بعد مرور أكثر من نصف قرن على تصريح حسن الطاهر ، وزهاء الأربعين عاماً على دفاع عبد الخالق ، وثلاثين عاماً على برنامج 1967م ، وأكثر من ربع قرن على وثيقة (حول البرنامج) ، ليقدم تلخيصاً بليغاً لمآلات هذا التنازع بين (مركز جذب) الحقوق والحريات السياسية فى الديموقراطية الليبرالية من جهة ، و(مركز جذب) المحتوى الاجتماعى للديموقراطية الاشتراكية .. الشعبية .. الخ ، من الجهة الأخرى ، وذلك من بين وقائع المخض الشديد فى فكر الحزب ، ردحاً من الزمن ،  ما بين أصالته واستقلاليته التى وفرت لديه دائماً عناصر التهيؤ للانحياز إلى الديموقراطـية الليبرالية ، وبين الأثر الضاغط لتجاوزات (اليمين) السياسى ، وخرقه المتكرر لهذه الديموقراطية ، إلى جانب الحضور القوى ، فى الواقع التاريخى المحدد ، لنجاحات النموذج الاشتراكى (السوفيتى والصينى بالأساس) ، وانعكاساتها فى المنطقتين العربية والأفريقية ، مما رتب لظاهرة الالتباس والتناقض المظهرى فى هذا الفكر ، وعرَّضه ، فى بعض فترات تاريخه ، للتورُّط فى مواقف التبرير لمصادرة الحقوق والحريات ضمن ذلك النموذج. ولئن كان الحزب قد خلص فى نهاية المطاف ، برغم كل هذا الالتباس والتناقض ، إلى موقف راسخ فى الانحياز للحريات والحقوق السياسية ، فقد وصف نُقد هذا الانحياز ، فى سياق أحدث الأدبيات الحزبية ، بأنه ".. متميز ومفارق للتصور الذى كان سائداً فى الأدبيات الماركسية ، ومن بينها أدبيات حزبنا ، والذى يبرر مصادرة الديموقراطية فى النموذج السوفيتى للاشتراكية ونمط الحزب الواحد وبعض نماذج الأنظمة الوطنية العربية والأفريقية" (م. أ. نقد ، ورقة "مبادئ موجهة .."). 

 

(2/3/4) ولأن التركيبة الذهنية والوجدانية لذلك الجيل المؤسِّس تشكَّلت ، أصلاً ، من بين وقائع الصراع الذى خاضته الحركة الوطنية فى سبيل الاستقلال والحرية ، فقد قرَّ فى فكر الحزب ، منذ بواكير نشأته ، أن الكفاح من أجل التحرر من الاستعمار هو بمثابة المحور الأساسى للحركة السياسية الاستقلالية ، فى تلك المرحلة ، وهى قضية لا يمكن أن تنفصل ، بأى حال ، عن النضال لنشر الوعى بقيم الحريات والحقوق الديموقراطية. وقد لاحظ الشهيد عبد الخالق ، فى تحليله لأحداث تلك الحقبة ، أن المشكلة الأساسية التى واجهت السودان عند خروجه من الحرب العالمية الثانية تركزت ".. حول إبعاده عن توجيه حياته وفق نظام ديموقراطى" (ع. الخالق ، لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ، ص 35). ذلك أن الاستعماريين لجأوا إلى البطش عندما أحسُّوا بخطورة تطور الحركة الجماهيرية. وعلى سبيل المثال فقد ".. سنوا القوانين الرجعية ، وحلوا منظمة انصار السلام ، وجعلوا من مصادرة حرية الافراد والجماعات والصحف قاعدة لهم ، وبدأوا خلال عام 1951م يعدون العدة لحل اتحاد نقابات العمال" (نفسه ، ص 70). وفى وثيقة دفاعه السياسى المار ذكره أشار الشهيد إلى ".. أن حرية المواطن فى الدعوة لما يرى لاقت تعنتاً كثيراً من جانب المستعمرين .. ولهذا اندمجت فى الحركة الشعبية المطالبة بتوفير الحريات الديموقراطية" (ع. الخالق محجوب ؛ دفاع أمام المحاكم العسكرية ، ص 45).

     ولعلنا نجد فى ذلك تفسيراً واضحاً لتحالف الشيوعيين الباكر ، آنذاك ، مع حزب الامة ، فى ما عرف وقتها بـ (الجبهة الاستقلالية) ، حيث كان الحزبان قد اتفقا على المطالبة بكفالة الحريات العامة ضمن الركائز الأساسية التى نهض عليها تحالفهما.

 

     وبتاريخ 31/12/1955م عاد نائب دوائر الخريجين ، وقتها ، حسن الطاهر زروق لتفصيل تلك المطالب الديموقراطية من خلال مساهمته فى مناقشة مشروع الدستور المؤقت ، مقترحاً النص فيه على قيام الجمعية التأسيسية لتمكين ممثلي الشعب من المشاركة في وضع الدستور الدائم للبلاد ، وأن يحترم ذلك الدستور إرادة الشعب ومصالحه ، وأن يجعل جهاز الدولة ديمقراطياً وخاضعاً للرقابة والمحاسبة الشعبيتين ، وأن يضمن المشاركة الشعبية الواسعة في الحكم ، وأن يوفر الحريات العامة وحرية العقيدة وحرية اعتناق الآراء السياسية والعمل من أجلها ، بالاضافة إلى المطالبة بإزالة التعارض القائم بين ذلك المشروع وبين بعض القوانين والسياسات السائدة وقتها ، وذلك بتعديل تلك القوانين والسياسات حتى تتسق معه ، وبخاصة ما تعلق منها بالحريات العامة كقضايا الأجر المتساوي للعمل المتساوي في الشمال والجنوب ، والأجر المتساوي للعمل المتساوي للرجل وللمرأة ، وقانون الصحافة وبعض مواد قانون العقوبات (محمد سليمان ، اليسار السوداني في عشر سنوات ، ص 173 ـ 176).

 

       وإذن ، فإن المنطق الذى شكَّل وعى ذلك الجيل الأول من الشيوعيين السودانيين باتجاه إنشاء الحزب ، قد تمحور ، أصلاً ، حول ضرورة "بروز قوة اجتماعية .. تضع منهجاً يلبى رغبات الشعب .. فى الديموقراطية السياسية والاجتماعية" (ع. الخالق محجوب ، لمحات ..، ص 38).

 

(2/3/5) وإلى ذلك فقد جاء الشرط التاريخى نفسه الذى أدى ، فى صيف 1946م ، لولادة التنظيم فى بداياته الأولى (الحركة السودانية للتحرر الوطنى ـ "حستو") ، مقترناً مع ذات الشرط التاريخى الذى أنتج ، فى آن واحد ، حركة شعبية واسعة ، متنوعة ، ومنفعلة ، بحكم طبيعتها ومنطق تكوينها وقانونها الخاص ، بطموحات الحريات العامة والحقوق الأساسية ، كنقابات العمال واتحادات المزارعين والنقابات المهنية ، وتنظيمات الشباب والنساء والطلاب ، وحركة أنصار السلم وغيرها. لقد ".. كان ميلاد هذا الحزب نتيجة للحركة الواسعة التى انبثقت من صفوف الشعب يهدف لحرية التنظيم ، وحق كل مواطن فى إبداء رأيه .. (وقد) امتاز حزب الجبهة المعادية للاستعمار منذ إعلانه بوقوفه بثبات من أجل استقلال البلاد ، ومن أجل الديموقراطية ، وتحسين حياة الكادحين" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 51 ـ 52). وقد أسـهم الشيوعيون السودانيون ، بصورة نشطة ، ومباشرة ، ومتشابكة مع وقائع تأسيس حزبهم ، فى استنهاض وتطوير تلك الحركة "التى انبثقت من صفوف الشعب" ، وتبوَّأوا مراكز القيادة والتوجيه فيها ، بل صار بعضهم رموزاً تاريخية لها ، فشكَّلت ، بأساليبها وأدواتها الديموقراطية ، كالإضراب ، والمظاهرة ، والموكب ، والمنشور ، والمذكرة ، والملصق ، والجريدة ، والندوة ، والليلة السياسية ، والكتابة على الجدران ، وغيرها من صور الرمز المقروء والمسموع والمرئى ، إلى جانب الأشكال المختلفة لتنظيم التضامن الجماهيرى ، حقول تدريبهم النضالى الأساسية ، وطبعت ، بالتالى ، وبصرف النظر عن أى مصادر تأثير أخرى ، فكرهم ووجدانهم ومزاجهم العام بطابعها الديموقراطى الشامل ، من خلال مظاهرات الطلبة عام 1946م ، ومعارك الجمعية التشريعية صيف 1948م ، فى أم درمان وعطبرة ، ومعركة تأسيس نقابة عمال السكة حديد وغيرها ، حتى أن مخابرات الإدارة البريطانية فى السودان وصفت ، فى بعض تقاريرها السِّرية عام 1949م ، أول تنظيم ديموقراطى للشباب السودانى ، على سبيل المثال ، بأنه حركة شيوعية ذات (أخطار) ، من أهدافها الكفاح لإحباط المشاريع الاستعمارية ، وتحرير السودان ، وتأسيس نظام ديموقراطى (ضمن: د. محمد سعيد القدال ، معالم فى تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ، ص 65). هذا التقرير المخابراتى الاستعمارى ينطوى ، بلا شك ، على دلالة بالغة الأهمية والخصوصية بالنسبة لما نحن بصدده فى هذا المبحث ، لكونه قد أصاب تماماً ، فى تحديد أهداف التنظـيم الوليد ، وإن أخطأ ، أو قل تعمَّد أن يخطئ ، فى توصيف هويِّته!

 

(2/3/6) وبغض النظر ، أيضاً ، عن النقد الذى وجه لموقف الحزب الابتدائى من اتفاقية الحكم الذاتى (أواخر فبراير 1953م) ، أو النقد الذاتى الذى مارسه الحزب نفسه بشأنه ، وانتهى بتصحيحه فى نفس الأسبوع (دورة اللجنة المركزية ، مارس 1953م) ، فإن ذلك الموقف ، صواباً كان أم خطأ ، قد انبنى ، أصلاً ، وفق كتيب (الاتفاقية فى الميزان) لقاسم أمين ]] ، لا على أى سبب آخر سوى (الشك) الذى انتاب الحزب ، وقتها ، فى نوايا الانجليز تجاه مطالب الشعب بالجلاء الناجز ، وحق تقرير المصير ، وبناء سودان حر ديموقراطى. فالاتفاقية التى وقعتها الحكومتان البريطانية والمصرية مع كل الأحزاب السـودانية ، ما عدا (حستو) ، أرجأت هذه المطالب ريثما تنتهى فترة الحكم الذاتى (ثلاث سنوات) ، كما وضعت قيوداً إضافية على الحريات (قانون النشاط الهدام بخاصة) ، ووفرت للحاكم البريطانى من السلطات والصلاحيات ما يمكنه من تدعيم النفوذ الاستعمارى وممارسة شتى أساليب الضغط على البرلمان (د. القدال ، معالم .. ، ص 74).

            هاجس الحدب ، إذن ، على تجنيب قضية بناء الدولة الوطنية الديموقراطية المستقلة مزالق المؤامرات الاستعمارية هو الذى يفسر موقف الحزب من اتفاقية الحكم الذاتى ، وليس دافع (الخيانة) للاستقلال ، كما يشيع خصومه!!

 

       وإن جاز لنا أن نتساءل ، على سبيل الاستطراد المنطقى ، فما هى مصلحة الحزب فى (خيانة) قضية ظل يبشر بها ، منذ أول نشأته ، ويستنهض باتجاهها طاقات الجماهير ، ويبنى على طريقها شتى منظمات النشاط النقابى والمهنى والفئوى ، بالاضافة إلى الجبهة المعادية للاستعمار (!) كما ظل (يداوس) لأجلها ، على شح إمكاناته المادية ، آلة الإدارة الاستعمارية ، وشتى أجهزة مخابراتها وقمعها ، بكلِّ قضِّها وقضيضها ، فيسقط له ، فى ساحات معاركها ، وعلى رأسها معركة الجمعية التشريعية فى الخرطوم وعطبرة وغيرها ، أنبل أبنائه كالشهيد قرشى الطيب؟!

       يحتاج نقدة الحـزب ومتهموه ، يقيناً ، وهو ، من قبل ومن بعد ، ليس فوق النقد أو الاتهام ، إلى تدقيق الحجج وتجويد المنطق!

 

(2/3/7) ولعل مما له دلالة خاصة ، فى هذا السياق ، أن الزمن قد تكفل وحده بإثبات أن مخاوف الحزب تلك من النوايا الاستعمارية الكامنة وراء اتفاقية الحكم الذاتى لم تكن بلا أساس. فلقد أقدمت الادارة الاستعمارية خلال النصف الثانى من عام 1953م ، وبين يدى البدء فى تطبيق الاتفاقية ، على سن (قانون النشاط الهدام) بهدف التأسيس لقيام ".. دولة بوليسية تجرد الاستقلال من معناه ، وتجعله جثة لا روح فيها. وكان لنشاط حزب الجبهة الفضل الأول فى إلغاء ذلك القانون ، مما سمح للجماهير بالانطلاق خلال فترة الانتقال ، وإجراء تحولات فى الجو السياسى لصالح الاستقلال" (ع. الخالق؛ دفاع ..، ص 53 ـ 54).

 

(2/3/8) وعلى الرغم من أن دورة مارس 1953م المار ذكرها شهدت بروز اتجاه يسارى متشدِّد داخل اللجنة المركزية يعتبر الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها فى ذلك العام محض لعبة برجوازية ، ويعترض ، من ثمَّ ، على المشاركة فيها ، فإن الحزب ، بقيادة عبد الخالق ، قرر ضرورة خوضها باعتبارها عملاً جماهيرياً يتيح له فرصة طرح برنامجه على نطاق واسع ، ووسيلة لتوسيع نشاط الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار وتعميق الديموقراطية (ع. الخالق ، لمحات .. ، ص 82 ـ 83). بل لقد اعتبرت تلك المشاركة فى الانتخابات أداة لتشديد يقظة الجماهير بإزاء المزالق التى كان الحزب لا يزال يرى أنها تحف باتفاقية الحكم الذاتى (نفسه ، ص 83).

(2/3/9) وتشهد وقائع تلك الفترة الحاسمة فى تاريخ السودان ، وتحديداً وقائع السنوات الثلاث الفاصلة ما بين اتفاقية الحكم الذاتى أواخر فبراير عام 1953م وبين استقلال السودان رسمياً فى الأول من يناير عام 1956م ، على انخراط الشيوعيين ، جنباً إلى جنب مع حلفائهم فى الحركة الجماهيرية الواسعة التى كانوا قد أسهموا فى استنهاضها ، فى نضال لا يفتر من أجل ترسيخ الحقوق والحريات الديمقراطية. من ذلك ، على سبيل المثال ، المذكرة التى تقدمت بها الجبهة المعادية للاستعمار إلى إسماعيل الأزهرى ، رئيس الوزراء آنذاك ، حول قضية الحريات ، والاضراب الذى قاده اتحاد نقابات عمال السودان فى سبيل الحريات ، ونشاط الهيئة الشعبية الدائمة للدفاع عن الحريات ، ومذكرة رؤساء تحرير الصحف إلى الأزهرى حول الحريات ، والمشاريع التى تقدم بها حسن الطاهر زروق من داخل البرلمان الأول لتعديل وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ، وما إلى ذلك.

 

(2/3/10) وجاء برنامج الحزب (سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديموقراطية والسلم) الذى أجازه مؤتمره الثالث غداة الاستقلال (فبراير 1956م) ، ليبرز تصوُّره للتحالف المطلوب لمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية بأسرها ، من خلال تحليله لطبيعة الأهداف نفسها المطروحة فى أفق المرحلة ، والقوى الاستراتيجية المنوط بها إنجازها. فبرغم الأثر الضاغط لمفهوم الديموقراطية الشعبية على تلك الوثيقة ، إلا أنها صاغت تلك الأهداف فى: دعم الاستقلال السياسى بالاستقلال الاقتصادى ، إشراك الجماهير فى توجيه شئون البلاد ، رفع المستوى المعيشى للكادحين ، إحداث الثورة الثقافية والتخلص من مخلفات الاستعمار. وأكدت أنه لا بد ، لإنجاز تلك الأهداف ، من الوحدة الشعبية التى تتمثل فى ما أسمته بـ (الاتحاد الوطنى الديموقراطى) ، بين الجماهير العاملة ، والمزارعين بالأساس ، وبين كل الطبقات الثورية الأخرى من برجوازية وطنية ]]] وبرجوازية صغيرة فى المدن. ورأت أنه من الممكن ، بدراسة الوضع العالمى وظروف البلاد فى ذلك الوقت ، إحراز التقدم المنشود بالاعتماد على نضال الجماهير بالوسائل والطرق السلمية حتى لا تتعرض بلادنا لهزات ، باعتبار أن توفر الحريات الديموقراطية ، على حد تعبير الوثيقة ، هو الطريق للتقدم وللنمو السلمى للثورة الديموقراطية (أنظر: برنامج المؤتمر الثالث 1956م ـ وأنظر أيضاً: ع. الخالق محجوب ؛ إصلاح الخطأ فى العمل بين الجماهير ، ص 18 ـ 19). وقد قال الشهيد عبد الخالق ، فيما بعد ، عن ذلك (الاتحاد الوطنى) الذى نادى الشيوعيون بقيامه ليشمل كل المناضلين ضد الاستعمار: ".. لو قدر لهذا العمل الجليل أن يتم بنجاح لكانت بلادنا تقفز اليوم قفزات هائلة فى طريق التطور المستقل وبناء اقتصاد معزز. وسيحكم التاريخ حكماً قاسياً على كل من ساهم فى تفويت الفرصة على شعب السودان لتوحيد صفه الوطنى ، فقد دفعت البلاد ثمن الانقسام .. غالياً ، إضعافاً للاستقلال ، واقتصاداً خرباً ، وطريقاً وعراً شائكاً سارت فيه بلادنا. إن حزب الجبهة المعادية للاستعمار يحق له أن يقول إنه كان حزب الوحدة الوطنية ، يوحد ولا يفرق ، ويجمع ولا يشتت .. وقد كان .. مستعداً للاشتراك فى ذلك الاتحاد الوطنى حتى ولو أصابه الغرم. وما مسلكنا فى الانتخاب للبرلمان ببعيد عن الأذهان ، ففى سبيل إنجاح الكثير من المرشحين الوطنيين بذلنا الجهد لا نرجو .. جزاءً ولا شكورا ، وهذا لعمرى هو النظام الحزبى النظيف ذو المبادئ السامية" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 52 ـ 53).

 

لقد ألقى المؤتمر الثالث وبرنامجه بحزمة كثيفة من الضوء على حقيقة موقف الحزب الشيوعي من قضية الديمقراطية فى جوهرها القائم فى الحريات العامة والحقوق الأساسية للجماهير. فقد مضى الحزب يتبنى الجمهورية البرلمانية إطاراً للحكم ، وأسلوباً فى إدارة الحياة السياسية ، ويعارض اللجوء للقوانين الاستثنائية وفرض حالة الطوارئ ، آنذاك ، من جانب حكومة السيد عبد الله خليل ، ويطالب بالحكم الذاتى الأقليمي للمديريات الجنوبية كمقترح ديموقراطى باكر لحل الأزمة الوطنية الخطيرة التى كانت قد انفجرت للتو بين يدى الاستقلال وعشية انعقاد المؤتمر الثالث للحزب. وسوف يعود عبد الخالق للتشديد على صحة استنتاجات المؤتمر الثالث وبرنامجه حول المسألة الديموقراطية من زاوية أن استمرار الحركة الجماهيرية ونموها واتساعها وصلابة تنظيماتها وتنوعها هو الضمانة الأساسية للتطور المستقل للبلاد (ع. الخالق ، لمحات .. ، ص 112). وقد عبر حسن الطاهر زروق فى تأييده لمطالبة النائب ابراهيم المفتى من داخل البرلمان (ديسمبر 1956م) برفع حالة الطوارئ ، تعبيراً ناصعاً عن عمق اقتران قضية الاستقلال السياسى بقضية الحريات الديموقراطية فى فكر الشيوعيين السودانيين ، وفى برنامج المؤتمر الثالث ، وذلك بتأكيده على أن ".. الاستقلال بدون حريات هيكل متداع بغير روح أو إرادة. ولسنا على استعداد للتفريط في أى مظهر من مظاهر هذا الاستقلال الذي جاء بتضحيات غالية. فعندما تختفي حريات الشعب من حياته يصبح ذلك الاستقلال جسماً بلا روح ، وتتغول الحكومات على المحكومين ، وتسلط عليهم أوضاعاً ضد حرياتهم" (محمد سليمان ؛ اليسار السودانى .. ، ص 257).

 

(2/3/11) وسوف يعود الأستاذ نُقد فى نهاية 1997م ، لينظر فى الخصائص الوطنية الديموقراطية العامة لبرنامج 1956م ، بقوله عنه ـ فى ورقته المار ذكرها ـ أنه قد اتسم  "بطابع الجبهة .. الواسعة التى توحد كل القوى المعادية للاستعمار ، بوصفها .. المؤهلة للتصدى وإنجاز مهام ما بعد الاستقلال ". وأنه "طرح .. مبدأ جديراً بالتأمل .. والتجديد ، هو: تمثيل عادل للقوى الموجودة فى الجمعية التأسيسية داخل الحكومة ، ومنع سيطرة قسم خاص .. على جهاز الدولة ، أو ديكتاتورية حزب من الأحزاب ". وأن "الفكرة .. خلف هذه الفقرة تتسع لتستوعب ثلاثة مضامين: الأول ألا ينفرد الشماليون بالحكم دون الجنوبيين والأقليات القومية. الثانى ألا ينفرد حزب مفرد بالسلطة. الثالث ألا يسيطر الجيش على السلطة ". ويرى نُقد أن هذه الفقرة من ذلك البرنامج القديم ".. تعزز الأساس النظرى لمبدأ تداول السلطة ديموقراطياً ". ويستخلص من ذلك درساً بليغاً فى ضرورة مراجعة المصطلحات التى استهلكها التداول والتطور ، بقوله: ".. ولعله أجدى لظروف السودان وسوابقه .. التعامل مع مصطلح تداول السلطة ديموقراطياً ، بديلاً للدارج والسائد عالمياً عن تداول السلطة سلمياً. فديموقراطياً تعنى .. ناخبين ونواب وبقية آليات .. الديموقراطية. أما مصطلح سلمياً فقد خبرناه فى الاتجاهين: حيث سلم المرحوم عبد الله خليل رئيس الوزراء السلطة لقادة الجيش ، وصعد قادة الجيش إلى السلطة بديلاً لديكتاتورية نميرى ، إستجابة لضغط قاعدة الجيش تجاوباً مع الانتفاضة ، و(شكلوا) المجلس العسكرى الانتقالى الذى كبح جماح الانتفاضة ، وأصبح الوصى .. على تداول السلطة سلمياً ". ثم يخلص إلى تقويم إجمالى مفاده أن "أطروحة الحكومة الوطنية الديموقراطية ، وما تحمله دلالات تكوينها من مرونة وواقعية ، مضافة إليها أطروحة .. الانتقال المتدرج للاشتراكية ، حصَّنت البرنامج من الزلل والانزلاق إلى النصِّية المطلقة ، ممثلة فى النص المتواتر فى .. كلاسيكيات الماركسية وأدبيات الحركة الشيوعية: نص تحطيم جهاز الدولة القديم ، وبناء جهاز .. جديد ، (فقد) استعاض عنه البرنامج بشعار سليم ، وهدف واقعى ، ممكن التحقيق فى ظروف السودان: إصلاحات ديموقراطية فى جهاز الدولة". ولا يغادر نُقد هذا الجانب دون أن يسجل ملاحظة ذات أهمية استثنائية ، وهى أن البرنامج ".. لم يستخدم .. مصطلح ديكتاتورية البروليتاريا ". وإذا كانت ثمة "ظلال قد تشى بالغائب الحاضر" فى بعض الفقرات المتناثرة من الوثيقة ، مثل: الجماهير الكادحة وعلى رأسها الطبقة العاملة ، الطبقة العاملة وحزبها ، تحالف العمال والمزارعين ، فإن ذلك لا ينتقص البتة من كون الحقيقة الراسخة هى أن البرنامج قد "أفلت .. من التأويل السلفى .. فى الأدبيات الشيوعية حينها عن أن دولة الديموقراطية الشعبية فى الصين وشرق أوروبا تؤدى وظيفة ديكتاتورية البروليتاريا فى ظروف تاريخية خاصة ". ثم يستطرد مؤكداً أن هذا المصطلح ".. لم يرد فى وثائق اللجنة المركزية بين المؤتمرين (1956م ـ 1967م) ، ولم يرد فى تقرير المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) ، ولا فى الدستور الذى أجازه المؤتمر الرابع ، وما من مبرر نظرى أو مسوِّغ سياسى يجيز أن يرد .. فى برنامج حزبنا فى المستقبل " (ورقة "مبادئ موجهة ..").

 

(2/3/12) ويشير أداء حزب الجبهة المعادية للاستعمار خلال الديموقراطية الأولى (1954م ـ 1958م) ، بأكثر من إصبع ، إلى مدى جدية النزوع ، فى فكره السياسى ، صوب الحريات والحقوق الديموقراطية الليبرالية ، وذلك فى مواجهة الخروقات التى ظلت تتعرض لها ، للمفارقة ، حتى من مواقع ذات الأحزاب والقوى التى كان يفترض فيها الالتزام بها ، ودعوته إلى سن التشريعات ، وصياغة البرامج ، واتخاذ كافة الترتيبات التى من شأنها كفالة مساحة أرحب لنشاط الجماهير، ومشاركتها الفاعلة فى إدارة شئون البلاد من خلال تنظيماتها الديموقراطية المستقلة ، كضمانة أكيدة لعدم تحوُّل قضية الحريات والحقوق إلى محض شعارات خاوية ، وكمخرج من انحباس الخلافات فى الحلقات القيادية الحزبية وحدها ، بعيداً عن الرقابة والمشاركة الديموقراطية للجماهير ، مما يعرِّض النظام ، بل والاستقلال نفسه ، لخطر الانهيار الشامل. ونكتفى ، فى هذا الصدد ، بسوق الأدلة الثلاثة التالية من تلك الفترة:

 

       الدليل الأول: من حادث (جودة) ، إبان حكومة الأزهرى الأولى ، وبعد بضعة أسابيع من اعلان الاستقلال ، حيث استشهد 25 مزارعاً رمياً بالرصاص ، وحوالى أكثر من مئة بالاختناق فى (عنبر) ضيق سئ التهوية تم اعتقالهم فيه ، بالاضافة إلى إصابة 86 آخرين بإصابات خطرة ، وذلك لمجرد أنهم تجمعوا أمام مكتب (مشروع جودة) الخاص لزراعة القطن فى منطقة كوستى على النيل الأبيض ، مطالبين بمراجعة استحقاقاتهم.

       ففى معرض الاحتجاج على ذلك العنف استنهضت الجبهة المعادية للاستعمار حركة شعبية واسعة ، قوامها تنظيمات العمال والطلاب والمحامين وغيرهم ، كما شملت الصحافة المستقلة. غير أن الحكومة (الديموقراطية) ردت بالمزيد من (عنف الدولة) على تلك الحركة التى لم تعتمد سوى أساليب التعبير الديموقراطى السلمى المعهودة ، فأقدمت على اعتقال قياداتها ، وفى مقدمتهم رموز الجبهة المعادية للاستعمار ، ومحاكمتهم جنائياً والزج بهم فى غياهب السجون.

       لقد ترسبت آثار تلك الأزمة فى الجانب السلبى من الحياة السياسية (القدال ، معالم .. ، ص90) ، ووصفها أكاديمى متخصص فى العلوم السياسية ـ من غير الشيوعيين ـ بأنها  "تمثل الفشل المستمر للمجموعة المسيطرة على الحكم فى حل التناقضات مع المزارعين بأسلوب ديموقراطى" (د. تيسير محمد احمد ، زراعة الجوع فى السودان ـ ضمن المصدر نفسه).

       الدليل الثانى: من موقف الحزب بإزاء صراعات الأحزاب التقليدية ، فيما بينها ، وداخل كل منها على حدة ، خلال تلك الفترة ، مما عرَّض جنين الديموقراطية للاجهاض. فقد انفجرت تلك الصراعات داخل الحزب الوطنى الاتحادى ، مثلاً ، بعد الاستقلال ، وكانت قد بدأت أصلاً منذ فترة الحكم الذاتى (1954م ـ 1956م) ، ثم ما لبثت أن تفاقمت باستقالة 21 من نوابه الذين أعلنوا عن تكوين حزب الشعب الديموقراطى ، وتتوجت أخيراً بلقاء السيد على الميرغنى بالسيد عبد الرحمن المهدى ، بعد طول قطيعة ، فى ما عرف حينها بـ (لقاء السيدين) ، الأمر الذى أدى إلى إسقاط حكومة الأزهرى فى يوليو 1956م ، بعد ستة أشهر فقط من الاستقلال ، وسكب المزيد من الزيت على حريق الصف الوطنى برفع الاتحاديين لشعارات: (الكهنوت مصيرو الموت) و(مصرع القداسة على أعتاب السياسة) ، وردود الأفعال العنيفة ، المتوقعة بالطبع ، من جانب الختمية.

 

       أثناء ذلك كان الحزب الشيوعى يبذل قصارى جهده ، على صغر حجمه وضعف إمكانياته المادية ، فى الدعوة إلى الوحدة الوطنية من أجل المحافظة على الاستقلال وحماية الديموقراطية ، مندِّداً بالخلاف بين الختمية والاتحاديين ، بوصفه صراعاً من أجل السلطة لا يخدم غرضاً وطنياً بقدر ما يشتت القوى التى حاربت الاستعمار ، ومنادياً بتكوين جبهة وطنية تضم الاتحاديين والختمية والشيوعيين والجبهة المعادية للاستعمار وغيرهم ، من أجل تأمين الاستقلال ومقاومة الأحلاف. ورد ذلك ، على سبيل المثال ، ضمن الخطاب الجماهيرى الذى ألقاه عبد الخالق محجوب فى ليلة سياسية بمدينة عطبرة (مايو 1956م) ، فى أول ظهور علنى له بعد زهاء العشر سنوات من العمل السرى فى قيادة الحزب. كما ورد أيضاً فى بيان المكتب السياسى ، الصادر بتاريخ 15/6/1956م ، والذى عبر عن القلق من المصير المظلم الذى ينتظر البلاد ، فيما لو قدر لحالة الانقسام أن تستمر ، داعياً ".. لتخفيف حدة التوتر .. وإيجاد نقاط اتفاق .. تدفع بعوامل الانقسام إلى الخلف ، مما يساعد بدوره على بناء وحدة وطنية تحمى الوطن وتعزز استقلاله". وطرح البيان مشروع ميثاق يتضمَّن: عدم استئثار معسكر أو طبقة بمفاخر الجهاد من أجل الاستقلال ، واحترام العقائد والمذاهب والانتماءات الحزبية ، ومساواة الجميع فى الحقوق الديموقراطية ، والسعى لإيجاد نقاط اتفاق بين جميع الأحزاب والهيئات والطوائف على مبدأ أساسى هو تعزيز الاستقلال السياسى. وفى مذكرتها إلى رؤساء الأحزاب وأعضاء البرلمان ، فى يوليو 1956م ، دعت الجبهة المعادية للاستعمار إلى تكوين حكومة قومية للنهوض بمهام تعزيز الاستقلال. وحذرت من خطورة أية محاولة  لإقصائها أو إقصاء العمال والمزارعين مهما كان حجمهم ، لأن المهم هو مضمون الوحدة التى سيؤدى انعدامها إلى انقسامات أعمق فى المستقبل. وفى 27 يناير 1958م أصدرت سكرتارية الجبهة المعادية للاستعمار بياناً خلال المعركة الانتخابية جاء فيه: "دخلنا المعركة الانتخابية .. لتوحيد القوى الوطنية .. لهزيمة خطط التدخل الاستعمارى .. ليست القضية فى نظرنا .. هى هزيمة حزب الشعب الديموقراطى أو الوطنى الاتحادى ، وإنما توحيد الحزبين لتأييدنا فى هذه القضية الشريفة التى تمثل حقاً مصالح بلادنا الوطنية بدلاً من دعوتنا لتعميق الانقسام فى الصف الوطنى". ولم يقتصر خطاب الجبهة على قادة الاتحاديين والختمية ، بل تطور إلى حد دعوة جماهير الحزبين للتوحد عملياً فى الشارع ، والمطالبة بوحدة نوابهما داخل البرلمان ، كما فى البيان الصادر بتاريخ 12/3/1958م (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 91 ـ 94).

 

       لم ينشأ هذا الموقف الرافض لانقسام الصف الوطنى من فراغ ، بل ثمة أكثر من سبب يدعونا للقول بأنه ظل ، منذ ذلك الوقت وحتى الآن ، متسقاً تماماً مع رؤية الحزب المعلنة للأهداف الاسترتيجية لمرحلة ما بعد الاستقلال السياسى ، والتى تتمحور ، بالأساس ، حول قضايا الاستقلال الاقتصادى ، والمشاركة الجماهيرية ، وتحسين ظروف حياة الكادحين ، والثورة الثقافية. فبغير تحقيق هذه الأهداف ".. لا يعتبر السودان كامل الاستقلال ، بل أن الاستقلال السياسى يصبح أداة من أدوات الاستغلال الاستعمارى ، وتردى حالة الشعب ، ويأخذ المستعمرون باليسار ما أعطوه باليمين. لقد أكدت تجربة بلادنا .. صحة هذا التقدير الماركسى للاستقلال السياسى" (ع. الخالق محجوب ، لمحات .. ، ص 111).

 

    من هذه الزاوية فقط يمكن النظر إلى هاجس وحدة القوى الوطنية ، كضمان لتعزيز الاستقلال وحماية السيادة الوطنية ، فى فكر الحزب الشيوعى ، ودعوته المستمرة ، قبل وبعد الاستقلال ، إلى أعلى سقف من التحالف ، سواءً على مستوى القوى الوطنية عموماً أم على مستوى الجبهة الوطنية الديموقراطية بخاصة ، لا كمفاضلة بين أشكال تنظيمية ، وإنما كشرط لازم لإنجاز هذه المهام ، فما من حزب بمفرده مؤهل فى السودان لتحمل هذه المسئولية التاريخية. وسوف يعود عبد الخالق ، بعد أكثر من عشر سنوات ، ليؤكد ، فى سياق مساهمته الشهيرة ضمن وقائع الصراع الفكرى الذى احتدم داخل الحزب حول الموقف من إنقلاب مايو 1969م ، أنه عندما يجرى التفكير فى حزب واحد ، أى طبقة واحدة ، لتجسيد إرادة الأمة ، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد الاختيار بين أشكال تنظيمية. فحتى لو كانت الطبقة الواحدة هى الطبقة العاملة ، أو كان الحزب الواحد هو الحزب الشيوعى ، فإن هذا التصور سيبقى مثالياً ، وسيؤدى إلى الفشل المحتم فى إنجاز مهام الثورة الديموقراطية بطريقة حاسمة (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 267).

 

       هكذا ظل مضمون الأهداف المطروحة فى أفق المرحلة هو العامل الأكثر حسماً ، بالنسبة للحزب ، فى تحديد مضمون التحالف المطلوب لتحقيقها. وبما أنه من المستحيل أن تنجح طبقة واحدة ، أو حزب واحد ، فى النهوض بأعباء مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية فى السودان ، فإن التحالف الوطنى الديموقراطى العريض قد انطرح ، بالتالى ، كضرورة موضوعية ، كما وأن مضمونه نفسه قد تحدَّد تلقائياً ، "وبهذا النشاط المتزايد ، خاصة خلال عام 1958م ، وبالتعاون مع كل المواطنين المخلصين ، ابتدأت تحدث تحولات عميقة فى النظام البرلمانى ، فلأول مرة ابتدأت كتلة من نواب الأحزاب الحاكمة تنظر لمصالح الشعب الناخب وتتحرر من نفوذ التعصب الحزبى. وهذا الأمر خطوة حاسمة فى دعم النظام الديموقراطىالبرلمانى ، ورفع مستوى السلطة التشريعية فوق السلطة التنفيذية" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 55 ـ 56).

       الشاهد ، إذن ، أنه لو لم يكن مصير النظام الديموقراطى ليعنى الحزب فى شئ ، لكان منطقياً تماماً أن ينتهج خطاً سياسياً يفاقم من الصراعات غير المبدئية الناشبة أصلاً بين القوى الوطنية ، أى الخط (الانتهازى) الضيق ، بدلاً من بذله ذلك الجهد المضنى مع الأطراف المختلفين لحثهم على تجاوز خلافاتهم ، وتنبيههم لعواقبها الفادحة على مجمل التجربة الديموقراطية ،  وعلى الاستقلال نفسه ، فيما لو ظلت على حالها ـ محض تنازع عبثى على عظمة السلطة وأسلاب الحكم.

 

       الدليل الثالث: من وقائع الموقف الأكثر تشدداً الذى اتخذه الحزب ضد انقلاب الفريق أبراهيم عبود (17 نوفمبر 1958م):

ـ قبل وقوعه ، حيث كانت جريدته (الميدان) أول من نبه الرأى العام إليه ، فنشرت فى          افتتاحيتها ، قبل أسبوعين فقط من الانقلاب ، مقالاً لعبد الخالق محجوب بعنوان: "إفتحوا عيونكـم جيداً: الأمريكان يستعدون لتدبير الانقـلاب المقـبل فى السـودان" (الميدان ، 3/11/1958م ـ ضمن القدال ، معالم .. ، ص 100). بل إن جُلَّ نشاط الحزب كان قد انصب ، خلال الفترة التى سبقت الانقلاب مباشرة ، على التنبيه لمخاطره المحدقة ، والدعوة لرفع درجة الاستعداد السياسى بين القوى الوطنية لرفضه ومجابهته ، الأمر الذى وضع هذا الحزب ، بالذات ، فى عين عاصفة التدابير القمعية للانقلابيين ، وأدى بهم للتربص به ، والقبض على قياداته ورموزه وتقديمهم للمحاكمة العسكرية ، فى ما عرف إعلامياً ، وقتها ، بـ "محكمة الشيوعية الكبرى" ، وذلك بعد مضى ما لا يزيد على أشهر قلائل من وقوع الانقلاب والاطاحة بالتجربة الديموقراطية الأولى فى البلاد. فما هى فحوى ذلك الموقف؟! يقول عبد الخالق فى المقتطف المُطوَّل التالى: ".. وصل إلى علمى .. أن انقلاباً ما سيتم .. حدث هذا فى الاسبوع الثالث من أكتوبر. وقد دعوت المكتب السياسى .. للتشاور .. واتخذنا قرارنا بما نراه فى مصلحة الاستقلال والديموقراطية. لقد انتهزت فرصة أول اجتماع سياسى فنوهت بما يدبر للديموقراطية والاستقلال ، وهاجمت .. ذلك التدبير ، وتساءلت لمصلحة من تتخذ تلك الخطوة وقد أشرفت البلاد على التخلص من حكومة السيد عبد الله خليل ووضع حكومة أكثر ديموقراطية وتجاوباً مع أهداف الشعب الوطنية؟ وقد واصلت تلك الحملة بطريقة لا تعرضنا للقوانين فى أكثر من أربعة اجتماعات سياسية عامة ، ودفعنا بجريدة الميدان فى هذا الاتجاه فأشارت باستمرار إلى  ذلك التدبير ، ودمغته ، وطالبت الشعب أن يتيقظ ، ونظمت حملة من الاحتجاجات الشعبية توجه إلى رئيس الوزراء عندما قرر ، متحدياً الرغبة الشعبية ، تأجيل البرلمان من الانعقاد يوم 17 نوفمبر ، وكنا نلمح الخطة من وراء ذلك. فى الوقت نفسه قمنا باتصالات متعددة مع بعض الأخوان فى قيادة الحزب الوطنى الاتحادى وحزب الشعب الديموقراطى والكتلة الحرة فى حزب الأمة والجنوبيين ، ووضعت لهم ما وصل إلى علمنا ، وطلبت منهم أن نتعاون لإنقاذ النظام البرلمانى واستقلال البلاد. ولو أن أولئك الأخوان أخذوا ما قلت مأخذ الجد وقاموا بما يفرضه الدفاع عن الاستقلال والديموقراطية لكنا نعيش اليوم فى ظروف تختلف عن الظروف الراهنة" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 56 ـ 57).

 

ـ وبعد وقوعه ، حيث أصدر مكتبه السياسى بيانه الشهير ، بعد يوم واحد فقط من الانقلاب (18/11/1958م) ، بعنوان: "17 نوفمبر إنقلاب رجعى" ، وذلك بالمفارقة لمواقف جميع الأحزاب الأخرى التى سارعت لتأييد الانقلاب ، منذ الساعات الأولى لوقوعه ، وبلا استثناء ، حيث ".. جاءت المعارضة منذ الوهلة الأولى من اليسار والنقابات والاتحادات المهنية ، رغم أنها لم تكن فى السلطة" (حيدر أبراهيم على ؛ المجتمع المدنى والتحوُّل الديموقراطى فى السودان ، ص 51). وبعد أن أوضح البيان المذكور كيف انطلقت حركة شعبية واسعة مناهضة لحكومة عبد الله خليل ، حتى بات انهيارها ، عشية الانقلاب ، وشيكاً ، فأقدم على تسليم السلطة لقادة الجيش ، مضى فى تحليله قائلاً: ".. ولكن الأغلبية الساحقة من الضباط .. هم جزء من البرجوازية الصغيرة فى بلادنا ، ولهم اتجاهات وطنية ديموقراطية ، وستكون مهمة الاستعماريين تصفية هذه القوة .. وبناء جهاز موال للرجعيين بجانب تصفية الحركة الجماهيرية .. إن حزبنا مواجه بمهام تاريخية كبرى .. يجب ألا نترك القوى الشعبية تتقهقر" (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 108 ـ 109).

 

      ولما كان على الحزب ، خلال العامين التاليين ، وقبل حدوث الانعطاف فى مواقف الأحزاب الأخرى ضد الانقلاب ، أن يتحمَّل وحده ، على صغر حجمه وقلة إمكاناته المادية ، المسئولية عما أعلنه منفرداً من واجب "عدم ترك القوى الشعبية تتقهقر" فى المعركة ضد الديكتاتورية ، فقد كان عليه أن يدفع وحده أيضاً ، طوال العامين المذكورين ، ثمن ذلك الموقف إلى جانب حلفائه وسط القوى النقابية والديموقراطية ، مدنياً وعسكرياً. فالانقلابيون لم يكونوا بغافلين عن آراء الحزب المعادية للديكتاتورية ، ونشاطاته الرامية إلى تدعيم النظام الديموقرطى البرلمانى. ولذلك فقد استهدفوا الشيوعيين ، منذ أول أسبوع للانقلاب ، بحملة من السياسات المعادية ، والاعتقالات التى طالت قياداتهم ورموزهم ، يساقون إلى مخافر الشرطة ومراكزها لتلتقط لهم الصور وكأنهم من عتاة المجرمين ، فى حين خصص الانقلابيون معاشاً مترفاً ، من أموال الشعب ، لمن مكنهم من الاستيلاء على السلطة والقضاء على النظام الديموقراطى ـ رئيس الوزراء السابق ، والأمين العام لحزب الأمة ، وقتها ، السيد عبد الله خليل الذى كان ، ومن باب الامعان فى التمويه ، قد صرَّح ، قبل يوم واحد من الانقلاب ، للصحف التى سألته عن حقيقة مقالة نشرتها ، أوان ذاك ، "الهيرالد تربيون" وتنبأت فيها بلجوئه للجيش ، بأن الذين يتحدثون عن احتمال انقلاب لا يعرفون أخلاق السودانيين التى تتعارض مع الانقلابات (!) وإلى ذلك أغلق الانقلابيون جريدة (الميدان) ، رغم سماحهم لبقية الصحف الحزبية والمستقلة بمعاودة الصدور. وبالجملة ، فقد بدا واضحاً أن الانقلابيين كانوا يناصبون الشيوعيين العداء من بين جميع الأحزاب ، وأنهم كانوا سيقدمونهم للمحاكمة ، مهما يكن من أمر ، فور حدوث الانقلاب ، و".. إننا نعاقب على رأينا المعروف فى الانقلاب قبل شهرين من حدوثه ، والذى جاهدنا كثيراً لمنعه لإيماننا بأنه مضر بقضيتى الاستقلال والديموقراطية" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 58 ـ 59).

 

     وعندما أدت مراكمات وملابسات مختلفة إلى تغيير القوى السياسية الأخرى لمواقفها من نظام عبود ، إبتداءً من أواخر 1960م ، بادر الحزب إلى طرح أداة (الإضراب السياسى) بينها لإسقاطه. ولعل هذه الحقيقة التاريخية ، وما استتبعتها من وقائع انتهت بالهزيمة الساحقة لتلك الديكتاتورية العسكرية على أيدى الجماهير العزلاء فى ثورة أكتوبر 1964م ، تكفى ، بمجردها ، للكشف عن مدى التعويل ، فى فكر الحزب ، على طاقات الجماهير ، وقواها الديموقراطية المستقلة المتعدِّدة ، حتى فى معاقلها بين صغار ضباط الجيش. وقد شكلت تلك القوى ، بالفعل ، فى مناطق الوعى ، وبين جماهير الانتاج الحديث ، ووسط صغار الضباط، طاقة الدفع الأساسية لإنجاح الاضراب السياسى وانتصار الثورة.

 

     وسوف يعود الشهيد عبد الخالق ، بعد عقد من الزمن ، لتلخيص الاستنتاجات الرئيسة التى تثبت صحة ذلك الموقف ، بقوله إن ثورة أكتوبر واجهت الفئات التى تداولت الحكم منذ 1954م مدنياً وعسكرياً بجملة من الحقائق المذهلة ، أهمها إمكانية أن تنشأ فى السودان حركة سياسية مستقلة عن تلك الفئات ، وأن تتكون هذه الحركة من منظمات نقابية ومهنية وجماعات سياسية لم يكن لها شأن كبير من قبل ، وأن تستطيع نسف حكم قائم بطريقة مفاجئة للفئات ذات المصالح ، وأن تشكل سلطة لا تنتمى إلى تلك الفئات ، بل وأن ينفصل جهاز الدولة عن السلطة الحاكمة وينضم لتلك القوى السياسية فى الاضراب السياسى كعمل ثورى (جريدة أخبار الأسبوع ، 13/3/1969م).

 

     من زاوية أخرى ، فإن طرح الحزب لسلاح (الاضراب السياسى) يشكل ، فى حد ذاته ، وبوضوح تام ، دلالة أخرى على مدى استمساكه بالديموقراطية ، فى معنى وسع المشاركة الجماهيرية المستقلة ، حتى فى مجابهة الديكتاتوريات وكسرها. ففى 29/8/1961م صدر أول بيان من المكتب السياسى للحزب حول (الاضراب السياسى العام) ، فحواه ".. أن الطبقات التى ترتكز عليها القوى الثورية هى الطبقة العاملة والمزارعون والطلبة والبرجوازية الوطنية ، وبالعمل اليومى وسط هذه القوى يمكن أن تعبأ فى إضراب سياسى عام .. يشل النظام .. شللاً تاماً .. إن الإضراب السياسى العام هو توقف الجماهير الثورية عن العمل. ويتم تنفيذه عندما تصل تلك الجماهير إلى وضع لا تحتمل فيه العيش تحت النظام الراهن. إنه عملية وسلسلة وليس ضربة واحدة. وليس المهم هو متى وأين يبدأ .. المهم الارتقاء بالنضال الجماهيرى وتنظيمه ليصل إلى نقطة التنفيذ الشـاملة" (ضمن القـدال ، معالم .. ، ص 119). وبالنظر إلى كون (الاضراب السياسى) أصبح ، منذ ذلك الوقت ، جزءاً عزيزاً من خبرة الجماهير الثورية فى كل من أكتوبر 1964م وأبريل 1985م ، فسوف يعود نُقد ، بعد قرابة الأربعين عاماً ، ليركِّز خبرة (الاضراب السياسـى) باعتباره ".. أداة مجربة وفاعلة لاستعادة الديموقراطية ، وللدفاع عن الديموقراطية التى تعترف مبادؤها بمشروعية انتفاضة الجماهير" ، ليس فقط ضد الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية ، بل وحتى ".. عندما يتنكر الحكام الذين انتخبتهم لمبادئ الديموقراطية". ويخلص السكرتير العام للحزب من ذلك إلى أن تضمين (الاضراب السياسى) و(الانتفاضة) فى البرنامج القادم لهو بمثابة التعبير ، فى سياق هذا الفكر ، "عن الطبيعة الثورية للحزب .. ومسعاه فى أن يواصل تراث الثورة السودانية" منذ الثورة المهدية (مبادئ موجهة ..).

 

      لقد اتخذ الحزب ذلك الموقف الصارم من انقلاب 1958م ، رغم أن ذلك الخيار قد يبدو، للوهلة الأولى ، فوق طاقة الحزب المحدودة ، ورغم أن ثمة ثلاث ملاحظات هامة يمكن أن تطرح ، إلى ذلك ، على النحو الآتى:

    الملاحظة الأولى: أن الانقلاب ، من الناحية الشكلية البحتة ، لم يسلب الحزب سلطة أو حكومة.

    الملاحظة الثانية: أنه وقع تتويجاً لسلسلة من السياسات الحكومية المعادية لروح الاستقلال والديموقراطية ، والتى استهدفت ، فى كثير من جوانبها ، الحزب نفسه والمنظمات الجماهيرية المستقلة. ومن ذلك ، على سبيل المثال:

     أ/ الموقف المتعنت الذى اتخذته حكومة السيد عبد الله خليل بإصرارها على عدم السماح للشيوعيين بتكوين حزبهم الشيوعى الدستورى. لقد ظل الشيوعيون يبدون دائماً حرصاً شديداً على اكتساب حقهم الديموقراطى فى ممارسة نشاطهم السياسى والفكرى فى أجواء الشرعية والعلانية ، على عكس (الفلكلور) الذى يشيعه خصومهم حول (استمرائهم) للعمل من (تحت الأرض) ، ويا له من (فلكلور) بائس سقيم! فالحقيقة التى لا مراء فيها هى أن الشيوعيين ما اضطروا للاختفاء والعمل السرى ، معظم فترات تاريخهم ، على ما يتكبدونه فى ذلك من مشاق ومخاطر فادحة ، إلا بسبب سياسات القمع التى تمارس ضدهم ، لقاء مجاهداتهم المشهودة ، منذ أيام الاستعمار ، فى سبيل انتزاع الحركة الشعبية لحرياتها وحقوقها الديموقراطية ، فلكأن الدوح حرام على بلابله ، حلال على الطير من كل جنس! ولقد أفاد الشهيد عبد الخالق حول هذه المسألة ، فيما بعد ، قائلاً: ".. كان أول نتاج لتلك الحركة الشعبية دستور الحكم الذاتى الذى طبق على بلادنا أول عام 1954م. ومنذ تلك الفترة وأنا أساهم جاهداً مع كل العاملين لتغيير قوانين الاستعمار بالطرق الديموقراطية حتى أتمكن من تأليف حزب شيوعى دستورى. ولقد انتهزت الفرصة عندما صرَّح وزير خارجية السودان محمد احمد محجوب فى اليونان فى منتصف عام 1957م بأن سياسة حكومته تهدف للسماح للشيوعيين بمزاولة أى نشاط يريدونه فى ظل الدستور ، فحررت خطاباً إلى رئيس الوزراء عبد الله خليل أطلب منه أن يقرن قول السيد محجـوب بالعمل ، وأن يتقدم للبرلمان بإلغاء المادة 4 من قانون الجمعيات غير المشروعة ، فصمت عن لا أو نعم! إن هذه الواقعة تؤكد أننى سعيت وأسعى لإيجاد وضع ديموقراطى حق يكفل حرية التنظيم الدستورى لكل مواطن أو جماعة من المواطنين" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 45).

 

       واستطراداً ، فقد وقف الشيوعيون ، منذ البداية ، فى الصفوف الأولى دفاعاً عن الديموقراطية فى البلاد ، وسعوا ، فى مختلف المراحل ، ".. لإعلاء كلمة السلطة التشريعية فوق السلطة التنفيذية ، وقد ابتدأت تظهر نتائج هذا الاتجاه الديموقراطى السليم فى الأشهر القليلة التى سبقت الانقلاب العسكرى. ولو وصلت الأمور إلى نتائجها المنطقية لكانت البلاد تتمتع .. بنظام برلمانى أكثر ديموقراطية مما مضى .. فمنذ إعلان الاستقلال وحتى يوم مصادرة دستور السودان المؤقت ، ما مرَّ أسبوع إلا وكان هناك اجتماع جماهيرى مفتوح يتحدث فيه قادة الجبهة عن المشاكل التى تواجه البلاد ، فشرحنا للشعب أهمية الديموقراطية ، وتعديل القوانين التى ورثت من عهد الاستعمار ، حتى يستطيع الشعب أن يؤثر فى مجرى الحياة السياسية فى البلاد" (نفسه ، ص 54 ـ 55).

       ب/ الروح العدائية ونبرة الوعيد اللتان تعاملت بهما حكومة السيد عبد الله بك خليل ، الأمين العام لحزب الأمة آنذاك ، مع التعبيرت الجماهيرية السلمية المعارضة لزيارة ريتشارد نيكسون  ، نائب الرئيس الأمريكى وقتها ، إلى السودان بغرض تسويق (مشروع أيزنهاور) الاستعمارى ، حيث أصدرت الحكومة بياناً اتهمت فيه "حفنة من الشيوعيين بتهديد الأمن والاستقرار".

    ج/ تعطيل الحكومة للبرلمان فى يونيو 1958م ، عندما بدأت سحب المعارضة تتجمع ضدها ، وتنذر بسحب الثقة منها.

    د/ مماطلتها فى الاعتراف بالاتحاد العام لنقابات عمال السودان وتسجيله.

  هـ/ رد فعلها العنيف فى مواجهة الاضراب الذى قاده الاتحاد بتاريخ 21 أكتوبر 1958م ، بمشاركة 42 نقابة تمثل 98% من مجموع القوى العاملة فى البلاد ، للاحتجاج على تغول الحكومة على حرية العمل النقابى واستقلاله ، ولحملها للدخول فى مفاوضات فورية مع المضربين لمناقشة مطالبهم بتنفيذ بعض الاجراءات الاقتصادية ، كتنويع التجارة الخارجية ، وتأميم القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية ، والتخفيض الفعال فى منصرفات الحكومة. فعلى حين حظى الاضراب والمطالب بمؤازرة قوية من الحزب والجبهة المعادية للاستعمار وجماهير المزارعين والتجار ، بالاضافة إلى طلاب جامعة الخرطوم الذين أضربوا تضامناً ، وبعثوا برسالة إلى اتحاد العمال اعتبروا فيها أن الهجوم على الاتحاد هو الخطوة الأولى نحو حجر الحريات الديموقراطية ، أقدمت الحكومة ، وبالمفارقة لأبسط مبادئ الليبرالية السياسية، على تنظيم (جردة) اعتقلت من خلالها 62 عاملاً ، وحظرت المواكب والتجمعات السياسية فى الخرطوم. وقد وصفت صحيفتا (الأيام) و(الرأى العام) المستقلتان الاضراب بأنه نقطة تحول فى نشاط الحركة النقابية (القدال ، معالم .. ، ص 96 ـ 97). 

    و/ وأخيراً تتويج حزب الأمة لهذه السلسلة من الخروقات لأسس الحياة الديموقراطية بتسليم رئيس الوزراء (الأمين العام للحزب) السلطة لكبار الضباط فى 17 نوفمبر 1958م ، وذلك ، حسب الفريق أبراهيم عبود نفسه ، بموجب "أوامر .. صادرة من رئيس لمرءوس ، وقد قبلتها ونفذتها على هذا الأساس .. عبد الله خليل هو مهندس الانقلاب ، ولو طلب منا إلغاءه فى أية لحظة لفعلنا فوراً" (إفادة عبود أمام لجنة التحقيق فى إنقلاب 17 نوفمبر 1958م ـ ضمن: تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة فى السودان ، ص 208).

 

       ونحمد للسيد الصادق المهدى إقراره غير المسبوق بهذه الواقعة ، بعد مرور أكثر من أربعة عقود عليها (الصحافة ، 10/4/2001م) ، وإن كنا نلمح شيئاً من محاولة (التبرير) التى تنتقص من قيمة (الاقرار) فى استخدامه للفظ (الشبهة) فى وصف دور حزب الأمة ، أو تقديمه لشروحات تحيل الأمر برمته إلى "خلاف فى التقدير" بين رئيس الحزب وبين أمينه العام ، وبناء الأخير "تقديراته" على معلومات بلغته بأن الحزب الوطنى الاتحادى "مجتهد للوصول للحكم" ولو بـ "التآمر" على النظام ، وأنه اتفق مع قيادة الجيش "على أن يكون الاجراء مؤقتاً" ، وأن "تأييد راعى الحزب للانقلاب فى البداية مبنى على سوء فهم" .. الخ (المصدر نفسه). ويلزمنا ، من باب الحرص على مستقبل الديموقراطية فى بلادنا ، التعليق على هامش هذا التصريح المهم بأن من الصعب تصور صلاحيته ، حتى بافتراض الاتفاق على صحته أجمعه ، إلا على سبيل الشرح لبعض الظرف الذاتى لحزب الأمة وقتها ، وتوضيح طبيعة الصراعات التى دارت داخله مع نهاية الخمسينات ، والملابسات التى تم فيها تسليم السلطة من جانب حكومته لأرستقراطية الجيش ، تماماً مثلما لا تصلح الإبانة حول انقسام الحزب الشيوعى أواخر الستينات ، والاطناب فى تفاصيل النشاط المنفلت فكرياً وسياسياً وتنظيمياً لمجموعة السيدين معاوية سورج وأحمد سليمان ، إلا لتسليط الضوء فقط على الظرف الذاتى للحزب وقتها ، والملابسات التى وقع من بينها انقلاب مايو. أما الحقيقة ، بمعايير مؤسسية (التبعات) الحزبية ، فتبقى ماثلة ، فى الحالين ، فى أنه لا القول الأول يصلح لإعفاء حزب الأمة إجمالاً من مسئوليته التاريخية عن إنقلاب كبار الجنرالات فى 1958م ، ولا الثانى يصلح لإعفاء الحزب الشيوعى إجمالاً من مسئوليته التاريخية عن انقلاب (الرواد) فى 1969م. ويبقى المحك هو المدى الذى يستطيع فيه هذا الحزب أو ذاك أن يحوِّل (سالب) واقعه التاريخى إلى (موجب) دروس وعبر.     

       

       الملاحظة الثالثة: أنه ، وباستثناء الشيوعيين  والقوى النقابية ، فإن الأحزاب أجمعها سارعت  لتأييد الانقلاب منذ ساعاته الأولى:

       أ/ فحزب الأمة لم يكتف بتدبيره ، وإنما أضاف تأييده صراحة عبر البيان الذى أصدره راعيه الإمام عبد الرحمن المهدى ، بعد يومين فقط من وقوعه ، دامغاً فيه كل أطراف العمل السياسى بالفشل: ".. فشلوا جميعاً ، ولم تنجح أى من الحكومات .. وأصيب الشعب بالاحباط ، وهاهو يوم الخلاص ، فقد هب رجال الجيش وأمسكوا بمقاليد الأمور ، ولن يسمحوا للتردد والفوضى والفساد بالعبث فى هذه البلاد ، ولقد منَّ الله علينا برجل يقود الحكومة بالحق والصرامة ، فابشروا بهذه الثورة المباركة ، واذهبوا إلى أعمالكم بهدوء وثقة لتأييد رجال الثورة" (تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة .. ، ص 210). وهو البيان الذى سبق أن أوردنا وصف السيد الصادق له بأنه "مبنى على سوء فهم" ، مشيراً إلى "خلاف فى الرأى" ، بين رئيس الحزب السيد الصديق المهدى وأمينه العام السيد عبد الله بك خليل ، حول عملية "التسليم" (الصحافة ، 10/4/2001م). ومع أهمية هذا الهامش الذى ساقه السيد الصادق على متن الحدث ، يظل من الصعب ، بالنسبة لأثر ذلك "الخلاف" على أى تقدير موضوعى لمسئولية الحزب المؤسسية عن الانقلاب ، إغفال ملاحظة أن رئيس الحزب نفسه ".. لم يعارض إستيلاء العسكريين على السلطة (من حيث المبدأ) ، إلا أنه كان يرى أن يكون دور العسكريين .. مرتبطاً بفترة زمنية قصيرة" (تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة .. ، ص 210).

 

       ب/ وحزب الشعب الديموقراطى أيضاً أعلن ، من جانبه ، فى الرسالة التى وجهها راعيه السيد على الميرغنى إلى الشعب فى اليوم الأول للانقلاب: ".. لقد سمعنا بأن الجيش .. تولى مقاليد الحكم .. ونأمل أن تؤدى نوايا ومجهودات الجيش إلى نشر الأمن والاستقرار .. والطمأنينة .. ونسأل الله أن يؤدى ما حدث إلى الخير والنجاح ، وأن يلهم الذين تحملوا المسئولية إلى السداد" (نفسه ، ص 211 ، 212). ومع أنه ليس من المستبعد ، بطبيعة الحال، رد (الحذر) فى ثنايا هذه العبارات إلى عزوف السيد على الميرغنى المأثور عن طرح آرائه بصورة مباشرة ، إلا أنه يبقى وارداً بإلحاح ، فى باب التفسير الأكثر وثوقاً لهذا (الحذر) ، الشك الذى انتاب الختمية ، عموماً ، فى أن يكون النظام الجديد امتداداً عسكرياً لحزب الأمة. فمما يؤكد هذا الشك واقعة تقاربهم ، لاحقاً ، مع النظام فى إثر اتخاذه بعض الاجراءات ذات الدلالة الخاصة فى هذا الاتجاه ، كإبعاد اللواء أحمد عبد الوهاب (المحسوب على حزب الأمة) من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، وتمتين العلاقات مع مصر ، وتوقيع اتفاقية مياه النيل عام 1959م ، فأصبح تأييد الختمية ضرورياً لبقاء النظام ، ولدفع تهمة عدم الشرعية عنه. وهكذا ، عندما قدمت المعارضة مذكرتها لرئيسه عام 1960 مطالبة بعودة الحكم المدنى ، تقدم أغلب قادة الختمية وحزب الشعب الديموقراطى ، وعلى رأسهم الشيخ على عبد الرحمن ومحمد نور الدين ، بمذكرة (كرام المواطنين) فى تأييد النظام العسكرى (نفسه ، ص 212). ولئن كان الكثيرون قد لمحوا (براعة) مشهودة فى صياغة بيان الختمية الأول ، مما جعل موقف التأييد فيه محل استنتاج فقط ، لكون عبارات البيان تعمدت عدم الافصاح المباشر عن هذا التأييد ، فإن (مذكرة كرام المواطنين) التى أرسلت إلى الفريق عبود فى 29/11/1960م جاءت لتعكس ، وبأكثر العبارات إفصاحاً ومباشرة ، موقف التأييد الصارخ للانقلاب ، حتى بعد عامين من وقوعه ، دونما حاجة ، هذه المرة ، إلى طمر المعنى فى (براعة) المبنى ، للدرجة التى بدا فيها هذا الموقف متطابقاً (بأثر رجعى) مع موقف حزب الأمة الأول ، ساعة وقوع الانقلاب. لقد عادت (مذكرة كرام المواطنين) لتصف أهداف (الثورة) التى أعلنها عبود فى (البيان رقم "1") صبيحة 17 نوفمبر 1958م بأنها "أغراض عظيمة" ، وأن الثورة سارت ".. فى عزم وصدق للعمل على تحقيق تلك الأغراض ، وساد البلاد جو من الاستقرار .. ليجنى الشعب ثمرات الاستقلال .. (و) من واجب المواطنين أن يحرصوا .. ويبذلوا كل الجهد، فى أن يسود البلاد جو من الاستقرار .. الخ" (بشير محمد سعيد ؛ الزعيم الأزهرى وعصره ، ص 374 ـ 375 ، ضمن: د. حيدر أبراهيم على ؛ ورقة فى ندوة تقييم التجارب الديموقراطية ..، أنظر: الديموقراطية فى السودان: البعد التاريخى والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، ص 39).

       واستطراداً فسوف يعود الشيخ على عبد الرحمن لتكرار نفس هذا الموقف بعد انقلاب مايو 1969م بقوله: ".. أصبح مجرد التفكير فى الأنظمة الحزبية السابقة وطريقة إصلاحها .. نكسة ورجعة إلى الوراء .. وها هى البلاد التقدمية ، على وجه العموم ، والجمهورية العربية المتحدة (مصر على أيام عبد الناصر ـ الكاتب) ، على وجه الخصوص ، قد قطعت شوطاً كبيراً فى تطبيق نظام الحزب الواحد كأسلوب ديموقراطى يوحد الأمة ، ويحدد خطها السياسى" (على عبد الرحمن الأمين ؛ الديموقراطية والاشتراكية فى السودان ، ص 40). 

 

    ج/ أما الحزب الوطنى الاتحادى فقد بعث أمينه العام خضر حمد ببرقية تهنئة إلى الفريق عبود من القاهرة ، فى اليوم التالى مباشرة للانقلاب ، يطالبه فيها باتخاذ إجراءات ضد الفساد والمفسدين. وكتب فى مذكراته ، فيما بعد ، أنه بعد عودته للسودان قابل المرحوم إسماعيل الأزهرى الذى عبر له عن ثقته فى وطنية عبود وجماعته ، ورأى أن يعطوا الفرصة ليعملوا فلعلهم يوفقون فيما فشلت فيه الأحزاب ، وأنهم لن يضعوا من جانبهم أى عراقيل أمامهم ، وسيفسحون لهم الطريق للعمل المثمر ، لأن المهم هو خير البلد. واقترح عليه أن يزور اللواء أحمد عبد الوهاب ثم عبود ، فقام بالزيارتين ونقل خلالهما رأى أزهرى (مذكرات خضر حمد، ضمن القدال ، معالم .. ، ص 107).

 

     د/ وأما الأخوان المسلمون الذين لم يعاملوا بواسطة الحكم العسكرى الجديد كحزب سياسى ، وإنما كجمعية دينية ، والذين كان نشاطهم محصوراً فقط وسط الطلاب ، فقد أيدوا الانقلاب صراحة ، أيضاً ، حيث كتبت صحيفتهم (الأخوان المسلمون) بتاريخ 1/12/1958م تقول: "إن البداية التى سارت عليها الحكومة فى تصحيح الأوضاع الفاسدة تدعو للاطمئنان" (نفسه).

(2/3/13) وليس ثمة ما هو أوضح ، فى تفسير دوافع الحزب الشيوعى لاتخاذ ذلك الموقف المتفرِّد من انقلاب نوفمبر 1958م ، من وثيقة المؤتمر الرابع ، بعد تلك الأحداث بعدة سنوات (أكتوبر 1967م) ، والتى أوردت ، فى سياق تحليلها لوقائع تلك الفترة: ".. لقد أدى العجز الموضوعى للنظام .. فى مواجهة قضايا ما بعد الاستقلال .. إلى أزمة حادة فى البلاد. يقابل هذا نمو متزايد فى العناصر الثورية ، وخاصة الحزب الشيوعى ، بين الحركة الجماهيرية ، وكان زمام المبادرة فى يد القوى اليمينية المتطرفة ، فنقلت الصراع الطبقى من حيزه السلمى إلى دكتاتورية عسكرية موجهة فى الأساس إلى صدر القوى الديموقراطية. فما عجزوا عنه بالصراع السلمى أرادوا تحقيقه بالصراع الدموى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 108).

(2/3/14) وإلى ذلك كله ، فإن ثقلاً معتبراً من الجهد الفكرى والسياسى الذى ظل الحزب الشيوعى يبذله ، طوال تاريخه ، وبخاصة فى جبهة الصراع مع الاتجاهات التصفوية داخله ، قد انصب على المنافحة عن ديموقراطية الحركة النقابية ، كتنظيمات مهنية تعمل على تحسين أوضاع أعضائها ، بصرف النظر عن تباين انتماءاتهم السياسية ، والتفريق بينها وبين الأحزاب كتنظيمات طبقية تستهدف السلطة بالأساس. وذلك ، رغم الدور التاريخى الفعال الذى لعبه الحزب فى تأسيس تلك النقابات ، والمراكز القيادية المرموقة التى تبوَّأها الكثير من كادره فيها بالانتخاب الديموقراطى ، الأمر الذى كان من الممكن أن يشكِّل إغواءً حقيقياً له باستسهال العمل على تجييرها لخدمة أهدافه السياسية المباشرة.

 

       ويلزمنا ، هنا ، ومن باب الدقة والاستقامة الواجبة ، أن نسارع للقول بأن الحزب لم يكن نادراً ما يشهد بروز مثل هذه الاتجاهات فى تاريخه. فقد برز ، على سبيل المثال ، عام 1970م ، ضمن وقائع الصراع الذى احتدم داخله ، عقب إنقلاب مايو ، الاتجاه لدعوة السلطة للتدخل لضمان سيطرة القوى التقدمية على قيادة الحركة النقابية: (حاسم حاسم يا ابو القاسم) .. الخ! غير أن التيار الغالب وقتها (جناح عبد الخالق) تصدى لهذه الدعوة المنحرفة بحزم ، حيث أكدت مجلة (الشيوعى) فى حينها: "أن تحرير الجماهير العاملة من نفوذ الطبقات الرجعية لا يتم بقرار إدارى تصدره السلطة .. (و) أن التنظيمات الديموقراطية ليست أجهزة رسمية ، بل أدوات شعبية فى يد الجماهير ، ويجب أن تظل كذلك ، وقد ناضل الحزب الشيوعى فى كافة الظروف لتحافظ تلك التنظيمات على هذه الصفة" (م/الشيوعى ، ع/134).

       ونسارع ، أيضاً ، لتأكيد ما سبق ذكره من أننا ، بإيرادنا لهذه الواقعة ، لا نرمى إلى تبرير سلوكيات سياسية فاسدة ارتكبها أعضاء نافذون فى قيادة وقواعد الحزب ، أو إبراء ذمة الحزب نفسه من المسئولية عنها بالكلية ، بقدر ما نهدف إلى إضاءة جوانب من الصراع داخله حول إحدى أهم القضايا المركزية فى تاريخنا السياسى الحديث: قضية الديموقراطية.

 

 

 

(3)

 

 (3/1) لكن ، ولئن كان ضرباً من المكابرة الغليظة الادعاء بأن موقف الشيوعيين السودانيين من الديموقراطية الليبرالية ظل قائماً باتساق لا يتغير طوال الوقت ، فإن من فساد النظر اللاتاريخى ، الذى لا يرتب درساً ولا يخلف عبرة ، عدم استصحاب المسببات والعوامل التى دفعت بالحزب ، فى بعض معارج تاريخنا السياسى المعاصر ، إلى حال التراجع عن استمساكه القديم بتلك الديموقراطية. إن من بين مقاصد هذا المقال الحضَّ على الاعتبار بدروس هذه (المسببات والعوامل) ، ليس من جانب الشيوعيين وحدهم ، بل ومن جانب كافة أطراف الحركة الوطنية فى بلادنا ، إذا كنا نروم ، حقاً وفعلاً ، فتح طريق سالكة لتحقيق أهداف هذه الحركة ، بتجاوز أخطاء الماضى التى إن وجب تحميل الشيوعيين نصيبهم فيها ، فإنه لا يجوز أن يعفى الآخرون أنفسهم من أى قسط منها ، اللهم إلا بالمصادمة لحقائق التاريخ الباردة ومنطقه الصارم. ومن بداهات الوجدان السليم انتفاء الحكمة عن تصوُّر الدوح حراماً على بلابله ، حلالاً على الطير من كل جنس (!) رغم أن عبرة التاريخ التى لا بد قد (تجرعها) الجميع ، الآن ، حتى الثمالة هى أن (الاعتداء) على الديموقراطية ليس (دوحة) يمكن لعاقل أن يتفيَّأ ظلها ، بل هى (حمارة القيظ) ذاتها!!

      نعم ، لقد حدث أن تراجع الشيوعيون ، بالفعل ، فى فترات من هذا التاريخ ، عن لغة ذلك الخطاب (الديموقراطى الليبرالى) القديم ، المتوطن فى مبادئ الحريات العامة والحقوق الأساسية ، وانقلبوا يبحثون عن (ديموقراطية أخرى) تتمتع بها فقط الجماهير الشعبية الوطنية والديموقراطية بينما تحرم منها الفئات المعادية للثورة الديموقراطية (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 132) ، وأطلقوا على ذلك مصطلحات (الديموقراطية الثورية) و(الديموقراطية الجديدة) وما إلى ذلك من الطروحات التى لطالما سحبت أقدامهم ، فى فترات معلومة من تاريخهم ، للتورط فى تدبير انقلابات ، ودعم انقلابات ، والتعاطف مع انقلابات ، مما كان ينسجم ورؤيتهم التى تبلورت ، وقتها ، حول إشكالية الصراع السياسى ، وسلطة الحزب الواحد ، والشمولية ، وذلك بفعل تلك (المسببات والعوامل) التى يتوجب على الجميع  التمكُّث فى تأملها بتجرُّد ودراستها برويَّة.

 

(3/2) فمع أن تلك الرؤية لم تكن مفتقرة أصلاً إلى التأسيس النظرى فى قلب التربة الفكرية للماركسية اللينينية ، وتحديداً طبعتها الروسية التى سعت لتعميم هجائيات الديموقراطية الليبرالية من واقع خبرة الثورة العظيمة فى ذلك البلد البعيد بظروفه الخاصة ، بالاضافة إلى تأثيرات الحركة الشيوعية العالمية وحركة اليسار ، عموماً ، فى العالم وفى المنطقة ، بمحدِّداتها الموضوعية والذاتية ، وأشراطها التاريخية المعلومة ، إلا أنه يقع صحيحاً أيضاً القول بأنها ، وبرغم كل ما أبداه الحزب من مقاومة لإغواء الانكفاء على النصوص ، تسربت إلى فكر الحزب ، بخاصة ، من بين ملابسات الاعتداءات والمخاشنات المتواترة والمحبطة ، باسم ذات الليبرالية فى الممارسة الديموقراطية البرلمانية السودانية ، ضده وضد الحركة الجماهيرية المستقلة كلها ، على يد ذات القوى التقليدية التى سبق ، للمفارقة ، أن أعلنت ارتضائها بها منهجاً للحكم وللحياة السياسية فى البلاد:

 

       أ/ فمنذ مطالع الاستقلال عمدت تلك القوى لاختزال كل قيمة له ، وأى معنى يمكن أن ينطوى عليه ، فى محض (عَلـَم) يُرفع ، و(سلام جمهورى) يُعزف ، وربما (عملة وطنية) أضحت دولة بين الأغنياء بخاصة! ولم يكن شعار (تحرير لا تعمير) ، فى تلك الفترة ، غير صياغة شديدة الإحكام لتلك الرؤية الخرقاء. وكما لاحظ بعض الباحثين فقد "كان النظام البرلمانى بالنسبة للأحزاب التقليدية وسيلة شرعية لفرض سيطرتهم ، وليس أداة لتأسيس الديموقراطية فى السودان. وقد تبين ذلك فى المواقف غير المبدئية وتغيير التحالفات وتحوُّل النواب البرلمانيين من معسكر إلى آخر" (حيدر أبراهيم على ؛ المجتمع المدنى والتحوُّل الديموقراطى فى السودان ، ص 50).

       ولقد توَّجت تلك القوى ، كما ذكرنا ، مسلسل خروجها المتكرر على أسس الديموقراطية البرلمانية الليبرالية ، خلال الأشهر القلائل التى أعقبت الاستقلال ، وفى سياق صراعاتها الكيدية فيما بينها حول كراسى الحكم ، وبَرَمِها بمطلب توسيع رقعة الحريات والحقوق السياسية ، كقضية لا تنفصل عن النضال ضد تغلغل الاستعمار الحديث ، وذلك بإقدامها على وضع السلطة ذاتها ، فى 17 نوفمبر 1958م ، فى أيدى كبار الجنرالات بـ (تعليمات) من المرحوم عبد الله بك خليل ، الذى لم يسجل تاريخ حزب الأمة ، حتى الآن ، على ضخامة التغييرات الفكرية والسياسية والتنظيمية التى شهدها عبر مسيرة تطوره ، أية محاسبة سياسية له ، أو مراجعة تتسم بالمباشرة والشفافية لتلك (الكارثة) التى ورط حزبه والبلاد بأسرها فيها، فكبدت الشعب ست سنوات من الحكم الشمولى ، باستثناء ما سلف إيراده من إشارة السيد الصادق المهدى عالية القيمة ، وغير المسبوقة ، على ما شابها من مسحة التبرير (الصحافة ، 10/4/2001م).

 

     ب/ وفى أعقاب ثورة أكتوبر 1964م لم يهدأ للقوى التقليدية بال حتى قطعت أمرها فيما بينها للاجهاز على حكومة الثورة الأولى. ثم سرعان ما أعدت كامل عدتها للانقضاض على الحزب ، وتدبير حله ، وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية ، بالاستناد إلى أصوات الأغلبية الميكانيكية داخلها ، والمشاعر البدائية المنفعلة بالتحريض الغوغائى خارجها ، مما أسماه عبد الخالق (عنف البادية) الذى أطلقته القوى التقليدية من عقاله ، مدججاً بكل ما أوتى من همجية وأسلحة بيضاء ، لمهاجمة الشيوعيين ودور حزبهم ، بهدف قطع الطريق نهائياً أمام الاندياح الملحوظ آنذاك لنفوذه بين الجماهير ، مستغلة فى ذلك حادثة معهد المعلمين العالى الشهيرة ، والمشكوك فى أمرها ، عام 1965م ، والتى أريد لها أن تفجر الفتنة بحديث مجترىء على الدين لطالب مجهول الهوية ، جرت نسبته إلى الحزب فى هستيريا من الغوغائية ، والعجلة ، واللهوجة ، وعدم الرغبة فى التثبت. بل إن نائب حزب الأمة محمد ابراهيم خليل ، لم يجد فى نفسه حرجاً كى يعلن على رءوس الأشهاد ، وفى لحظة صدق نادرة وكافية لفضح المسكوت عـنه فى مهـرجان التباكى على الديـن الذى تم نصـبه فى جلسـة البرلمـان بتاريـخ 15/11/1965م ، أنه "ليس من المهم إن كان (ذلك) الطالب شيوعياً أم غير شيوعى"!! (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 155). ومن عجب أن يقال ذلك تحت عنوان (الدفاع عن الديموقراطية)!! فبعد أن تقدم محمد احمد محجوب ، زعيم الجمعية ورئيس الوزراء ، فى تلك الجلسة ، بطلب إلى رئيس الجمعية برفع المادة (25/8) من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر (عاجل) ، تلى الرئيس اقتراحاً تقدم به ستة أعضاء يقول: "إنه من رأى هذه الجمعية التأسيسية .. ولتجربة الحكم الديموقراطى فى البلاد (!) وفقدانه للحماية اللازمة لنموه وتطوره (!) .. أن تكلف الحكومة للتقدم بمشروع قانون يحل بموجبه الحزب الشيوعى السودانى" .. الخ!! (نفسه ، ص 154).

 

      وإذاً ، فكل معضلات ما بعد ثورة أكتوبر ، وكل مصاعب إعادة بناء ما خربته الديكتاتورية العسكرية على كافة الأصعدة الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، وجبهة الحرب فى الجنوب ، وجبهة العلاقات الخارجـية ، كان سببه ، ببساطة ، الحزب الشيوعى !! وبحله وطرد نوابه من البرلمان سوف تستقيم الأمور كلها ، وتتوطد تجربة الحكم (الديموقراطى) (!) ، وتكتسب المناعة المفقودة ، واللازمة لنموها وتطورها (!)

      وما أن فتح باب (الخطب) ، حتى انبرى (خطباء) المؤسسة التقليدية ، يهرفون بما لا يعرفون ، ويكيلون للحزب تهماً إنشائية لم يستشعر أى واحد منهم وازعاً من ضمير كى يكلف نفسه بالوقوف على شئ من حقيقتها ، ولو بالحد الأدنى من قيم القسط والعدل مما يحض عليه الاسلام الذى راحوا يتحشدون باسمه ، دع عنك أى  مستوى من المسئولية تجاه الشعب والوطن. فالدكتور الترابى ، مثلاً ، لم يكن أقل صراحة من السيد محمد ابراهيم خليل فى الاعتراف بالنية المبيتة لحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان ، بصرف النظر عن حديث الطالب الغِر. ووجه زعيم جبهة الميثاق الاسلامى ، آنذاك ، خمس تهم للحزب هى: الإيمان ، الأخلاق ، الديموقراطية ، الوحدة الوطنية ، الاخلاص للوطن !! (نفسه ، ص 155). أما المرحوم نصر الدين السيد فقد جحد الشيوعيين حتى نضالهم ضد ديكتاتورية عبود ، ومشاركتهم فى استعادة النظام الديموقراطى البرلمانى الليبرالى (!) قائلاً: "إن الحزب الوطنى الاتحادى هو الحزب الوحيد الذى وقف ضد الحكم العسكرى من ميلاده إلى مصرعه"!! ولم يفته ، بالطبع ، أن يدلى بدلوه فى مهرجان (التكفير) المنصوب تحت قبة (البرلمان الديموقراطى) فراح يتهم الشيوعيين بأنهم ".. يلقنون أبناءنا بأن الله لا وجود له وأن هذا الدين خرافة!!" وعندما ألفى نفسه مضطراً لإثبات ما يقول ، لم يتردد فى إبلاغ نواب الشعب الذين ينتظر منهم إصدار أحد أهم وأخطر القرارات فى تاريخ البرلمانية السودانية: "هذا ما قاله لى أخ قادم من موسكو ، قل أعوذ بالله من هذا .. وأطلب من الله عز وجل أن يحيينا مسلمين ويميتنا مسلمين إن شاء الله !!" (نفسه ، ص 156)       

      صوت واحد ارتفع من وسط كل (زفة) التهريج التى شهدتها تلك الجلسة ، مشحوناً بكل دلالات الحكمة ، والشجاعة ، وصدق المواجهة مع النفس ، وأمانة النيابة عن الشعب. فلقد أتيح للسيد  حسن بابكر الحاج ، نائب الدائرة (3) عن الوطنى الاتحادى ، أن يلمح وراء تلك التعبيرات الملتبسة المخاتلة بشاعة الاتجار بالدين ، والمنطق المقلوب على رأسه ، فنهض ينبه الأذهان الغافلة ، ويسدى النصح لكل من ألقى السمع وهو شهيد: "إن هناك طالباً سفيهاً يقال إنه أساء للرسول الكريم والدين الاسلامى ، فقامت مظاهرات .. تطالب بحل الحزب الشيوعى. ولنفترض أن أحد أعضاء الحزب الوطنى الاتحادى تفوه بمثل ما تفوه به الطالب السفيه ، فماذا يكون موقف الوطنى الاتحادى"؟ ثم خاطب النواب قائلاً: "رجائى أن تتركوا الحماس جانباً وتحموا الديموقراطية التى عادت إلينا بعد تضحيات .. فتأكدوا أنها ستنزع برمتها منكم كما انتزعت فى الماضى .. ولا أريد أن أسجل حرباً على الديموقراطية. فخير لأبنائى أن يدفنونى شهيداً من شهداء الديموقراطية بدلاً من أن أعيش فى عهد توأد فيه الديموقراطية" (نفسه).

      ولكن الديموقراطية وئدت ، وما من سميع ، ولا من مجيب! وئدت برغم الرأى العام الغاضب خارج البرلمان ، وبرغم كلمات الحق التى جلجلت فى حديث السيد نائب الوطنى الاتحادى ، وبرغم الكلمات الحارة لنواب الحزب الشيوعى فى دحض التهم التى ما انفكت تتطاير فى أرجاء القاعة ، ومن ذلك تأكيد نائب الخريجين ، آنذاك ، محمد ابراهيم نقد على أن الحزب الشيوعى برئ من تهمة الالحاد التى يحاولون إلصاقها به ، وأن موقف الحزب من الدين واضح فى دستوره ، وفى تاريخه الطويل ، وتاريخ أعضائه ، وتأكيده أيضاً على انهم لا يقولون ذلك عن خوف ".. وإننا لا نخاف ، فلم نتعود الخوف فى الماضى ولن نتعوده اليوم" (نفسه ، ص 157).    

         

      ومع أن الحزب أصر على التمسك بالديموقراطية ، والسير فى طريقها حتى نهاية الشوط، فطرق أبواب القضاء ، ونجح ، بالفعل ، فى استصدار حكم ببطلان تلك القرارات ، إلا أن القوى التقليدية ، إمعاناً منها فى مصادمة البداهة الديموقراطية ، أعلنت ، جهاراً نهاراً ، رفضها الانصياع لكلمة القضاء المستقل ، واصفة حكمه بأنه (تقريرى) لا إلزام فيه. وأصدر د. حسن الترابى ، أحد أبرز وأنشط المنظرين لذلك الموقف كراسة كاملة سعى من خلالها حثيثاً لنفى أية قيمة لقضاء المحكمة العليا ، الصادر فى 22/12/1966م ، ببطلان مجمل (الاجراءات) التى اتخذتها الجمعية التأسيسية بتعديل الدستور ، فى 22/11/1965م ، لحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان، باقتراح من د. الترابى نفسه، فى جلسة 16/ 11/ 1965م، وكذلك لإثبات قيومية قرارات الجمعية التأسيسية على أحكام القضاء ، حتى لو قفزت تلك القرارات من فوق نصوص الدستور ، أو صدرت بالمصادمة لضمانات الحريات العامة والحقوق الأساسية فيه (د. حسن الترابى ؛ أضواء على المشكلة الدستورية: بحث قانونى مبسط حول مشروعية حل الحزب الشيوعى ، يناير 1967م).

     وكم كانت لاذعة ، فى هذا الشأن ، كلمة الاستاذ محمود محمد طه ، رغم خلافه الفكرى هو نفسه مع الماركسية ، فى كتابه الذى أصدره ، بالمقابل ، وفى معرض الرد على د. الترابى تحت عنوان (زعيم جبهة الميثاق الاسلامى فى ميزان: الثقافة الغربية ـ الإسلام ، أضواء على المشكلة الدستورية) حيث وصف كتاب د. الترابى بأنه: "لا قيمة له ولا خطر ، لأنه متهافت، ولأنه سطحى ، ولأنه ينضح بالغرض ويتسم بقلة الذكاء الفطرى" (ضمن القدال، معالم .. ، ص 161).

 

(3/3) ولئن كانت المنطلقات الفكرية للدكتور الترابى ، ودوافعه السياسية ، معلومة بدرجة لا يعود معها ثمة سبب للدهشة بإزاء ما يصدر عنه فى هذا الشأن ، فإن المرء ليحتار كثيراً فى موقف زعيم سياسى آخر ، يختزل نموذجه مواقف كل الديموقراطيين الليبراليين إبان تلك الأزمة ، لكونه أبرز من ارتبط بالديموقراطية البرلمانية الليبرالية فى السودان ، طوال حياته، بل وبعد رحيله ، وهو المرحوم إسماعيل الأزهرى. فعندما اتجهت المظاهرات الهستيرية التى دبرها (الأخوان المسلمون) إلى منزله ، عقب صلاة الجمعة 13/11/1965م ، داعية إياه ، بوصفه رئيساً لمجلس السيادة آنذاك ، للانضمام إلى (جردة) الاعتداء على الحريات والحقوق الدستورية ، لم يستنكر رافع العَلـَم ، وواضع كتاب (الطريق إلى البرلمان)، ورئيس أول حكومة وطنية تشكلت عبر صناديق الاقتراع ، أن تدعوه الهتافات الغوغائية للقفز من فوق كل المبادئ والأسس الديموقراطية ، ولم يستنكف أن يبدى ، على عكس المتوقع ، إستجابة مدهشة ، وحماسة محيرة ، حين وقف يخاطب حشود (الهتيفة) من شرفة المنزل ، مؤكداً لهم أنه معهم (!) ومعلناً ، بالاستباق لكل ما يمكن أن تتمخض عنه المداولات المؤسسية من قرارات ، أن الحكومة والجمعية التأسيسية (سوف تضعان) حداً لهذا الفساد (!) بل ومهدداً ، فوق ذلك ، وبكل وزنه السياسى وثقله التاريخى وجاذبيته الشعبية ، بأن الحكومة والجمعية التأسيسية إن لم تفعلا ذلك ، فإنه سوف (ينزل بنفسه) مع تلك الحشود إلى الشارع لتطهير البلد (!) (المصدر ، ص 153).

      فضُّ الحيرة بإزاء هذا الموقف المتناقض نلتمسه فى إحالة الأمر برمته إلى أزمة الشكلانية فى فهم وممارسة الديموقراطية لدى الأحزاب السودانية الكبيرة وقادتها المؤثرين ، والزعيم الأزهرى فى مقدمتهم بلا ريب. ونجد أنفسنا متفقين تماماً ، فى هذا الاتجاه ، مع تحليلات د. حيدر أبراهيم على الصائبة ، المنطلقة من فرضية مؤداها أن ".. الديموقراطية الشكلية ، التى تنسى جوهر ومبادئ الديموقراطية ، قد غلبت طوال تاريخ السودان السياسى. فقد انصب الاهتمام على الحزبية البرلمانية ، وقوانين الانتخابات ، والدستور ، وإجراءات النقاش ، وفصل السلطات .. الخ. و .. إسماعيل الأزهرى .. دشن هذا الاتجاه بكتابه (الطريق إلى البرلمان) ، وامتد هذا التصور حتى الديموقراطية الثالثة .. (و) تظهر شكلانية الأزهرى فى فهمه للديموقراطية من خلال غياب تعريف وتحليل ومحاورة لفلسفة الديموقراطية ومحتواها .. فهو يفتتح الكتاب بالحديث عن قواعد النظام البرلمانى ، وليس عن أسسه وخلفيته الفكرية أو الاقتصادية ـ الاجتماعية التى أوجدته فى التاريخ الإنسانى. وكأنه يرى أن تقليد .. القواعد .. كفيل بخلق نظام برلمانى ديموقراطى". ويمضى د. حيدر فى تحليلاته قائلاً: "فى تلك الفترة من تاريخ الحركة الوطنية السودانية كان من المفترض أن تطرح القضايا الأساسية التى تواجهنا اليوم ، مثل الهوية ، العلاقة بين الدين والدولة ، التنمية المتوازنة ، الثورة الثقافية والتعليمية .. (خاصة وأن) الحركة الوطنية كانت تحت قيادة الخريجين .. و .. كانت أندية الخريجين .. منابر نقاش وحوار ، ولكن مع اقتراب الاستقلال تغلب السياسوى والحزبى على .. الفكرى والتنظيرى". ويقارن د. حيدر بين حالتنا وحالة بلدان أخرى فى نفس تلك الفترة ، حيث ".. عرف العالم زعماء مفكرين .. مثل نهرو .. ونكروما .. كانوا رجال دولة .. لهم إسهامات فى الكتابة السياسية. من هنا يأتى التوقع الذى لم يتحقق بضرورة أن يرتكز كتاب مثل (الطريق إلى البرلمان) على تنظير ما ، وتفكير تأسيسى لصورة سودان المستقبل". ثم يخلص الكاتب إلى أنه و ".. رغم أهمية الكتاب فى توصيل قواعد النظام البرلمانى لعامة الناس .. ولكن غاياته متواضعة ، وتقل عن واجبات الزعامة الحقيقية فى تربية شعبها ، وإيقاظ وعيه ، وتعميق هذا الوعى" (د. حيدر أبراهيم على ؛ ورقة فى ندوة تقييم التجارب الديموقراطية .. ، مرجع سابق ، ص 33 ـ 35).

 

(3/4) بإجهاز القوى التقليدية ، إذاً ، على حكومة ثورة أكتوبر الأولى ، وفشلها فى النهوض بالمهام التى طرحتها الثورة ، وإدارتها الظهر لقضايا التنمية ، وعجزها عن إيقاف الحرب الأهلية فى الجنوب ، وانصرافها عن تعميق الديموقراطية لشن حربها (المقدسة) ضد الحزب الشيوعى وقوى الدفاع عن هذه الديموقراطية تارة ، وللانشغال بصراعاتها الداخلية ، وانشقاقات أجنحتها المختلفة ، تارة أخرى ، ثم انغماسها فى ترتيبات ما أسمته بـ (الدستور الاسلامى) ، متوهمة فيه حلاً لجميع مشكلاتها ، بل وتأبيداً لسلطتها فى وجه حركة جماهيرية أضحت تتهددها بـ (التجاوز) ، تكون قد أتمت عملية إجهاض الثورة ، بزاوية انحراف كاملة ، وارتكست بالبلاد كلها فى حمأة تعانف عبثى انتهى بها جدلياً إلى إنقلاب البكباشى جعفر نميرى صبيحة 25 مايو 1969م.

      نتريث هنا لنقرأ للسيد الصادق المهدى عن بعض وقائع تلك الفترة أن تحالف الجبهة الوطنية المتحدة ضد عبود إستمر حتى ثورة أكتوبر ".. ولكن بعد ثورة أكتوبر ظهرت قوى يسارية تريد أن تتجاوز التركيبة السياسية الموجودة ، وكونت جبهة الهيئات ، وتم تكوينها خارج الجبهة الوطنية المتحدة" (صحيفة الرأى العام ، 31/3/2001م). السياق الوارد فيه هذا الحديث يستتبع فهماً محدداً يفيد أولاً: أن الأحزاب التقليدية المتحالفة فى إطار الجبهة الوطنية المتحدة هى وحدها التى تمثل "التركيبة السياسية الموجودة" (!) وثانياً: أن صفة وجود هذه التركيبة السياسية هى الديمومة والثبات الأزليين (!) وثالثاً: أن هذه التركيبة وحدها هى التى يحِلُّ لها تشكيل التحالفات ، فليس ثمة خيار أمام اليسار سوى الالتحاق بها إن أراد أو .. الانتحار (!) ورابعاً: أنه ، فيما عدا ذلك ، يُحرَّم على اليسار عقد أى تحالفات أخرى مما قد يتوسَّل به إلى تجاوز هذه التركيبة الموجودة (!)

 

      فإذا أضفنا إلى كل ذلك أن هذه المعادلة ، التى لطالما تسببت فى الإضرار بمسيرة التطور الديموقراطى فى البلاد ، بقيت قائمة بثبات لا يتزحزح ضمن شروط القوى التقليدية لممارسة (الشراكة الديموقراطية) ، سواء بمصطلح (التركيبة السياسية الموجودة) ، أم بمصطلح (الأحزاب الكبيرة) ، الذى يتردد الآن كثيراً فى ملابسات التفكيك الجارى فى جبهة القوى الساعية ، افتراضاً ، لاسترداد الديموقراطية ، فإننا لا نستطيع ، والأمر كذلك ، مقاومة إلحاح السؤال عن جدوى أية حركة سياسية ، أصلاً ، طالما كان محكوماً عليها بأن "تعيش أبد الدهر بين الحفر" ، ومكتوباً عليها ، حتى قبل ولادتها ، بألا تطمح للانطلاق ، أو التخطى ، أو (التجاوز)؟! وإذا كان النهج الديموقراطى ، إجرائياً ، هو جماع أشراط وقواعد يتم التواثق على (الشراكة) فى صونها ، والتحاكم إليها ، بين أطراف مختلفين ، فمن ذا الذى يمكن أن يقبل التواثق ، مع كائن من كان ، على صون أشراط مستحيلة كهذى ، أو التحاكم إليها؟! أية هِمَّة يمكن أن ترتفع تحت قبضة هذا الشرط الخانق بأن يبقى الكبير كبيراً والصغير صغيراً إلى الأبد ؟! من ذا الذى يضع الأنشوطة بيديه حول عنقه ؟! وأى عاقل هذا الذى يقنع بأن "يذود الطير عن شجر وهو يبلو المر من ثمره" ؟!

 

    ويلزمنا هنا أن نسارع إلى التأكيد على أن اختلاف الرؤى السياسية ليس مدعاة ، بالقطع ، لجحد السيد الصادق جهوده الفكرية الرفيعة ، وبخاصة أطروحاته الفقهية المجدِّدة فى حقل الاسلام السياسى المعاصر ، وأبرزها سعيه الجرئ لتوطين حقوق الانسان والديموقراطية نفسها فى تربة الإسلام ، وكذا استقامته الشجاعة فى الاعتراف بالخطأ فى قضية حل الحزب الشيوعى ، والاعتذار عنه ، ولو بعد عشرين عاماً ]]]] بقوله إن "ما حدث كان انفعالاً .. إن الذى حدث فى موضوع حل الحزب الشيوعى كان موقفاً سياسياً غير محسوب نتج عن موقف انفعالى" (حديث لمجلة طلاب جامعة الخرطوم عام 1985م ـ ضمن القدال، معالم ..، ص 162). ولكننا مع كل ذلك ، بل ولكل ذلك ، لا نستطيع أن نخفى حيرتنا ، هنا ، من أن يكون المجتزأ المنقول أعلاه من حديث الرجل لصحيفة (الرأى العام) عن (اليسار والتركيبة السياسية الموجودة) هو أحدث إفاداته (31/3/2001م) حول قضية ظل يضع عنقه ، لأجلها ، تحت ظل السيف ، وبخاصة خلال النصف الأول من عقد التسعينات ، وببسالة لا تنكرها العين إلا من رمد ، ولا يجحدها إلا من تقاصر عن خلق الفرسان ـ قضية الديموقراطية والحريات الليبرالية. ومن ثمَّ وجب ، بل أصبح من حقه علينا ، استيضاحه حول هذا التناقض المحير فى شأن مسألة كانت ، وما تزال ، وسوف تظل ذات أثر وخطر عظيمين بالنسبة لمستقبل تطوُّرنا السياسى بأسره: هل الديموقراطية مطلوبة ، حقاً وفعلاً ، لإحسان تدافعنا (بالمصطلح القرآنى) ، طالما أنه لا مناص من هذا التدافع ، ولا فكاك ، ولا مهرب ، وذلك بإدارته فى أرفع مستويات السلم والتحضر والعدالة وحكم القسط ، أم هى مطلوبة ، فحسب ، لتجميل استقواء (التركيبة الموجودة) على (التركيبة الطامحة) ، مع اتخاذ كافة التدابير الأخرى اللازمة لتأبيد سطوة الأولى على الأخرى ، حتى لو اقتضى الأمر المخاطرة بتجميد الدم فى شرايين الحياة الديموقراطية ذاتها ، وكتم أنفاسها ، كما جرى فى نوفمبر 1958م ، ومايو 1969م ، ويونيو 1989م ؟!

 

      هنا ، وبسبب مثل هذه النماذج على وجه التحديد ، ولكيلا تهوى نقيصة (الالتباس) بفضيلة (الاعتراف) ، خصوصاً عندما يصدر من رجل فى قامة الصادق المهدى الفكرية والسياسية ، تتبدى ساطعة جدوى المطالبة بتطوير إيماءة (الاعتذار) ، على بهائها ، إلى موقف (نقد الذات) قطعى الورود والدلالة.

 

(3/5) مهما يكن من أمر ، فالمؤكد أن تلك الأحداث ، التى لم تحظ عبرتها ، فيما يبدو حتى الآن ، بما يكفى من الاعتبار ، سوف تبقى راسخة فى ذاكرة التجربة الديموقراطية فى بلادنا ، كعلامة بارزة على أزمتها العميقة المتوطنة فى طابعها الشكلانى ، وارتهانها لشيوع مفاهيم القطاع التقليدى ، فى أفق الفكر السياسى للأحزاب والقوى التى ما انفكت تفرط فى هذه الديموقراطية ، المرة تلو المرة ، بأعجل ما تيسر ، كى تعود ، المرة تلو المرة ، بأبطأ ما تيسر ، لتسلخ أعماراً بأكملها فى مناجزة الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية ، بأفدح التضحيات وأبهظ الأثمان ، ما بين صقيع المهاجر والمنافى ، ووحشة السجون والمعتقلات ، وقطع الأرزاق ، بل وقطع .. الأعناق فى أقبية التعذيب ، وساحات الاعدام ، وطقوس الطمر الليلى فى المقابر الجماعية المجهولة!

      إن القوى السياسية التقليدية ـ باندفاعها فى أعقاب ثورة أكتوبر على طريق الاستهداف لوجود الحزب الشيوعى ، شلاًّ لنشاطه ، ومحاولة للحدِّ من تأثيره ، وتحجيم دائرة نفوذه ، وباستخدامها (الديموقراطية البرلمانية الليبرالية) ذاتها ، للمفارقة ، معولاً لحله ، ولطرد نوابه من الجمعية التأسيسية ، وللانتقاص من سلطان القضاء المستقل ـ إنما كانت تسدِّد ، فى الواقع ، طعنة نجلاء ، لا لصدر الحزب وحده ، بأرواحه التسعين ، أو لصدر الديموقراطية الليبرالية فقط ، بالمصادمة لكونها استقرت كقانون ثابت للتطور فى بلادنا ، بل ، فوق ذلك كله وقبل ذلك كله ، لصدرها هى نفسها ، ولمستقبل تبحبحها فى أكناف مقاصدها ، حيث ضيَّقت واسعاً أمام حركتها لما ضيقت واسعاً أمام حركة الحزب ، وأحبطت (ملاذاتها الآمنة) حين أحبطت قبوله القديم بمبدأ (الشراكة) وفق أشراط الديموقراطية الليبرالية وقواعدها ، وأتمت شرط وقفتها على شفا جرف هار يوم حددت (وصفه الوظيفى) المستحيل فى كونه محض (ديدبان) يذود الطير عن ثمر ديموقراطيتها المر ، وفى كونه يندب ليوم الكريهة ، فحسب ، يوم تتلبد سماء الوطن بسحب القمع السوداء ، وينوء ليل البطش الباطش بكلكله على صدره ، "يدعى إلى الحرب ولا يدعى إلى المنادمة"!!

      وهكذا ما لبث أن ارتفع فى أوساطه ، وفى أوساط الحركة الجماهيرية عموماً ـ وبخاصة بين جماهير الحضر وقواها الحديثة ـ السؤال المنطقى الوحيد وقتها ، للأسف ، والمحتقن بكل (علقم) تلك التجربة ، حول جدوى (الديموقراطية الليبرالية) أصلاً!

 

 

 

(4)

 

(4/1) من جهة الحزب ، لم يعدم هذا السؤال محاولة التعبير النظرى عنه ، أو التأسيس الفكرى له ، من خلال التحليلات والاستنتاجات الرئيسة المستندة إلى جملة معطيات ومطلوبات تلك الوقائع المحدَّدة ، والتى كان طابعها العام تحميل القوى اليمينية فى البلاد (بمصطلح ولغة ذلك الزمان) مسئولية التآمر لإقصاء الحزب من المشاركة فى الحياة السياسية ، وقطع الطريق أمام المد المتزايد للطموحات الحداثية المنطلقة من شتى مواقع الحركة الجماهيرية ، الأمر الذى لم يكن ليعنى ، بالنسبة للحزب ، سوى ضيق تلك القوى اليمينية بالحريات والحقوق (الديموقراطية الليبرالية) نفسها ، والتآمر ، من ثمَّ ، لإجهاضها ، وإفراغها من محتواها ، من حيث كان يفترض فيها ، تصوُّراً ، الحرص عليها ، وإبداء قدر أكبر من الجدية فى التمسك بها.

      أ/ ولذلك فقد كان منطقياً جداً ، فى هذا السياق ، أن يخلص الحزب ، خلال الفترة السابقة على انعقاد مؤتمره الرابع ، إلى ".. أن الرجعيين ، وهم يجمعون قواهم تحت راية البرلمانية البرجوازية ، (إنما) يستهدفون فى الأصل تهديمها ومصادرة الحقوق الديموقراطية" (دورة اللجنة المركزية 27/5/1965م).

 

   ب/ وانطلق خطاب الحزب ، فى تلك الأجواء ، وعلى حد التقييم اللاحق لهذا الخطاب فى وثيقة المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 129) ، مكتسياً ".. بالمطامح والرغبات الثورية" ، حيث كان قد جرى طرح ".. الإمكانية لتنمية سلطة ديموقراطية فى البلاد ، مستندة إلى قوة النفوذ الوطنى المناهض للاستعمار ، والعناصر الديموقراطية ، وحزب طليعى ثورى يوحد طلائع الثورة .. (على) طريق النضال من أجل ديموقراطية ثورية تؤمن السلطة فى يد الجماهير التى تحملت أعباء النضال وذات المصلحة فى استكمال البعث الوطنى الديموقراطى" (إجتماع اللجنة المركزية ، 4/11/1964م).

 

    ج/ ولما لم يكن هذا ممكناً عملياً ، حسب تحليلات الاجتماع التالى للجنة المركزية ، فقد أصبح ".. الممكن والواجب الثورى المباشر هو دفع حركة الجماهير لتكسب مواقع ديموقراطية فى البلاد ، ولتضع ثقلها لصالح الديموقراطية الثورية طريقاً لنهوض سلطة جديدة ، وطنية ديموقراطية" (إجتماع اللجنة المركزية ، 14/1/1965م).

 

      د/ هكذا ، وتحت وطأة كل تلك الانتكاسات التى أورثتها خروقات القوى التقليدية لـ (الديموقراطية الليبرالية) ، فها هو نفس الحزب ، الذى لم يكد ينقضى عقد واحد من السنوات على ارتضائه بالعمل على إنفاذ برنامجه لمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية ، والدعوة للاشتراكية ، بالوسائل السلمية ، وعبر صناديق الاقتراع ، وفى إطار المبادئ العامة للديموقراطية الليبرالية ، ووفق شروطها الأساسية ، والذى عاد ليؤكد على تمسكه بكل ذلك مجدداً من خلال إسهامه النشط فى النضال لإسقاط الديكتاتورية العسكرية الأولى ، واستعادة النظام الديموقراطى البرلمانى الليبرالى ، ها هو نفس ذلك الحزب قد انقلب ، بعد أكتوبر ، يتشكك فى جدوى الاستمرار بالسير فى هذا الطريق ، خاصة وقد كشفت (الحملة) المنظمة ضده عن ".. الرغبات الحقيقية للرجعيين ، إذ لا يستقيم وجود نظام برلمانى مع وجود هذه الحملة المنظمة. فمعاداة الشيوعية لا معنى لها سوى مصادرة الحقوق الديموقراطية وقتل النظام البرلمانى نفسه" (دورة اللجنة المركزية ، 27/5/1965م) ، وها هو يعيد صياغة المسألة برمتها ، من الناحية النظرية ، على نحو بالغ الحدة والقطع: ".. فالقضية لم تعد ديموقراطية أو لا ديموقراطية ، بل أصبحت تسير كل يوم لتكون كالآتى: أى نوع من الديموقراطية؟" (نفسه).

 

  هـ/ ولئن كانت تحليلات واستنتاجات وتلخيصات دورات اللجنة المركزية المشار إليها قد اكتست طابعاً برامجياً مشروطاً ، بحكم خضوعها المنتظر للتداول والفحص ومن ثمَّ التقرير النهائى بشأنها من خلال المؤتمر الرابع فى أكتوبر 1967م ، فإن وثيقة ذلك المؤتمر الأساسية جاءت بدورها ، وبعد أكثر من عامين ، لتدفع بتلك التحليلات والاستنتاجات والتلخيصات إلى مآلاتها القصوى فى كافة خطوط الحـزب الفكرية والسياسية والترويجية (الدعائية) ، معلنة ".. ضعف الأساس الاجتماعى للبرلمانية الغربية فى بلادنا نتيجة للوزن القوى للقطاع التقليدى فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية .. (و) تجربة البرلمانين تؤكد .. أن الديموقراطية الموجهة .. أداة فى بلادنا لوضع السلطة فى يد القوى المناهضة للاستعمار" ، واعتبرت الوثيقة أن بلادنا ".. خبرت الدعوة للنظام البرلمانى الغربى .. طريقاً للتطور ولمواجهة مهام الثورة الديموقراطية (و) أن الجماهير بدأت تحس بفشل هذا النظام قبل الحكم العسكرى ، ولكن هذا الاحساس كان قاصراً فى مداه على الأقسام الطليعية من تلك الجماهير. وعند انهيار النظام العسكرى كانت قضية الديموقراطية غامضة فى أذهان الجماهير ، بل فى أذهان الكثير من عناصر الديموقراطيين الثوريين. إن محاولات ونضال الحزب الشيوعى فى هذه الفترة لإقناع الجماهير واستنهاضها .. من أجل ديموقراطية جديدة تفتح الطريق للتقدم لم تجد التأييد الموصل للنجاح. إن القضية فى جوهرها لم تكن صراعاً حول توزيع الدوائر الانتخابية ، ولا فى صورة تخصيص دوائر للعمال والمزارعين الحديثين والمثقفين ـ ذلك كان الشكل مهما كان تصوُّرُه ـ ولكن المحتوى هو: ديموقراطية جديدة تفتح الطريق للسلطة الوطنية الديموقراطية ، وترفع إلى أقصى درجة من نشاط الجماهير وإبداعها ، وترمى بثقلها لتوجيه سياسة بلادنا وإعادة بعثها. وهذا المحتوى يعنى تمتع الجماهير الشعبية بالحقوق الديموقراطية الأساسية وتقييد نشاط الفئات المعادية للثورة الديموقراطية: إطلاق طاقات الطبقات والفئات الوطنية والديموقراطية من مزارعين وعمال ومثقفين وطنيين وعناصر رأسمالية وطنية غير مرتبطة بالاستعمار ، وتقييد ومصادرة نشاط الطبقات ذات الروابط مع الاستعمار والتى ليست لديها مصلحة فى البعث الوطنى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية، ص 131 ، 132).

 

      على هذا النحو صدرت موجهات المؤتمر الرابع حول ما أسمته الوثيقة بـ "الازدواج فى وضع قضية الديموقراطية أمام حركة الجماهير الثورية" ، باعتبار أن ذلك ".. يقوى من الأرض التى تناضل فوقها ويمكن أن يجمع حولها قوى واسعة وهائلة لكسر الإحاطة الرجعية فى البلاد ويجعل التقارب بين قضية الديموقراطية وقضية التغيير الاجتماعى يسير بخطى حثيثة"، كما وأن ".. تردى قوى اليمين فى طريق الديكتاتورية وتزييف رغبات الجماهير وحقوقها سيقنع أقساماً واسعة بضرورة النهوض وردعها ، اعتماداً على التجارب التى أوضحت شراسة تلك القوى وسيرها ضدها حثيثاً فى استعمال العنف والتآمر طريقاً لتصفية مواقع التقدم والثورة" (نفسه ، ص 134).

 

(4/2) إن صياغة هذا الخط ، وبمثل هذه الشراسة المضادة ، ضمن تقرير السكرتير العام ، آنذاك ، المرحوم عبد الخالق محجوب ، ثم إجازته رسمياً من خلال المؤتمر الرابع فى نهاية عام 1967م ، ليؤكد على حقيقة استمرار تفاقم أزمة الديموقراطية الليبرالية ، طوال الفترة التى سبقت وأعقبت انعقاد المؤتمر ، على يد منظومة القوى (اليمينية) التقليدية ، بحساباتها غير الدقيقة ، التى انتهت بها للمراوحة العبثية بين المبالغة غير المدروسة فى (التهويل) من (حجم) الحزب و(خطره) ، وبين المغالاة غير المحسوبة فى (التهوين) من (قدراته) و(أثره) ، وعدم إيلائها ، تبعاً لذلك كله ، أى أهمية لتقديم أبسط ما يمكن أن يقنع هذا الحزب ، أو القوى الاجتماعية التى يستند إليها ، بالعدول عن مفارقة خط الديموقراطية الليبرالية ، بل وعجزها أصلاً عن رؤية أى قدر من الحكمة فى استبقاء هذا الحزب وتلك القوى ضمن هذا الخط ، أو الخطر الساحق الماحق الذى يمكن أن يتهدَّد النظام الديموقراطى من أساسه بفعل ذلك (التشغيل الجنونى) لعجلة الخروقات والتجاوزات ، مما لا يمكن أن يترتب عليه ، بالنسبة لكل ذى بصيرة ، سوى الاحتمال المأساوى الوحيد: أن يؤدى تصاعد وتائر ذلك (التشغيل العنيف) إلى (انفلات) الحزب ، بذات (العنف) ، خارج (فلك) الديموقراطية البرلمانية الليبرالية بأسره ، ثم عودته ، فى حركة (ارتدادية) مباغتة ، للاصطدام بمركز (التشغيل) ذاته ، نتيجة لأى وهن قد يعترى (عضلات) هذا المركز ، فى أى وقت ، مما سيتسبب ، بالقطع ، فى (انفجارهما) معاً ، تبعاً لحدَّة التناقض بين (قوة الجذب) و(قوة الطرد المركزية) ، وذلك إذا أخذنا بعبرة القانون الفيزيائى البسيط ، دون أن نغفل ، بالطبع ، عبرة الفارق بين (الفيزياء) وبين (العلوم السياسية)!!

 

      على كل ، ومهما يكن التقدير ، فقد يكون من الحكمة أن نذكِّر ، فى هذا المقام ، بأنه لم يكد يتصرم عام ونصف العام على استنتاجات وتلخيصات المؤتمر الرابع حتى كان البكباشى جعفر نميرى ينقضُّ ، بفيالقه المسلحة ، على قلب الخرطوم ، فجر الخامس والعشرين من مايو 1969م ، ليقطع قول كل خطيب ، وليقلب مائدة البرلمان على الجميع ، رافعاً بيارق (ديموقراطيته الثورية) على مواسير بنادق جنده ، ومعلناً نهاية (العشاء الأخير) لتجربة (الديموقراطية الليبرالية) الثانية .. من تلك الساعة ، وعلى مدى ستة عشر عاماً حسوما من عمر الوطن!!  

(4/3) أما فى أوساط الحركة الجماهيرية وقواها الحديثة ، بوجه عام ، فإن من صميم فساد النظر وسوء التدبير عدم إيلاء الاعتبار اللازم لأخطاء الحركة السياسية التقليدية ، وإغفال استصحاب خروقاتها الشنعاء لأسس ممارسة الليبرالية السياسية خلال الفترة التى أعقبت ثورة أكتوبر 1964م ، فى تفسير المواقف المتعاطفة عملياً ، للوهلة الأولى ، مع الانقلاب ، بل والمؤيدة له ، وسط هذه الجماهير والقوى ، بعامة ، وفى صفوف الحزب بوجه خاص. وربما كان من المدهش حقاً إحالة أدق وأصدق التعابير عن ذلك التعاطف الجماهيرى الكاسح مع الإنقلاب ، بعد أسبوع واحد من وقوعه ، إلى جعفر نميرى نفسه فى قوله: ".. إن إجراءات عنيفة قد تم اتخاذها ، إعتقلنا العشرات من القيادات الحزبية والطائفية ، ألغينا الأحزاب وواجهاتها المختلفة ، وكان من الواضح أن هناك شعوراً بين الناس بالرضى ، أو على الأقل ، ليس منهم من أعلن احتجاجاً على أى من هذه الاجراءات. ولكن هل يكفى ذلك لكى يكون دليلاً على مناصرة الزحف ؟! .. تسربت أيام شهر مايو .. وتباطأت ساعات يونيو .. مر اليوم الأول ، وفى صبيحة اليوم الثانى .. كان الهدير. عشرات الآلاف تهدر ، مئات الآلاف تهتف ، جموع العاملين تزحف ، من حيث تعمل ومن حيث تقيم. ولقد كان ذلك اليوم المجيد يوم النصر فى يقينى" (النميرى ، النهج الاسلامى لماذا ، ص 85 ، 86).  

 

(4/4) إن عبرة التاريخ الأساسية التى يمكن استخلاصها من هذا الدرس الهام ، تكمن فى كون القوى السياسية التقليدية ، إذن ، وليس الحزب ، هى المسئولة عن تيئيس الجماهير فى مناطق الانتاج الحديث ، وقوى الحداثة السياسية ، والحزب بينها ، من (الديموقراطية الليبرالية) ، ودفعها دفعاً على طريق دعم وتأييد (الشمولية) ، ولو خطأ ، ولو إلى حين ، ولسان حالها قائل: "لا أذود الطير عن شجر بلوت المر من ثمره" ، أو "إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همو" ، رغم أنها ، أى هذه الجماهير وقوى الحداثة السياسـية ، ظلت دائماً  أول من يكتوى بنيران الشمولية عندما تندلع فى طول البلاد وعرضها ، خراباً اقتصادياً ، ومصادرة للحريات ، وانتهاكاً للسيادة الوطنية ، وتعريضاً لوحدة البلاد للخطر ، فما تلبث أن تعود ، فى كل مرة ، إلى تحمل أعباء الوقوف فى الخنادق الأمامية للنضال من أجل استعادة نفس هذه الديموقراطية الضائعة!

 

 

(5)

 

(5/1) هذا ما ظل يحدث ، بالفعل ، بالنسبة لحالة الحزب الشيوعى. إذ برغم النقد الماركسى اللينينى الكلاسيكى للديموقراطية الليبرالية ، وبرغم النفوذ الطاغى لفكر اليسار العالمى، وانعكاساته فى المنطقة ، طوال خمسينات وستينات وربما سبعينات القرن الماضى ، والرواج الكاسح لشعاراته المنادية ، تحت تأثيرات الثورة الصينية وغيرها ، (بالديموقراطية الجديدة) و(الديموقراطية الثورية) .. الخ ، وبرغم البريق الأخاذ لما كان يعرف ، وقتها ، بـ (الأنظمة التقدمية) القائمة على (الحزب الواحد) فى المنطقتين العربية والأفريقية وأجزاء مختلفة من العالم ، وبرغم ممارسات القوى (الليبرالية) نفسها ، فى بلادنا ، المصادمة عملياً للحريات والحقوق الديموقراطية الليبرالية ، بالتململ المستتر ، أحياناً ، مما توفره من مساحات واسعة لهذه الحريات والحقوق ، وبالهجوم الصريح عليها ، أحياناً أخرى ، وإدانتها ، كنظام لا يؤدى إلى الاستقرار ، إلى حد عدم التورع حتى من اللجوء لتسليم السلطة إلى ديكتاتورية عسكرية سافرة (نوفمبر 1958م) ، أو لاستخدام النظام البرلمانى نفسه طريقاً لمصادرة الديموقراطية ، على ما فى ذلك من تناقض لا يخفى (أنظر: دورة اللجنة المركزية ، 27/5/1965م) ، كما حدث فى أعقاب ثورة أكتوبر 1964م من ممارسات سياسية مهَّدت طريقاً سالكة ، كما قد رأينا ، لتمرير انقلاب النميرى عام 1969م ، وتكرار نفس الأخطاء خلال فترة الديموقراطية الثالثة (1986م ـ 1989م) ، الأمر الذى فتح الأبواب على مصاريعها أمام انقلاب الجبهة الاسلامية القومية فى 30/6/1989م ، برغم ذلك كله ، فإن وقائع الصراع السياسى فى بلادنا ظلت تؤكد ، وعبر مختلف الفترات ، على أن موضوعة (الديموقراطية الليبرالية) ، بجوهرها القائم فى (الحريات العامة والحقوق الأساسية)، بقيت متجذرة بعمق فى وجدان الشعب الجمعى ، كما فى فكر الحزب الشيوعى ، فانطبع تاريخنا السياسى المعاصر بطابع النضال الجماهيرى ضد الشمولية ، ومن أجل استرداد هذه الحريات والحقوق الديموقراطية ، وظل كل ما سوى ذلك عارضاً ، محض عارض ، مهما استقوت دوافعه ، أو عظمت.

 

(5/2) فالحزب ، من خلال خبرته وخبرة الجماهير والحركة السياسية عموماً مع الشمولية ، وبخاصة مع سلطة الفرد المطلقة التى أفرزها النظام المايوى (1969م ـ 1985م) ، وجد نفسه غير مستطيع ، عملياً ، أن يتناقض مع معطيات الواقع (الأخضر) لصالح أطروحات النظرية (الرمادية) ، كما فى التعبير اللينينى الرائج ، أو أن يُغلـِّب استنتاجات المحاكمة النظرية الماركسية اللينينية لهذه الديموقراطية على حساب جملة ما راكمه بنفسه من خبرات عملية معها ، حتى وهى فى حال (عرجها) المشهود ، وما توفر لديه من معارف مباشرة عن الديكتاتورية والشمولية ، حتى لو تزيَّت بالأزياء (الثورية) أو تجمَّلت بالأصباغ (التقدمية). ويا لها من خبرات ومعارف تلك التى لم تكتف بخدش (الجلد الخارجى) فحسب ، بل مضت لتشق هذا (الجلد) نافذة إلى (العظم) عبر (اللحم الحى)! وما من شك فى أن ما تكبَّده الحزب فى سداد فاتورة تلك الخبرات والمعارف بالكامل ، وعلى رءوس الأشهاد ، معلوم للقاصى والدانى. فأى عقل راشد هذا الذى تظل تدمدم من حوله كل هذه الرياح الهوج ، وهو لا ينفك يصرُّ على مغالطة النفس بأن ما يسمعه ليس سوى همس النسيم للأغصان ، لا لشئ إلا لأن هذا (مكتوب) فى مكان ما؟! ".. إن الفكر الاشتراكى العلمى .. يلحُّ بعمق على ضرورة مزاوجة الفكر مع الواقع مزاوجة حقيقية ليس فيها شىء من التبلد والجمود والقسر والتعسف ، بل أكثر من ذلك .. يرى أن الواقع أغنى بما لا يقاس من أى فكر كان ، أغنى بالاشكالات والتوقعات والتحفظات" (طيب تيزينى ، من التراث إلى الثورة ، ص322).    

  

(5/3) ولئن كان الحزب قد عاد ، ضمن مقررات مؤتمره الرابع (اكتوبر 1967م) ، وفى حُميَّا غضبته العارمة ، والمبرَّرة تماماً ، بإزاء الهجمة (اليمينية) الشرسة التى استهدفت وجوده بعد ثورة أكتوبر ، ليفضح ".. زيف البرلمانية (الشكلية) ، وضعف الرأسمالية السودانية التى تقف وراءها ، وسعيها الحثيث لهدم الحقوق الديموقراطية البرجوازية التى تشكل أساس النظام البرلمانى فى الغرب ، الأمر الذى يعزل النظام البرلمانى الشكلى يوماً بعد يوم عن حركة الجماهير" (الماركسية وقضايا .. ، ص 152) ، فإنه لم يسمح ، مع ذلك ، لتلك الغضبة المضرية بأن تحجب عن عينيه رؤية إمكانية أن تصبح هذه ".. الحقوق الديموقراطية البرجوازية نفسها .. أداة فى يد الحركة الثورية لتطوير نضالها ولدعم مواقعها فى البلاد" (نفسه ، ص 146).

       ولعل ذلك هو ما يفسِّر كيف بقيت قناعة الحزب مغروسة ، وبعمق ، فى قلب التربة الفكرية التى ينطلق منها ، بجدوى أولوية (الديموقراطية التعددية) بجذورها (الليبرالية) على إغواء أى إنجاز يمكن أن يتحقق فى أفق (المهمات الاجتماعية) التى يضطلع بها فى برنامجه، بل وكشرط لازم لإنجاز هذه المهمات نفسها ، فلم تقو على اقتلاعها نهائياً من هذه التربة لا محفوظات النقد الماركسى الكلاسيكى ضد (الليبرالية السياسية) ، ولا المواضعات النظرية لحركة اليسار الجديد ، أو اليسار العربى ، أو غيره ، بل ولا حتى المؤامرات التى حيكت ضده ، واستهدفت وجوده ذاته ، فدفعت به دفعاً ، فى فترات من تاريخه كما قد رأينا ، إلى (تلبس) مواقف أثبتت الأيام أنها لم تتوطن نهائياً ، أو ترسب بعمق كافٍ ، فى فكره من جهة (الليبرالية السياسية). وإن له فى ذلك من بهاء الحجة ما يمكن التماسه فى جدليات مجاهداته، منذ نشأته الأولى ، كيما يخلص إلى تطبيق ابتداعى خلاق للماركسية فى ظروف السودان ، لا إلى محض انكفاء اتباعى سكونى على نصوص صمدية.

 

(5/4) وما من حكمة ، بالعقل ، فى أية محاولة لاصطناع أى حد فاصل بين مصلحة الحزب الذاتية ، فى هذا الشأن ، وبين المصلحة الوطنية الموضوعية ، كما يروِّج أيضاً خصومه. فالمعادلة تكمن ، ببساطة متناهية ، فى كون رؤية الحزب ، من الناحية الموضوعية ، لواقع التعدد السودانى ، الذى لا يوجد مناخ يصلح لبقائه أصلاً ، أو استمراره موحداً ، أو ارتقائه سلمياً على مدارج التقدم والحضارة الحديثة ، سوى مناخ الحريات العامة والحقوق الأساسية (الديموقراطية الليبرالية) ، إنما تتطابق ، فى حقيقتها الجوهرية ، مع رؤية الحزب الأخرى ، من الناحية الذاتية ، لواقعه هو نفسه. ذلك أن هذا الحزب الذى لا يمتلك ، فعلياً ، ولا يُتصور أن يمتلك ، فكرياً ، بل ولا يرغب فى أن يمتلك ، سياسياً ، نفوذاً طائفياً ميكانيكياً ، أو غلبة اقتصادية أو حربية أو غيرها ، يتوسل بها لإكساب برنامجه أى قدر من المنعة الجماهيرية ، لا يعود أمامه سوى التعويل ، بالكلية ، على وعى هذه الجماهير نفسها ، لإقناعها بجدوى هذا البرنامج. ومن البداهة أن أنسب ما يناسب خطة كهذه هو التنافس السلمى المشروط بمبادئ وقيم الحريات والحقوق ، وفى مناخ سياسى عام لا توفره غير الديموقراطية الليبرالية.   

       

(5/5) وإذاً فمن غير السائغ عقلاً محاولة الفصل بين (احتياج الوطن) وبين (احتياج الحزب) إلى بسط الديموقراطية الليبرالية نظاماً للحكم ، ولتداول السلطة ، ولإدارة التدافع السياسى ، على العكس تماماً مما يشيع خصومه. وليت هذا يصبح (خيار) الجميع ، حقاً وفعلاً ، يتواثقون عليه باعتبار عميق لعبرة (الخيبات) التى ما انفكت تراكمها مختلف خبراتنا التاريخية. وهى خبرات متاحة لكل من ألقى السمع وهو شهيد ، فلا نخالها تحتاج إلى (دروس خصوصية) ، لولا أنه ما من سميع ولا مجيب. ولعل أهمها طراً هذا القانون العام ، أو (السُّنَّة الماضية) التى تتبدى يانعة لقطاف البصائر المتفتحة ، ومفادها أن أكبر حقائق الصراع السياسى فى بلادنا وأثبت (ثوابته) ، منذ أيام الاستعمار ، هو تمسك الحركة الجماهيرية بقضية الحريات والحقوق الديموقراطية ، واستعدادها الدائم لبذل المهج والأرواح فى سبيل ذود (الطير) عن أشجار (ثمرها الحلو) ، لا كمحض قضية شكلية: (برلمانات كيفما اتفق ، إنتخابات بأية صورة ، نقابات بأية كيفية .. الخ) ، وإنما بمحتواها الضارب فى أعمق معانى (العدالة الاجتماعية). وتأمل ، إن شئت ، انتباهة خليل فرح فى إنشاده البسيط العميق ، قبل أكثر من ثمانين عاماً ، لاقتران هذين المفهومين فى وجدان الشعب وذهنه الجمعى: "زردوا حلوقنا وأكلوا حقوقنا .. ديل عاوزين دمانا تسيل" (!) هذا من جهة ، وأما من الجهة الأخرى فإن خبرة (خيباتنا) هذه توفر أيضاً معرفة ثمينة ، لمن يشاء ، بأن أضر ما يضر بالمسار الطبيعى ، الصحى ، المعافى لتطور الحركة السياسية بأسرها أن (يُرغَم) هذا الكيان أو ذاك ، بالقوة العددية الغشوم والنفوذ الأفقى الباطش ، على (اليأس) من المجرى العام الواسع لهذا التطور ، فيُضطر لـ (حفر) مسرب خاص ضيق خارجَه ، ينحشر فيه ، وهو له كاره (!) وليس أفصح فى التعبير عن هذا المعنى من كلمة الشهيد عبد الخالق ، عندما لاحظ الاستخدام الميكانيكى الشكلى للائحة الجمعية التأسيسية ، وقد دخلها نائباً عن دائرة أم درمان جنوب عام 1968م ، فطالب بتطويع تلك اللائحة لكون ".. تحديد الزمن فى مناقشة اتجاهات فكرية وسياسية لم يكن لها وزن انتخابى بالنسبة للقوة العددية داخل المجلس أمرٌ مضر". ثم بلغ ذروة غضبه بإزاء هذه الممارسات الشكلانية التى لا تؤدى فى النهاية إلا لإفراغ الديموقراطية من مضمونها الحقيقى ، فانطلق يحذر الجميع: ".. من (الخير) أن نقول (هنا) ما نريد .. بدلاً من أن نقوله (فى الخارج) (بطريقة) ربما (لا ترضى) شقى المجلس"! (أقواس التشديد من عندنا ـ مضابط مداولات الجمعية التأسيسية ، 19/6/1968م).

 

(5/6) لذلك عندما يعترف ، مثلاً ، جعفر نميرى بأن الشيوعيين ، الذين سرعان ما عارضوا نظامه ، قد عمدوا إلى تحريض القوى السياسية ".. تحت شعار استعادة الديموقراطية الليبرالية بحسبانها ساحة كانوا يتنفسون فيها وتوفر لهم قدراً من الحركة يتناسب مع حجمهم الذى يعترفون بأنه محدود" (النهج الاسلامى لماذا ، ص 138) ، فإنه يصيب ، فى الواقع ، من حيث يخطئ ، وينصف من حيث يتجنى (!) وكذلك يفعل كل من يردِّد هذه الأقوال ، مثله أو وراءه ، سيان ، غير منتبه إلى معناها ، كقول أحد الكاتبين: ".. وقد رأينا إبان ديموقراطية أبريل كيف نشطت قوى اليسار فى ممارسة الحقوق التى كفلتها لها الديموقراطية التعددية" (محمد جلال أحمد هاشم ، القومية السودانية وظاهرة الثورة .. ، ص 66 ـ 67) ، وذلك فى باب (النعى) ، دونما استحقاق ، على الحزب الشيوعى تمتعه بتلك الحقوق ، فلكأن الحزب قد ناضل ضد مايو ، وشارك فى الاطاحة بها ، وفى استعادة الديموقراطية التعددية ، لا لكى يتفيأ ظلالها مع المتفيئين ، وإنما ليتمتع بها غيره ويُحرم هو منها: مالكم كيف تحكمون ؟! أحرام على بلابله الدوح .. حلال على الطير من كل جنس؟!

 

       أما القول بأن هذه الديموقراطية ".. لم تكن يوماً خيار (الشيوعيين السودانيين) الأساسى ، و .. الواقع والتاريخ القريب يحكى .. عن أنظمة الحكم التى اختطوها فى البلاد التى حكموها .. فهم أعداء الديموقراطية التعددية .. الخ" (نفسه ، ص 66) ، فهو ، بالحق والصدق ، قول ماسخ ، مكرور ، لا تزينه رصانة الفكر ، أو أصالة النظر ، ولا يتفصد عن أى قدر من عرق الجهد الذهنى الخلاق ، أو استقامة البحث التاريخى النزيه ، وإن فيه من سطحية التبسيط وابتذال الحقيقة ما لا يتسق مع عمق التناول المفترض لقضية بهذا التركيب والتعقيد ، وإنه ليشى ، فوق ذلك كله ، بنَغَر الضغينة السياسية أكثر مما يشفُّ عن أدنى رغبة فى ملامسة أى أفق معرفى ، وإن مثله لخليق بأن ينطلق من أبواق البروباغاندا الغوغائية التى لا تستهدف سوى خداع العامة وغسل أمخاخهم ، لا من منابر الحجاج الهادئ الذى يروم إجلاء الحق وإضاءة الدروس الكبيرة. وإلا فأى (بلاد) هذى التى حكمها (الشيوعيون السودانيون) و(اختطوا) فيها (أنظمة) يحكى (الواقع) و(التاريخ القريب) عن (عدائها) لـ (الديموقراطية التعددية) ؟! نرجو ، مخلصين ، ألا يكون هذا الكاتب يرمى إلى أن (مايو) هى (حكم الشيوعيين) ، فإننا لا نزال نحسن الظن ببعض وجوه اجتهاداته الأخرى ، وإن فى الناس فطانة (!)

 

 

(6)

 

(6/1) الشاهد أن جعفر نميرى كان محقاً تماماً فى حنقه على الحزب الشيوعى فى (كتابه!) المذكور ، الصادر عام 1980م ، فقد عكَّر الحزب عليه ، بالفعل ،  قبل ذلك بثلاث سنوات ، عرس (مصالحته) مع بعض أحزاب الجبهة الوطنية (الأمة بقيادة السيد الصادق ، والاسلاميين بقيادة د. الترابى) ، حين رفض الانخراط فى تلك (المصالحة) التى عرضت عليه بشروط السلطة ، وأهمها التخلى عن المعارضة ، وعن كياناتها الحزبية والجبهوية ، وقبول العمل فى إطار الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكى). وقد طرح الحزب بديلاً عن ذلك (جبهة عريضة للديموقراطية وإنقاذ الوطن) ، كتحالف تكتيكى لتحقيق الديموقراطية ، محاولاً إقناع (وليس "تحريض" كما فى قول النميرى) القوى السياسية كافة بأن البلاد تواجه أزمة حكم ، أزمة نظام وسلطة ، وأن (الديكتاتورية) هى أهم أسباب هذه الأزمة ، وأن حلها ، بالتالى ، لا يكون بالتصالح مع هذه (الديكتاتورية) ، بل بإحداث تحولات ديموقراطية راديكالية. وقد أبلغ مندوبا الحزب وقتها ، قاسم أمين وسليمان حامد ، هذا الموقف المبدئى لوفد المفاوضين المايويين ، بقيادة أبو القاسم محمد ابراهيم. كما أصدرت لجنة الحزب المركزية فى أغسطس 1977م بيانها الجماهيرى الشهير بعنوان: (الديموقراطية مفتاح الحل) ، الذى أكدت فيه أن الشيوعيين ".. لا ينادون: تسقط المصالحة ـ عاش الشقاق ، (بل) شعارهم كان وسيظل: تسقط الديكتاتورية ـ عاشت الديموقراطية" (البيان ، ص 21). وناشدت أطراف المعارضة ، بدلاً من المساعدة على ترميم النظام وهو فى حال تصدعه الذى أجبره على طلب المصالحة ، أن تشدد "نضالها من أجل إلغاء قانون أمن الدولة المعدل ، والتعديلات فى مواد الدستور 41 ، 62 ، 196 التى أباحت إصدار القانون وإجازته ، وحل أجهزة الأمن القائمة على تنفيذه ، وإعادة أفراده إلى المجالات والمهن التى جندوا منها ، وضمان حق العمل كحق طبيعى لكل مواطن ، وإلغاء القوانين والأوامر الجمهورية وقرارات مجلس الوزراء التى تحد منه ، وتحريم تعذيب المعتقلين والسجناء السياسيين ، والكشف عن جرائم التعذيب والقتل العشوائى ، ومحاكمة الذين أمروا بها ، والذين ارتكبوها ، وفقاً للأدلة المادية التى يدلى بها كل مواطن تعرض للتعذيب ، وبحسب منطوق المادة 65 من دستور السلطة نفسها ، وإلغاء قانون النقابات لسنة 1971م ولائحة تنظيم النقابات لسنة 1972م ، وإلغاء المواد التى تمس استقلال الجامعة وحرية نشاط إتحادات الطلاب فى قانون التعليم العالى ، وإلغاء لائحة النشاط المدرسى ، وإلغاء قانون ممارسة السيادة الشعبية الذى يبيح للاتحاد الاشتراكى الوصاية والتدخل فى نشاط المنظمات الشعبية ، ووقف الصرف من خزينة الدولة على الاتحاد الاشتراكى وموظفيه وأوجه نشاطه ، ومنعه من استخدام وسائل وأدوات الدولة ..الخ" (البيان ، ص 15).

 

(6/2) ثم عادت اللجنة المركزية لتستكمل ، من خلال دورة انعقادها فى ديسمبر 1978م ، بلورة فكر الحزب من واقع التجربة المتراكمة حول قضية الديموقراطية التعددية بجذورها الليبرالية ومحتواها الاجتماعى ، بالمفارقة لكل من النموذج المعتمد فى بلدان المعسكر الاشتراكى من جهة ، والتطبيق السائد فى بلدان الغرب الرأسمالى من الجهة الأخرى. فقد ركزت الدورة على تجربة البنوك الاسلامية التى نشأت نتيجة للمصالحة ، وانتقدتها لكونها تساعد فى تصعيد النشاط الطفيلى. وعرضت لموقف الأحزاب التى دخلت المصالحة وموقف جماهيرها. ومايزت بين (الجبهة الوطنية الديموقراطية) وفق الطرح الوارد ضمن تقرير المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ـ أكتوبر 1967م) ، وبين الدعوة إلى (جبهة للديموقراطية وإنقاذ الوطن) فى وثيقة (الديموقراطية مفتاح الحل ـ أغسـطس 1977م). ونوهت لانكسار رأس الحربة فى ظاهرة إضرابات واعتصامات جماهير العاملين فى شتى القطاعات خلال تلك الحقبة. وخلصت إلى أن (الانتفاضة) هى المخرج من أزمة الديكتاتورية إلى فضاء الديموقراطية التعددية الليبرالية ، وذلك من خلال صيغة الجبهة الواسعة (نلاحظ أن مصطلح "الانتفاضة" تكرر قبل ذلك فى دورة يناير 1974م). كذلك تناولت الدورة بالنقد أسلوب الحزب الواحد على صيغة الاتحاد الاشتراكى الذى ".. أصبح أسلوباً مرفوضاً ومرذولاً ومبتذلاً بالنسبة لشعب السودان ، وازدادت أزمته تفاقماً (لكون) سادة التجربة الأم فى مصر تخلوا عنه نهائياً" (الدورة ، ص 5). وعليه ، وكيما يستقيم الحوار مع السلطة ، فلا بد له من مقدمات حددتها الدورة فى توفير (1) مناخ الحريات (2) جماهيرية التفاوض (الدورة ، ص 10ـ13). ونلاحظ هنا أيضاً أن ذلك كان سابقاً على شيوع استخدام مصطلح (الشفافية أو الغلاصنست ـ Transparency) الذى أدخلته (البريسترويكا) فى الأدب السياسى العالمى. كما طالبت الدورة بأنه ، ولكون السلطة أصدرت فى 27/11/1977م قانوناً "يحمى رجالها من .. المحاسبة .. منذ 25 مايو 1969م ، فمن حق الشعب أن ينال قراراً مماثلاً برد الاعتبار لكل الذين استشهدوا فى الصراع ضد السلطة فى معارك عسكرية ، أو فى السجون والمعتقلات ، أو تحت التعذيب ، ونشر حيثيات المحاكمات" (الدورة ، ص 14). وتبلغ الدورة ذروة استنتاجاتها وتلخيصاتها ـ على صعيد التأسيس النظرى لخيار الديموقراطية التعددية الليبرالية فى واقع السودان ـ بتقريرها أن ".. ظروف بلادنا ، بتعدد تكويناتها الاقتصادية الاجتماعية والقومية ، وعدم التناسق فى تطور قطاعاتها الاقتصادية .. مازالت تشكل الأساس المادى الموضوعى لتعدد الأحزاب والكيانات السياسية التى تتوسل بها الجماهير لحل مشاكلها على المستوى المحلى والمركزى" (الدورة ، ص 65). ووضعت الوثيقة خط تشديد بارز تحت تبرؤ الحزب نهائياً من أية محاولة للالتفاف على هذه القضية مستقبلاً بقولها: "نؤكد هذه الحقيقة كيلا تنتقل دعوى (الأحزاب انتهت وفقدت نفوذها) إلى الإفصاح عن نوايا فى الدعوة (لحزب واحد تقدمى بديل) ، فصيغة الحزب الواحد ، تقدمياً كان أم يمينياً ، أثبتت فشلها فى السودان ، وفشلت بالمثل صيغة حل الأحزاب بالقانون والإرهاب فى عهد الديكتاتورية" (نفسه).

 

(6/3) هكذا ، ومع وفرة الدلائل التاريخية على تغلغل موضوعة الديموقراطية الليبرالية فى النسيج الفكرى للحزب ، إلا أن دورة اللجنة المركزية (ديسمبر 1978م) ، وقبل ذلك ، بنحو من عام ، بيانها الجماهيرى (الديموقراطية مفتاح الحل ـ أغسطس 1977م) ، شكلتا ، بطابعهما البرامجى ، خطوة نوعية متجاوزة بصورة حاسمة ، بعد قرابة ثلث القرن من مراكمة كل تلك (التجارب) و(الملاحظات) و(الخبرات العملية) ، بإعلانهما الواضح الانحياز نهائياً لـ (الديموقراطية الليبرالية) منهجاً للحكم ولتداول السلطة ، بل قل بنفضهما عن معانيها الجوهرية المتأصلة فى الفكر الابتداعى للحزب ذلك الغبار الكثيف الذى هالته عليها سنوات التآمر والكيد والاحتراب غير المبدئى داخل صفوف الحركة السياسية ، وتجديدهما وصقلهما لقناعات الحزب القديمة القائمة فى إيلاء الاعتبار اللازم لما توفره هذه الديموقراطية من مساحات واسعة للحريات والحقوق وامكانيات التداول الديموقراطى للسلطة. وربما كان من المفيد ، فى سياق التذكير بقدم هذه الموضوعة وتعتقها عبر تاريخ التطور الفكرى والسياسى للحزب ، أن نستدعى هنا أحد أهم استنتاجاته ، فى مستوى الصراع الذى دار بعد الاستقلال بين نظريتى البناء الرأسمالى والسير على طريق التطور اللارأسمالى ، بأن العامل الأساسى فى تنامى قوى العنف البرجوازى ، المدعومة بآليات التدخل الاستعمارى ، فى السودان ، هو اكتشافها بعد الاستقلال مباشرة أن الليبرالية السياسية تقف حجر عثرة فى طريق مشروعها ، وذلك بما توفره من مناخات النمو المتسارع للقوى الشعبية الرافضة لهذا المشروع ، وإمكانات المقاومة السلمية الفعالة له ، ولذلك سرعان ما اتجهت إلى خيار الديكتاتورية العسكرية السافرة فى نوفمبر 1958م. لقد ".. برهنت الأحداث أن الديموقراطية الليبرالية ليست الوسيلة التى يمكن بواسطتها أن تدفع الطبقات المالكة السير بسرعة ويسر فى ذلك الطريق .. إن المقومات الضرورية للتنمية الرأسمالية وفق المفاهيم الغربية السائدة هى الخبرة الفنية ورأس المال لبناء الهياكل الاقتصادية. وقد بدأ التحضير لدورها بواسطة العنف العسكرى واستبدال الفئات الليبرالية بالحكم العسكرى. والقوى وليدة العنف البرجوازى ظلت راضية عن الاستقرار العسكرى. فإضرابات العمال مصادرة ، وحرية النقد لتدخُّل رأس المال الأجنبى مخنوقة الأنفاس ، والاستغلال يتضاعف" (ع. الخالق ، أخبار الأسبوع ، 27/3/1969م).

 

(6/4) هكذا ، وتأسيساً على كل تلك الدروس والخبرات ، لم يعد (عرج) الديموقراطية الليبرالية فى بلادنا ، كما فى بعض وصف الحزب البليغ لأدوائها منذ فجر الاستقلال ، وعبر مختلف فتراتها ، وميلها إلى (الشكلانية) بسبب هشاشة الأساس الاجتماعى الذى تستند إليه فى بلادنا ، والمتمثل فى سطوة القطاع التقليدى ، وضعف القوى السياسية التى يفترض فيها ، تصوُّراً ، أن تتبناها وتقف وراءها ، وسعيها الحثيث لتبنى مناهج العنف لهدم الحريات والحقوق التى تشكِّل ، فى واقع الأمر ، مضمون هذه الديموقراطية ، وجوهرها ، وأساس نظامها البرلمانى ، بالاضافة إلى النقد (اليسارى) الذى ليس نادراً ما يوجه إلى الحزب بهذا الشأن ، بالاستناد إلى الأفكار البرجوازية الصغيرة ، المغامرة والخاطئة التى ".. ترى أن النضال من أجل الحقوق الديموقراطية البرجوازية لا يقود إلى شئ ، وأن الطريق (الصحيح) هو الدعوة من فوق رأس البيوت للديموقراطية الجديدة وحدها" (دورة يونيو 1968م) ، لم يعد شئ من كل ذلك كافياً ، وبصورة حاسمة منذ ما قبل انهيار حائط برلين بثلاثة عشـر عاماً ، لدفع الحزب إلى التخلى عن النضال فى سبيل هذه الديموقراطية التعددية بجذورها الليبرالية ، أو حفزه للعودة إلى النظر ، بأى قدر من الاعتبار ، للمناهج الشمولية المتخندقة خلف البريق الأخاذ لشعارات (الديموقراطية الجديدة) أو (الشعبية) أو (الثورية) .. الخ.

 

(6/5) على أن هذا الحزب (الماركسى السودانى) ، الذى حزم أمره نهائياً ، منذ أواخر سبعينات القرن الماضى ، لصالح الكفِّ عن رؤية أى بصيص من الخير يرتجى لبلادنا من غير طريق (الديموقراطية البرلمانية الليبرالية) ، لم ينزلق فى نفس الوقت ، مثلما لم ينزلق فى أى وقت قبل ذلك ، للخضوع لأية أوهام ذاتية ، فكرية أو سياسية ، بشأنها. فقد كان ، ولا يزال ، مرفوضاً ، من جانب الحزب ، ذلك الفهم الخاطئ لـ (الليبرالية) ، فى بعض وجوه تصوُّرها ، كمناخ صالح لطمس حقائق الصراع الطبقى ، أو كمحض تكأة للتحلل من التزامات الحزب الفكرية أو السياسية ، أو النكوص عن تحمُّل مسئولياته تجاه قضايا الثورة والتغيير الاجتماعى. لقد قرَّ فى وعى الحزب ، ومنذ وقت باكر كما سبق أن ذكرنا ، أن الديموقراطية الليبرالية ، وإن كانت لا تلغى الصراع الطبقى ، إلا أنها تساعد على كشفه ، الأمر الذى يتحمَّل الحزب بموجبه مزيداً من الأعباء على صعيد الصراع السلمى فى جبهة الوعى ، أى ذلك الضرب من النشاط الفكرى والسياسى المتحضر ، الذى لا تناسبه غير أوسع مساحة من الحريات والحقوق للحركة الجماهيرية وتنظيماتها المدنية الديموقراطية المستقلة.

 

       فالعلاقة ، إذن ، بين مشروع التغيير الاجتماعى الذى يبشر به الحزب ، والقائم ، أصلاً ، فى قيم ومبادئ العدالة الاجتماعية والاشتراكية ، وبين مناخ الحريات والحقوق الليبرالية ، علاقة جدلية بطبيعتها. وقد تم حسم هذه القضية ، فى الواقع ، منذ اجتماع اللجنة المركزية فى أبريل 1958م ، والتى لم يدر فيها الصراع فقط ضد اتجاه (الجمود) بإزاء قضايا الديموقراطية والتحالفات والعمل الجماهيرى ، والذى لا يرى فيها سوى الانحراف بنشاط الحزب إلى مناهج وأساليب البرجوازية الصغيرة ، بل أيضاً ضد اتجاه (التحلل) الذى لا يستهدف إعادة النظر فى عمل الحزب ، من أجل تجديد أشكاله على أسس ثورية ، بقدر ما يستهدف تصفية الحزب نفسه ، بتحويله إلى مجرد حزب للانتخابات بدعوى أن الماركسية اللينينية لا تصلح فى بلد كالسودان (ع. الخالق محجوب ، لمحات .. ، ص 116 ـ 122).

 

       لذلك كله فإن الحزب ، وهو يعلن عن تمسكه بالديموقراطية الليبرالية ، لم يكف ، فى ذات الوقت ، عن خوض معركته فى وعى الجماهير من أجل التبصير أولاً بأن الديموقراطية الليبرالية لا تعنى فقط الممارسة البرلمانية ، وإنما تتسع لكل أشكال النشاط الذى تمارسه الجماهير من خلال تنظيمات المجتمع المدنى المستقلة ، وثانياً بضرورة (إصحاح بيئة) ممارسة هذه الديموقراطـية ، وعلاج (عرجها) ، حتى لا تتكرَّس الشـكلانية طابعاً لها ، و".. يعزل النظام البرلمانى الشكلى يوماً بعد يوم عن حركة الجماهير" ، على حد تعبير عبد الخالق ، فتنفتح الأبواب على مصاريعها أمام المغامرات الانقلابية والأنظمة الشمولية ، يميناً ويساراً ، لتنحشر الحركة السياسية ، والبلاد بأسرها ، فى نفق من بعد نفق ، وظلمات من فوق ظلمات. ومن ذلك ، على سبيل المثال ، دعوة الحزب المستمرة إلى (سودنة) التطبيق الديموقراطى الليبرالى ، ليس بالطرح النظرى فحسب ، وإنما عملياً وإجرائياً أيضاً ، عن طريق تطوير التجربة النيابية الديموقراطية على خط السودنة الذى كانت قد اجترحته لجنة سوكومارسون ، باستصحابها لخصائص الواقع الاقتصادى السياسى الاجتماعى السودانى ، فى أول قانون للانتخـابات لسنة 1953م ، وذلك بتخصيص خمس دوائر لخريجى المدارس آنذاك ، الأمر الذى كان يستوجب الدفـع ، منطقياً ، ومن خلال التجارب اللاحقة ، باتجاه مآلاته الأعلى المتمثلة فى ضرورة إفراد دوائر خاصة للقوى الحديثة ، بما فى ذلك القوات النظامية ، وإلى ذلك تطوير تجربة الكليات الانتخابية ELECTORAL COLLEGES بين القبائل الرعوية ، وتضييق أحجام الدوائر الانتخابية الجغرافية فى مناطق الانتاج الحضرى الحديث ، فى مقابل توسيعها فى المناطق الريفية ، الأمر الذى من شأنه زيادة عدد النواب من مناطق الوعى ، بما تتحمَّل من أعباء التغيير وتبعات مجابهة الأنظمة الشمولية .. الخ (أنظر ، مثلاً ، فحوى مذكرة الحزب إلى المجلس العسكرى الانتقالى حول قانون الانتخابات ، 1985م).

 

       لقد قطع الحزب مشواراً طويلاً وهاماً فى بلورة هذا المنظور للديموقراطية الليبرالية ، بما يتسق وخصائص الواقع السودانى ، إلى حد المفاصلة ، نهائياً ، مع أى احتمال للتنظير ، دع عنك العمل ، باتجاه مغامرة (ديموقراطية!) أخرى موجَّهة!

                                                                                                  

(7)

(7/1)  حسم الحزب ، إذن ، مرة وللأبد ، ومنذ أواخر سبعينات القرن الماضى ، أمر المخض العنيف الذى وسم فكره تاريخياً بين النزوع الأصيل للنضال من أجل إقرار الحريات والحقوق الليبرالية ، وبين أفكار الديموقراطية الثورية ، الشعبية ، الجديدة .. الخ ، والتى ما أعانها عليه ثقل النموذج الاشتراكى السائد ، آنذاك ، بقدر ما فعلت خراقة القوى التقليدية فى الدأب على تيئيس حركة الحداثة السياسية الجماهيرية ، بنشاط ، من جدوى الديموقراطية الليبرالية أصلاً. وهكذا ألقى الحزب بثقله نهائياً فى طريق الخيار الديموقراطى الليبرالى ، من منظوره الفكرى الذى تقترن فيه الحريات والحقوق السياسية بمحتواها الاجتماعى ، أى الخيار الأصعب الذى يستوجب قدراً هائلاً من الصبر على تطوير التجربة فى السودان ، وعلى مكاره هذا الطريق ، بالمراهنة على ديناميكيات الحركة الجماهيرية وحدها ، وبالرفض الصارم لأى شكل من أشكال التردد بإزاء برق الشمولية الخلب ، بحلوله الانقلابية ، ومغامراته الانعزالية ، تأسيساً على خبرة عملية لا يمكن إسقاطها لحساب أية مزايدة (يسارية) أو (يمينية).

 

             وما لبث الحزب أن جابه أول اختبار لصدقيته فى هذا الاتجاه عندما عرض عليه نظام جعفر نميرى وقتها ، ضمن القوى السياسية الأخرى ، خيار (المصالحة الوطنية) ، فلم يتردد فى إعلان رفضه له ، كما قد رأينا ، لا من باب التحبيذ لـ (الشقاق الوطنى) ، وإنما رفضاً مبدئياً لـ (الشمولية) من أى طريق جاءت ، وبأى زىٍّ تزيَّت ، طارحاً البديل على بقية القوى السياسية الوطنية فى صيغة (جبهة عريضة للديموقراطية وإنقاذ الوطن) ، وهى الصيغة التى وفرت ، فى وقت لاحق ، من وحدة القوى السياسية والنقابية ما يكفى للانخراط فى الانتفاضة الشعبية ، والاطاحة بنظام مايو الشمولى ، واستعادة الديموقراطية البرلمانية الليبرالية فى مارس ـ أبريل 1985م.

(7/2) ولعلنا لا نعدو الحقيقة قيد أنملة حين نقرر ، كما ألمحنا من قبل ، أنه ليس ثمة من يستطيع ، داخل الحزب أو خارجه ، أن ينسب إلى التلخيصات الماركسية اللينينية الشائعة عن (الديموقراطية الليبرالية) شيئاً من نتائج دورتى لجنة الحزب المركزية (أغسطس 1977م ـ ديسمبر 1978م) ، اللتين حسمتا موقفه وكرَّستا خلاصه النهائى ، على الأقل فى مستوى التأسيس النظرى ، من أى تأثيرات ديموقراطية (شعبية) أو (جديدة) أو ما إليها. فبعد أشهر قلائل من الانتفاضة لخص محمد ابراهيم نقد ، السكرتير العام للحزب ، المنهجية الفكرية التى اعتمدها الحزب فى مقاربة تلك الخبرة العملية ، بكلمات بسيطة وقاطعة ، قائلاً: "..هذه تجربة خضناها ولسنا مستعدين لنخضع فيها لنصائح نظرية .. الحزب الشيوعى لن يخاف إطلاقاً من طرح رأيه فى أن الديموقراطية الليبرالية فى السودان كانت وما زالت فى مصلحة تطور الحركة الجماهيرية ، ومصادرتها كانت باستمرار لمصلحة التطور الرأسمالى ، الخراب الاقتصادى ، مصادرة الديموقراطية وانتهاك السيادة الوطنية .. الحزب .. لن يوافق ولن يسكت ولن يهادن فيما يتعلق بالحقوق الأساسية والحريات الديموقراطية للجماهير تحت شعارات جربناها فى مايو. أنا لا أتحدث عمَّا تم فى أى بلد عربى ، أنا أتحدث عن تجربة السودان. شعارات (حماية الثورة) كانت شعارات تضليل لمصادرة الحقوق الأساسية من الجماهير وسوقها كالقطيع لحماية الديكتاتورية ، شعار الوحدة الوطنية والتنظيم الواحد الذى يوحد كل القوى التقدمية .. الخ كان غطاء لتصفية المنظمات الثورية والمنظمات الجماهيرية فى البلد وفرض الوصاية عليها لتمكين حكم الفرد ، حكم الفرد من مواقع التقدم وحكم الفرد من مواقع الرجعية" (م. أ. نقد ، حوار مع مجلة بيروت المساء ، آب/أغسطس 1985م).   

      

(7/3) صحيح أن هذه (الخبرة) وتلك (الملاحظات) ، التى تندرج فى مجملها فى قوام النظر البراغماتى ، لا تلغى شيئاً من تلخيصات ماركس وإنجلز ولينين الصائبة ، بوجه عام ، لجوهر الليبرالية السياسية كمنجز برجوازى يعكس ، فى أصله ، (الاستلاب) السياسى ، ويمثل المصدر الأيديولوجى لشرعية الطبقة الرأسمالية التى اكتسبت سلطتها من موقعها فى عملية الانتاج ، أى من الحق (الوضعى) ، فى عصر الحداثة ، وليس (المقدس) كما كان الأمر فى القرون الوسطى بالنسبة لحلف الكنيسة/الاقطاع. وهى أيضاً لا تمس شعرة من صحة تحليلاتهم لمضمون البرلمانات البرجوازية وانتخاباتها ، من حيث هى برلمانات وانتخابات ذات طبيعة برجوازية ، تتأسس باسم (الحرية) و(المساواة) و(الديموقراطية) ، ولكن من فوق سيطرة الطبقات المستغلة (بكسر الغين) على وسائل الانتاج وسلطة الدولة الحقيقية. ومع ذلك كله ، بل برغم ذلك كله ، فإن هذه الخبرة والملاحظات (السودانية) قدمت دائماً للحزب الشيوعى (السودانى) معرفة قيِّمة لا غنى عنها:

 

     فمن جهة: ظلت نفس هذه الديموقراطية الليبرالية ـ مقارنة بالشمولية ـ توفر دائماً ، وبرغم كل عيوبها وتشوهاتها وعرجها المشهود فى الممارسة ، مناخ العوامل الموضوعية الأصلح ، والأكثر ترجيحاً لتطور العمليات السياسية السلمية فى البلاد ، ولتفجير طاقات الجماهير السودانية ومبادراتها الذاتية ، بما ظلت توفر لكياناتها وقواها ومنظماتها المستقلة ، وللحزب نفسه ، من فرص النمو والازدهار الطبيعيين فى الهواء الطلق ، فى ساحات الحريات العامة والحقوق الأساسية ، بعيداً عن (ثيرموستات) العمل السرى ، و(ديب فريزرات) القوانين المقيدة لهذه الحريات والحقوق.

 

     ومن الجهة الأخرى: ولهذا السبب نفسه ، أصبح واجباً مقدماً أمام الحزب والحركة الجماهيرية الدفاع عن هذه الحريات والحقوق البرجوازية ، فى مواجهة كل المحاولات الرامية لإهدارها أو لتأسيس أى شكل خاو لنظام برلمانى مجرد من كل محتوى. هكذا استقر النضال الجماهيرى من أجل الديموقراطية الليبرالية ، كسمة ثابتة وقانون أساسى لتطور الثورة السودانية.

     هذا معطى تاريخى ناتج عن (مشاهدة) و(تجربة) عملية ، محددة ومفصحة ، فلا يجوز ، بل وليس من الحكمة فى شىء ، إسقاطه لحساب أى محاكمة (نظرية) عامة ، بأى حال.

 

 

                                                              (8)

 

(8/1) ثمة مسألة جديرة بالتطرق إليها هنا ، وهى أنه ، وبرغم تأكيد ف. إ. لينين ، فى أكثر من مناسبة ، على أن الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ".. لا يمكن .. ألا يعطى غزارة هائلة وتنوعاً فى الأشكال السياسية" (الدولة والثورة ، ص 35) ، وبرغم قوله فى هذا الصدد: "إن كل الشعوب سائرة ، لا محالة ، نحو الاشتراكية ، ولكن بطرق متباينة ، بحيث تحمل كل منها خصائصها المميزة إلى هذا الشكل أو ذاك من الديموقراطية .. وليس ثمة ما هو أكثر تشوُّهاً ، من الناحية النظرية ، أو مدعاة للسخرية ، من الناحية العملية ، من أن نتصوَّر المستقبل ـ باسم المادية التاريخية ـ بلون رمادى وحيد" ("حول السخرية من الماركسية وحول الاقتصاد الامبريالى" ، ص 123) ، إلا أنه ظل يؤكد ، مع ذلك ، على (دكتاتورية البروليتاريا) باعتبارها الجوهر الوحيد لهذا الانتقال المنشـود من الرأسمالية إلى الاشتراكية ("الدولة والثورة" ، ص 35). وأيضاً ، ومع كونه لم يستبعد أن تحمل ".. الثورات القادمة فى بلدان الشرق الأكثر غنى بالسكان .. وذات الظروف الاجتماعية الأكثر تبايناً .. تنوعاً أكثر مما حملته الثورة الروسية" ("حول ثورتنا" ، ص 439) ، الأمر الذى يفترض معه انعدام الحكمة فى حصر احتمالات هذا التنوع ، بالنسبة لأشكال الانتقال إلى الاشتراكية ، فى محض (النموذج السوفيتى) أو حتى نماذج (الديموقراطيات الشعبية) التى أمكن ظهورها لاحقاً ، نتيجة المتغيرات التاريخية فى بعض بلدان أوربا الشرقية وآسيا عقب الحرب العالمية الثانية ، إلا أن (سلطة السوفيتات) كشكل تاريخىٍّ محدد لـ (دكتاتورية البروليتاريا) يعكس خصائص تطور الثورة فى روسيا ، ظلت تشكل النموذج الملموس لهذا (التنوع) ، والأكثر حضوراً ضمن إنتاج لينين الفكرى ، الأمر الذى جعل منها ، ومن نماذج (الديموقراطيات الشعبية) بالتبعية التاريخية أيضاً ، (قيمةً معيارية) لدى معظم الشيوعيين والثوريين فى العالم ، لما يربو على ثلثى القرن. غير أن الحزب الشيوعى السودانى ، ومنذ برنامج مؤتمره الثالث غداة الاستقلال عام 1956م ، قد أفلت ، على حدِّ تعبير محمد أبراهيم نقد المار ذكره ".. من التأويل السلفى .. فى الأدبيات الشيوعية حينها عن أن دولة الديموقراطية الشعبية فى الصين وشرق أوروبا تؤدى وظيفة ديكتاتورية البروليتاريا فى ظروف تاريخية خاصة" (ورقة "مبادئ موجهة ..") ،  فهذا المصطلح ".. لم يرد فى وثائق اللجنة المركزية بين المؤتمرين (1956م ـ 1967م) ، ولم يرد فى تقرير المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) ، ولا فى الدستور الذى أجازه المؤتمر الرابع ، وما من مبرر نظرى أو مسوِّغ سياسى يجيز أن يرد .. فى برنامج حزبنا فى المستقبل " (المصدر نفسه").  

  

(8/2) إذن فالاستنتاجات والموجهات التى خلصت إليها دورتا اللجنة المركزية (أغسطس 1977م وديسمبر 1978م) لتدفع بنضالات الشيوعيين السودانيين على طريق الحريات العامة والحقوق الأساسية ، باعتبارها الجوهر الحقيقى لليبرالية السياسية ، وكشرط لازم من أجل إرساء دعائم المشروع الاشتراكى فى السودان ، لا بطريق الإنقلاب العسكرى ، أو نظام الحزب الواحد ، وإنما عبر المنافسة الأيديولوجية والسياسية الحرة ، والصراع السلمى للأفكار والرؤى والبرامج ، والتداول الديموقراطى للسلطة ، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع ، تصعب إحالتها ، كما قلنا ، إلى أى من كلاسيكيات التعميم الماركسى اللينينى الشائع بشأن الموقف من الليبرالية. ومع ذلك ، فليس من الصعب ملاحظة (الاسترشاد) بالمنهج الماركسى اللينينى نفسه فيها ، سواء من جهة تحاشى الانكفاء على (الرمادى) كلون وحيد للمستقبل ، أو فيما يتعلق بإيلاء قضية (التنوع) القدر اللائق من الاعتبار ، أو حتى فيما يتصل ، كما أشرنا ، باعتماد البراغماتية PRAGMATISM ، أحياناً ، لا كنظرية متكاملة فى النشاط الثورى ، ولا كضرب من (التجريبية) ، أو (التأملية) ]]]]] من باب أولى ، وإنما فقط كأداة بسيطة من أدوات المعرفة ليس من الحكمة إغفالها تحت أى شعارات أو (نصائح نظرية). ولعل ذلك هو ، بالضبط ، ما عبر عنه السكرتير العام للحزب بقوله: ".. ليس هذا اكتشافاً نظرياً جديداً ، وليس تطبيقاً خلاقاً للماركسية ، وليس ادعاء بعبقرية ، ولكنه قراءة للواقع السودانى باسترشاد ماركسى حسب قدراتنا .. إنه لا يخلو من جانب براغماتى ، لكن البراغماتية أداة من أدوات المعرفة ، ليست خطأ كلها ، فيها جوانب عملية صحيحة ، لكن إذا تحولت إلى نظرية كاملة للمعرفة يصبح أمرها شيئاً آخر. هذه واحدة من الخصائص المهمة بالنسبة لنا. هذه قضية أساسية" (حوار مع م/النهج ـ ع/25 ، 1989م ، ص 51).

 

(8/3) ورغم التواضع الذى يسم عادة شخصية نقـُد وتعبيراته ، والبادى فى قوله "هذا .. ليس تطبيقاً خلاقاً للماركسية" ، إلا أنه لا يغيب عن الملاحظة هنا أن الرجل إنما يضىء ، فى الحقيقة ، وبأسلوبه الخاص ، مداخل الحزب القديمة صوب المبدأ المنهجى الذى كان قد صاغه ف. إنجلز فى كلمته الرائجة: "الشيوعية ليست مذهباً ، بل مرشد للعمل  ، وهى لا تنطلق من المبادئ ، بل من الحقائق ، والشيوعيون لا يعتبرون مقدمة لهم هذه أو تلك من الفلسفات ، بل مجمل مسيرة التاريخ السابق ، وبالأخص نتائجه الفعلية الحديثة فى البلدان المتمدنة" ("الشيوعيون وكارل هينتسين" ، ص 281) ، كما أشار إليه ف. لينين بقوله ، فى سياق تقريره حول مهمات الشيوعيين فى بلدان الشرق: "هذه هى المهمات التى لن تجدوا لها حلولاً فى أى كتاب من كتب الشيوعية" ("تقرير أمام المؤتمر الثانى لمنظمات الشرق الشيوعية لعموم روسيا ـ 22 نوفمبر 1919م" ، ص 328).  

 

             لقد ظل هذا الفهم ملازماً باستمرار لتطور العمليات الفكرية الجارية فى الحزب منذ آماد بعيدة. وقد أشار إليه مؤخراً د. عبد الله على ابراهيم ، فى تعليقه على بعض تصريحات د. الشفيع خضر غير الموفقة حول تجديد الحزب ، قائلاً: "أزعجنى تفكيك الشفيع الآلى للماركسية إلى جزء صالح وجزء طالح. والرأى عندى أن الحزب الشيوعى كان قد فرغ من هذا الفهم بنباهة أكبر حين دعا إلى ما أسماه بـ (التطبيق الخلاق) للماركسية على ظروف السودان وشعبه" (الصحافى الدولى ، 6/5/2001م).

 

             وكان نقـُد قد عاد ، بعد مضى عدة سنوات على حواره المار ذكـره مع مجلة (النهج) ، للتأكيد على هذا الفهم ، حين وصف هذا المبدأ المنهجى ، فى مناسبة أخرى ، بأنه ".. يخضع للتحديث وروح العصر .. و.. تخضع (لهما) النظرية أيضاً ، وإلا تحولت إلى عقيدة جامدة. فالنظرية تبقى علمية ومرشداً بقدر تقيدها بأصول وقواعد ومناهج العلم ، فتبادر لإخضاع استنتاجاتها للتجربة ، كيما تتجاوز ذاتها ، ولا تتعصب لخلاصة ونتيجة دحضها محك الممارسة أو تجاوزها الواقع" (أنظر: م. أ. نقد ؛ حوار مع حسين مروة حول النزعات المادية فى الفلسـفة العربية الإسلامية ، ص43). ثم عاد أيضاً ، بعد مرور المزيد من السنوات ، للتنبيه مجدَّداً ، من خلال مساهمته فى المناقشة العامة التى انتظمت الحزب منذ بواكير تسعينات القرن الماضى بهدف تجديد برنامجه ، إلى أن ".. البرامج العلمية تخضع لمحك الممارسة والمشاهدة والتجربة ، لا تعلو ولا تتسامى عليها فتنحدر إلى مسلمات جامدة" (ورقة "مبادئ موجهة" ..). بل وكان نقـُد قد حرص ، قبل ذلك بسنوات ، على إجلاء هذا الجانب المفصلى فى فكر الحزب من خلال (الورقة الأولى) من سلسلة الأوراق الخمس التى دشن بها هذه المناقشة العامة ، مؤكداً على أن الحزب ، وبرغم تأثره نظرياً وعملياً بالجمود السائد فى الفكر الماركسى والحركة الشيوعية العالمية ، ".. ظل دوماً واعياً لضغط وإلحاح الاحتياج الموضوعى لنظرية الثورة السودانية وبناء الحزب الثورى" (م. إبراهيم نقـُد ؛ متغيرات العصر .. ، ص 17). وشدَّد على أن صياغة هذه النظرية تتم ".. من خلال تقييم حصيلة الممارسة واستجلاء المفاهيم ونسقها" ، بما يستوجب ".. معالجة متأنية للكيفية التى انبثق بها المفهوم المعين خلال النشاط الفكرى والعملى ، كيف اكتسب طابعه الخاص وتمايز عن نظائره ، وكيف تبلور المفهوم الصحيح فى الصراع ضد المفهوم الخاطئ ، وكي استقام المنهج السليم فى مواجهة المنهج القاصر المعوج ، فالمفاهيم لا تتبلور دفعة واحدة ، أو بصورة فجائية ، أو من تأمل سلبى بعيد عن الممارسة الحية فى الواقع الحى. المفاهيم وليدة الممارسة النظرية المستندة مباشرة أو بوسائط إلى الممارسة الفاعلة فى الواقع ـ مفاهيم جديدة تكتمل وتتقدم ، ومفاهيم تتقادم وتندثر ، وقد تكتسب مفاهيم قديمة محتوى جديداً" (المصدر نفسه). وأورد السكرتير العام ، فى هذا السياق ، جملة من المنطلقات النظرية العامة التى صاغها الحزب عبر مسالك نضاله التاريخى ، وأسهم فيها الشهيد عبد الخالق إسهاماً مستنيراً باتجاه الانعتاق من الجمـود ، من بينها أن ".. الماركسية منهج وليست شعارات جامدة ـ من المستحيل أن نرسم استراتيجيتنا اعتماداً على المنقول من الكتب ، وتكييف الواقع بما يرضى تجارب الحركة الثورية فى هذا البلد أو ذاك" ، ومن بينها ، بخاصة ، ما ورد فى دستور الحزب المجاز فى مؤتمره الرابع (1967م) من أن "الاشتراكية علم .. ولأنها علم فهى مفتوحة لمساهمة الانسان وترفض الجمود الذى يحولها إلى عقيدة لا تقبل المعرفة الجديدة .. (وأن) قيادة الحزب الماركسى للنظام الاشتراكى لا تعنى وجوب نظام الحزب الواحد .. (وأن) الدور القيادى للطبقة العاملة لا يفرض فرضاً ، بل يشترط اقتناع الطبقات والفئات الأخرى من خلال تجاربها الذاتية بذلك الدور" (المصدر نفسه ، ص 18).

 

             ومع كل ماتوفره هذه المنطلقات وغيرها من ذخائر نظرية ، إلا أن أوراق الأستاذ نقـُد لا تنفك تشدِّد على أن ".. الممارسة النظرية لا تعرف الكلمة الأخيرة وتقف عندها وتنغلق على ذاتها ، فالزمان لا يعرف لحظة أخيرة ، والتطور لا يعرف مستوى أخيراً ، والعقل لا يعرف فكرة أخيرة ، والصراع لا يعرف معركة أخيرة .. لهذا لا بد من مواصلة الاسهام النظرى بمستوى أشمل وأوسع وأعمق" (المصدر نفسه).

 

(8/4) وربما كان من المفيد ، فى معرض التأكيد على رسوخ الفهم النظرى الجرئ للجانب العلمى من البراغماتية بالنسبة للحزب ، لا كنظرية متكاملة ، بل كمجرد أداة من أدوات المعرفة ، أن نشير هنا أيضاً إلى أن هذه المنهجية التى نوَّه إليها السكرتير العام فى أكثر من مناسبة ، والتى لولاها لما خلصت لجنته المركزية إلى ما خلصت إليه فى دورتى أغسطس 1977م وديسمبر 1978م ، قد سبق استخدامها والتنويه بسدادها وجدواها ، قبل ذلك بثلاثين سنة ، فى البرنامج (الدستور) المجاز فى مؤتمره الرابع عام 1967م. ففى سياق معالجته لقضية (السلطة السياسية ـ جهاز الدولة ـ الديموقراطية) ، باعتبارها القضية المحورية فى أعقاب ثورة أكتوبر 1964م ، شدد البرنامج على أن السلطة الوطنية الديموقراطية ".. تقوم على الوعى والمعرفة السياسية ، ولا تدخل فيها اعتبارات أخرى لا صلة لها بالعمل السياسى المبنى على البرامج العلمية وعلى المشاهدة والتجربة" (دستور الحزب الشيوعى السودانى ، 1967م). وفى مساهمته المار ذكرها (مبادىء موجهة) أورد نُقد هذا المجتزأ ، واصفاً إياه بأنه (سياج نظرى) أحاط به برنامج 1967م (قضيته المحورية) ، ومشيراً ، بصفة خاصة ، إلى أن هذا السياج النظرى ".. يكتسب أهمية خاصة فى الصراع ضد الجمود فى التعامل مع مفاهيم ومقولات السلطة السياسية والدولة ، إذ لا يقيدها بفلسفة بعينها ، بل يخضعها للعلم ومنهج العلم ـ أى لا تدخل فيها اعتبارات لا علاقة لها بالعمل السياسى ـ والعمل السياسى نفسه ينبنى على البرامج العلمية ، وعلى المشاهدة والتجربة ، بما يعنى ضمناً أن البرامج العلمية تخضع لمحك الممارسة والمشاهدة والتجربة .." الخ (مبادئ موجهة ..).

 

(8/5) وإذا عدنا إلى عشية انقلاب مايو عام 1969م ، فإننا سوف نلاحظ ، مثلاً ، أن اللجنة المركزية كانت قد أقرت ، آنذاك ، بعض وجوه هذه المنهجية التى يفترض أن تشكل عظم الظهر لأداء الحزب الفكرى والعملى المستقل ، والتى عمد الأستاذ نقـُد إلى تركيزها فى مفتتح المناقشة العامة بعد أكثر من عقدين من الزمان ، بقولها: إن ".. الماركسية منهج وليست شعارات جامدة .. (و) من المستحيل أن نرسم استراتيجيتنا اعتماداً على المنقول من الكتب أو تكييف الواقع بما يرضى تجارب الحركة الثورية فى هذا البلد أو ذاك" (الدورة الاستثنائية للجنة المركزية ، مارس 1969م ، ص 12 ـ 14). ولعل ذلك بعض ما وقع سداده لعبد الله على ابراهيم فى باب فراغ الحزب من فهم (التطبيق الخلاق) للماركسية بقوله ، فى كلمته الجيدة المار ذكرها ، عن مقومات توطين الحزب لهذا المبدأ فى فكره: ".. وكان من أهم أركان مبدأ التطبيق الخلاق هذا أن يتمتع الحزب ، بادئ ذى بدء ، باستقلال سياسى وفكرى من وصاية ومؤثرات كائن من كان ، وأن يكون مرجعه فى اجتهاده الماركسى حقائق شعبه الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية والروحية" (الصحافى الدولى ، 6/5/2001م).

 

(8/6) ولئن أمكن سَوْق هذه المعرفة الشيوعية السودانية فى باب الفضائل الكامنة فى طلاقة التفكير ، وكسر قشرة الجمود ، واستقلالية التعاطى مع خصوصية الخبرة التى يطرحها الواقع (الأخضر) على طريق نضالات الشيوعيين السودانيين ، مما وقع لحزب الذى "لم ينشأ .. فى السودان كفرع للتنظيم الدولى (الكومنتيرن) الذى جرى حله فى بداية الحرب العالمية الثانية قبل تأسيس (الحركة السودانية للتحرر الوطنى) فى أغسطس 1946م" (م. إبراهيم نقـُد ؛ متغيرات العصـر .. , ص 19) ، فثمة نماذج عديدة لخبرات أحزاب شيوعية أخرى ، جديرة ، هى الأخرى ، بالتأمل ، لاستخلاص العبر الماجدة والدروس الكبيرة المقدر لها ، وحدها ، يقيناً ، أن تبقى حية ، وتدوم ، مهما أوغل (النموذج) التاريخى المحدَّد فى (الموت) ، أو تجارب (الأمميات) السابقة فى التآكل! ومن ذلك ، على سبيل المثال ، أنه ، وبرغم الأثر المتعاظم لـ (الأممية الثالثة) فى نمذجة الأحزاب الشيوعية الأوربية على نسق (الهيكل البروليتارى) الموحَّد ، وتنميط خطوطها الفكرية والتنظيمية كافة فى قالب (المركز البلشفى) الأب ، وتحديد خياراتها ، بالتالى ، وبالضرورة ، منذ مؤتمر الأممية الخامس فى 1924م ، بالنسبة لنمط الديموقراطية الذى تتوخاه ، وطبيعة الطريق الذى تنتهجه صوب الاشتراكية ، الأمر الذى قلل ، برأى بعض المحللين ، من حجم تأثيرها فى الأحداث ، وصرفها عن الاهتمام بالطبقة الوسطى تحديداً ، فأصبحت عرضة ، بسبب ذلك ، للانجذاب الفاشـى ، بل ".. إن انتصار الفاشية فى إيطالياً أولاً وفى ألمانيا لاحقاً كان نتيجة مباشرة وحتمية لذلك الاختيار الأعمى للأحزاب الشيوعية ذاتها" (حميد بن عزيزة ؛ "تحوُّلات التجربة الشيوعية: من البلشفية إلى الأوروشيوعية" ، م/عالم الفكر ، ص 84) ، إلا أن شيئاً من ذلك كله لم يحل دون أن تصغى هذه الأحزاب مليَّاً للمهام التى طرحتها على جبهتها ، بإلحاح ، دمدمة الحرب العالمية الثانية. فبالنسبة للحزب الشيوعى الألمانى ، على سبيل المثال ".. لم يعد الموقف من الحرب مطابقاً لطرح لينين تجاه الحرب الكونية الأولى ، فليست غاية الحزب تحويل الحرب إلى حرب أهلية ، غايتها تحقيق الثورة الشيوعية ، وتحويل الحرب إلى (هزيمة ثورية) ، بل إن مهمة الحزب الآن إنما هى البحث عن أفضل تماثل مع حركة التحرر من خطر النازية" (نفسه ، ص 85) ، وهى ، بلا شك ، مهمة ذات طبيعة ديموقراطية بالأساس. وقد وجد الحزبان الشيوعيان الفرنسى والايطالى أن من أوجب واجباتهما ، فى إطار هذه المهمة الشاخصة فى أفق حركتهيما فى ذلك الوقت ، الانخراط الفورى ، وبلا أدنى تردد أيديولوجى ، فى صيغة العمل الجبهوى العريض المناهض للنازية وللفاشية ، والمدافع عن منظومة قيم ومبادئ الحريات والحقوق السياسية التى تحملها الديموقراطية الليبرالية. ويكفى التذكير بأن النتائج المادية والرمزية لانتصار الجبهة الشعبية فى فرنسا عام 1936م أضفت على الحزب الشيوعى الفرنسى طابعاً جماهيرياً لا مثيل له. وعلى الرغم من أن عمر الجبهة الشعبية لم يكمل عاماً واحداً ، إلا أن التجربة جسدت مشروعاً جديداً لهويَّة شيوعية فرنسية صارت رمزاً لـ (الهويَّات) الشيوعية الغربية الأخرى ، وحفرت مفهوم (الأوروشيوعية) ]]]]]]عميقاً فى الذاكرة الشيوعية العالمية بأسرها (نفسه ، ص 84).

 

         من جهة أخرى ، وفى إثر الصدمة المدوِّية التى أحدثها تقرير نيكيتا خروتشوف إلى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى السوفيتى عام 1956م إنصب شغل بلميرو تولياتى ، قائد الحزب الشيوعى الإيطالى ، على وضع تحليل غير معهود لنتائج ذلك التقرير ، حيث الرغبة فى الاستقلالية ".. ما انفكت تتعاظم ، لأن مجمل النسق الشيوعى أصبح متعدد المراكز ، وفى داخل الحركة الشيوعية ذاتها لا يمكننا الحديث عن قائد فريد ، بل عن تقدم ينجز باتباع طرق مختلفة بوضوح" (ضمن المصدر ، ص 87). وقد نبه تولياتى إلى أن "مهمة رسم الطريق الديموقراطى للاشتراكية تتطلب إلى جانب الجهود العملية جهوداً أخرى فى مجال البحث النظرى" (ضمن: وحيد عبد المجيد ؛ "مراجعة المفاهيم ضرورة للتجديد" ، ضمن: عصام محمد حسن "تحرير" ؛ تجديد الفكر السياسى فى إطار الديموقراطية وحقوق الانسان ـ التيار الاسلامى والماركسى والقومى ، ص 70). لقد طرح ذلك (التفكير الجديد) ، منذ ذلك الحين ، ضرورة أن يستصحب التطوير السياسى مساهمة فى التطوير المعرفى ، لأن المراجعة السياسية لا تكتمل إلا بمراجعة معرفية موازية لها ومرتبطة بها (نفسه) ، كما خطا ، وقتها ، خطوة هائلة على طريق المزيد من تمثل  الحزب الشيوعى الايطالى  لخصائص نسيجه القومى ، وبخاصة عندما عاد ليذكِّر ، فى وثيقة (وصية الحزب) التى نشرت عقب وفاة تولياتى ، بضرورة وأهمية ".. أن تتحقق وحدة الحركة الشيوعية العالمية فى تنوُّع المواقف السياسية الملموسة المطابقة لوضع ولدرجة نمو كل بلد" (ضمن: حميد بن عزيزة ؛ "تحوُّلات التجربة الشيوعية .." ، ص 84). 

 

         وإذا لم يستطع ، إلى حين إشعار آخر ، أن يكون مقنعاً ، بأى مستوى ، التفسير القائل بأن انهيار الاتحاد السوفيتى والمعسكر الاشتراكى ، أو النموذج الستالينى المحدد تاريخياً فى البناء الاشتراكى ، مطالع تسعينات القرن الماضى ، ناتج من عدم نضج البنية الاقتصادية والاجتماعية فى روسيا ، بلد (التجربة الأم) ، مما رتب لعدم إمكان تلاؤم التطبيق مع المرجعية النظرية للاشتراكية كما كان يراها ماركس ، لا كتماثل مع عناصر الفقر والتخلف ، وإنما كمآل حتمى فى التطور الاجتماعى التاريخى ، يتشكل ، وبالضرورة ، من أقصى درجات الثراء والوفرة ، وأعلى درجات النمو لقوى الانتاج الرأسمالى ، الأمر الذى نعده وجهاً آخر لتهافت القراءة الأيديولوجية الموجَّهة ، ونختلف حوله مع بعض المحللين كالأستاذ حميد بن عزيزة (المصدر نفسه) ؛ فإن ثمة وجهاً ، مع ذلك ، للاتفاق حول سداد رؤية المعطى الأساسى المتوفر بثبات ، حتى الآن ، والمتمثل فى كون التسلط المطلق لمبدأ (المركزية الديموقراطية) ، فى كلا مستويى البناء فى الحزب وفى الدولة ، هو المسئول عن إفسـاد العلاقة بين مركز الثورة ومحيطها ، قومياً وعالمياً. والمهمة الكبرى المطروحة ، الآن ، وبإلحاح ، أمام الأحزاب الشيوعية كافة ، هى ضرورة تصوُّر (إشتراكية ذات وجه إنسانى) ، تنسجم مع التقاليد الديموقراطية للحركة العمالية فى كل بلد ، وتنسحب على حياة الحزب نفسه الداخلية ، مما يقتضى المواجهة الحازمة مع مبدأ (المركزية الديموقراطية) غير الديموقراطى ، والمتصلب (المصدر نفسه). إن (موت النموذج) يطرح هذه المهمة ، ليس أمام الأحزاب الشيوعية الأوربية فحسب ، بل والأحزاب الشيوعية فى البلدان النامية ، ومن بينها الحزب الشيوعى السودانى ، و".. تبقى ثورة أكتوبر الاشتراكية ، بكل زخمها ومؤثراتها ، تجربة من تجارب  ثورات الانسانية ، وليست (الموديل) النموذج المسطرة ، المثل الأعلى" (م. إبراهيم نقـُد ؛ من حواره مع م/النهج ـ مصدر سابق).

 

 

(9)

 

(9/1) تلك هى القصة الكاملة ، بقدر ما أسعفتنا الذاكرة والمصادر ، لتطور (الفكر الديموقراطى) لدى الحزب الشيوعى (السودانى) ، مبذولة لكل من ألقى السمع وهو شهيد. وهذه هى حقيقة المنهجية المنفتحة التى عالج بها هذا الحزب ، عبر مجاهداته النظري والعملية ، مداخله إلى (الليبرالية السياسية) ، بجوهرها الأساسى القائم فى (الحريات والحقوق) ، بصرف النظر عن أية (دوغمائية) يمكن أن تؤسس لتعاملات مغايرة مع (النصوص) النظرية المحددة بشأنها ، وبغض الطرف عن الأثر الضاغط على حركة اليسار وحركة التحرر الوطنى العالمية من جهة النموذج الاشتراكى ، الذى كان سائداً وقتها ، فكرياً وعملياً ، وبالأخص التجربتين السوفيتية والصينية ، وبرغم كل خروقات القوى التقليدية لهذه الديموقراطية ، تحت النفوذ المباشر للقطاع التقليدى على الاقتصاد والفكر والسياسة ، الأمر الذى لم يكن من النادر أن تعرَّض الحزب بسببه للمخاطر و(لسداد الفواتير) بالكامل ، بل ودفع به ، فى فترات مختلفة من تاريخـه ، لاتخاذ مواقف خاطئة تماماً ، لم يستنكف من نقدها لاحقاً ، فى أكثر من مناسبة ، وبقدر لائق من الاستقامة والوضوح والابتعاد عن المكابرة. ونختار كنموذج لذلك المجتزأ المطوَّل التالى من الشهادة العفوية المباشرة التى أدلى بها التجانى الطيب ، أحد مؤسسى الحزب الأوائل وسكرتير لجنته المركـزية ، فى ندوة "تقييم التجارب الديموقراطية فى السودان" ، التى نظمها بالقاهرة "مركز الدراسات السودانية" بالتعاون مع "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسـة الأهـرام" ، خلال الفترة من 4 ـ 6 يوليو 1993م ، يقول التجانى: ".. إذا كان إحنا ما أخطأنا خلال الأربعين سنة الماضية فما الذى وصَّلنا إلى الحالة الموجودين فيها .. نحن وقعنا فى أخطاء كبيرة و .. مؤثرة جداً على مسيرتنا و .. أثرت على مسيرة البلد: الخطأ الأول: كان فى إتفاقية فبراير 53 واللى كانت إنجاز كبير جداً للشعب السودانى ، ولكن ، لأننا كنا متأثرين بأن الاستقلال والحرية فى مثل الظروف التى قامت فيها الثورة الصينية و .. الأندونيسية والخ ، كنا بنعتقد أنه ما ممكن نيل الاستقلال والحرية السياسية إلا عن طريق الثورة المسلحة ، ولكن .. تمت بدون (ذلك) .. بنضال الشعب .. وهذا ما غفلنا عنه. نحن ما قدَّرنا أن نضال الشعب .. وصل إلى حقيقة الاستقلال .. بدون الثورة المسلحة. الخطأ كان .. لأن إحنا كنا عايزين حاجة أحسن .. وفعلاً تبين فيما بعد أن في عيوب كبيرة جداً فى إتفاقية فبراير .. كنا بنأمل أن يكون الوضع بتاع الاتفاقية أحسن من ده. الخطأ الثانى: هو إننا دخلنا المجلس المركزى فى عهد عبود ، وكانت النظرية اللى عندنا أنه أى مقاطعة لمؤسسات استعمارية ، زى مثلاً الجمعية التشريعية ، تكون بحركات جماهيرية واسعة جداً تؤدى إلى قتل التنظيم المعين بتاع المؤسسة المعينة .. فنحن اتفقنا إننا لازم ندخل ونحاول أن نستغل المعارك الانتخابية عشان نفضح النظام أكثر .. فى ناس بيقولوا إن هذا تعاون مع النظام ، لكن نحن أول ناس أعتقلنا ، أول ناس نفينا خارج العاصمة .. وآخر مسجونين طلعوا من السجن فى ثورة أكتوبر .. يعنى .. حتى مع المجلس المركزى .. برضه الشيوعيين .. داخل السجن .. وهم آخر ناس خرجوا. الخطأ الثالث: .. فى الموقف من الديموقراطية فى إنقلاب نميرى .. نحن ما اشتركنا فيه .. ولم ندبر هذا الانقلاب ، ولكن .. أيدناه بطريقة مشروطة. وأنا أعتقد أنه من الناحية السودانية إذا كان الأحزاب والأخوان المسلمين قاعدين فوقنا خانقيننا وجا واحد قال نفك الخنق ده نقول ليهو لا ؟ يعنى حكاية مش معقولة. إحنا أيدنا ولكن .. بشرط .. نحتفظ بحقنا كحزب .. لكن فى الناحية دى أنا ما بعتبر إنه .. كان عندنا أى نوع من الخطأ إذا .. نظرنا إلى أى إنقلابات تانية. لكن بالنسبة لقضية الديموقراطية فى هذا النظام نحن ما كنا مع القاعدة بتاعتنا للدفاع عن الديموقراطية ، وحصلت انتهاكات للحقوق الديموقراطية نحن سكتنا عنها لأنها كانت موجهة ضد الآخرين ، وكان يجب علينا أن نعرف إن الديموقراطية لا تتجزأ. الخطأ الرابع: كان فى يوم 19 يوليو ، وهذا الخطأ سواء نحن عايزينه ولا مش عايزينه نحن كحزب .. ما أخذنا قرار بتنظيم 19 يوليو ، لكن 19 يوليو قاموا بيها شيوعيين وديموقراطيين .. وإحنا أيدنا هذا الانقلاب .. من الفكرة بتاعت إنه سيبدأ تصحيح للنظام القائم .. لكن من الخطأ نحن تعلمنا يمكن آخر تجربة وآخر درس لنا ، نحن ضد الانقلابات .. على طول الخط ، ضد التكتيكات الانقلابية على طول الخط ، و .. مع الديموقراطية على طول الخط .. هذا بيتمشى مع موقفنا من الديموقراطية باستمرار ، يعنى إحنا ناضلنا نضال شديد جداً من العهد الاستعمارى ، وفى الظروف الديموقراطية ناضلنا لانتزاع حـق النقابات ولانتزاع الديموقراطية" (الديموقراطية فى السودان ، ص 451 ـ 453).

 

(9/2) وما من شك فى أن هذه العفوية ، على فضيلتها ، لا تعفى الحزب من التصدى لتبعات خياره المتمثل فى السعى لتحقيق الاشتراكية بالطريق الديموقراطى. وهى تبعات فكرية ، بالأساس ، وليست سياسية فحسب. وقد يتضح أن أول ذلك هو ضرورة العكوف على مراجعة إشكالية (الفرد ـ المجتمع ـ الدولة) ، وبخاصة فى مناخات العولمة السائدة حالياً (التقدم العلمى التكنولوجى ـ انفجار ثورة الاتصالات والمعلوماتية بالأخص ـ تكريس القطبية الأحادية ـ تنزيل شروط التجارة العالمية لصالح الشركات عابرة الجنسية transnational ـ هيمنة التاتشرية والريغانية ، والتراجع عن منجزات دولة الرفاه ـ إشاعة مناهج الخصخصة وتسليع الخدمات ، وغل يد الدولة ، فى بلدان العالم الفقير تحديداً  ، عن التدخل فى النشاط الاقتصادى ، بما فى ذلك قطاع الصحة والتعليم وخلافه) وانعكاسات ذلك على سائر مفاهيم العمل والكدح والاستغلال الطبقى والسيادة القومية والاستقلال السياسى والاقتصادى .. الخ. ذلك أنه إذا كان من المستحيل تصور الديموقراطية بدون حقوق الانسان ، ومن المستحيل تصور حقوق الانسان بدون المبادرات الفردية ، فإن من المستحيل كذلك تصور المشروع الاشتراكى نفسه كنذير بـ (موت الفرد) ، كما فى بعض التأويل (الماركسى المبتذل) لمفهوم (الانسان) كمحض (حامل) لعلاقات اجتماعية. وسوف يستتبع ذلك ضرورة إعادة التفكير فى مفهوم (الدولة) ، كهيئة للقمع أو العنف (المشروع) لا غنى للطبقة العاملة عنها ، حيث أن بلوغ أى تحسن وطيد فى أوضاعها يتم فقط ".. وقبل كل شئ عن طريق الاستيلاء على السلطة السياسية" (ف. إنجلز ؛ "مسألة العشر ساعات ليوم العمل" ، ص 242 ـ 243) ، وحيث لا بد للبروليتاريا من الاستيلاء على هذه السلطة لاستخدامها كـ (منصة انطلاق) سياسية أولى وأخيرة ووحيدة باتجاه ".. التنظيم المركزى للقوة و .. العنف فى سبيل سحق مقاومة المستغلين ، وقيادة الجماهير الواسعة من السكان ، الفلاحين ، البرجوازية الصغيرة وأشباه البروليتاريا .. فى قضية (تدبير شئون) الاقتصاد الاشتركى" (ف. إ. لينين ؛ "الدولة والثورة" ، ص 26). لقد نظر مؤسسو الماركسية الأوائل لهذه الهيئة من زاوية أن كل مصلحة عامة قد انفصلت بموجبها ".. عن المجتمع وجابهته باعتبارها مصلحة عليا ، وعامة للجميع ، وخرجت من نطاق نشاط أفراد المجتمع ، وغدت مادة للنشاط الحكومى ، إبتداءً من الجسر ، ومبنى المدرسة ، وممتلكات البلدية .. وانتهاءً بالسكك الحديدية ، والمتلكات القومية ، وجامعات الدولة" (ك. ماركس ؛ "الثامن عشر من برومير لويس بونابارت" ، ص 205 ـ 206). غير أن التقليص المستمر الجارى حالياً لوظائف الدولة فى بلدان العالم الثالث ، والسودان من بينها ، تحت عنوان (العولمة) ، وتآكل مفاهيم السـيادة والاستقلال ، سوف يؤدى ، فى رأينا ، إلى ازدياد الاعتماد على طاقات المجتمع المدنى الذى هو جماع مؤسساته ومنظماته المستقلة ، الأمر الذى يستوجب جهداً نظرياً دءوباً لاستيعاب مستجداته.   

 

(9/3) ويخطئ كثيراً من يتصور إمكانية النظر للحزب الشيوعى السودانى ككائن أسطورى خارج الزمان والمكان المحددين ، خارج أشراط سيرورته التاريخية ، فى حين أنه ، كرابطة اختيارية بين مناضلين فى سبيل أهداف ومبادئ محددة ، كائن حى ، ينمو ويتطور بأشراط النمو والتطور التى يخضع لها كل كائن حى ، ولذلك فهو عرضة لارتكاب الأخطاء ، أحياناً ، بقدر ما قد يحالفه الصواب ، فى أحيان أخرى. بل قد يرى البعض أن معظم فكـر الحزب خطأ ، ومعظم سياساته خطأ ، ومعظم أقواله خطأ ، ومعظم أفعاله خطأ ، وقد يرى آخرون غير ذلك. وكل هذا جائز ، شريطة أن يتأسس على حقائق التاريخ ، لا على الأساطير الفولكلورية المتداولة. إن كل نقد يوجه إلى الحزب ، بل وإلى أى من أطراف الحركة السياسية فى بلادنا ، هو ضرورى ومطلوب لتطوير هذه الحركة فى الاتجاه الصحيح ، ومن أجل مستقبل أفضل لها ، ولبلادنا ، ولشعبنا. ولكن من اللائق ، بل من الواجب ، فى رأينا المتواضع ، على كل من أراد أن ينتقد أو يأخذ أى من هذه الأطراف عموماً ، والشيوعيين (السودانيين) خصوصاً ، بأى عمل أو قول ، أن يفعل ذلك على بينة موضوعية ، لا على تصوُّرات ذاتية ، أو أوهام معزولة عن حقائق الواقع الفكرى أو السياسى.

 

(9/4) وينطبق ذلك على السؤال موضوع هذا المبحث تحديداً. ذلك أن إدراك الحقائق الباردة كفيل ، يقيناً ، بأن يراكم ذخيرة معرفية لا غنى عنها لمن يريد لتحليلاته أن تبلغ ساحلاً هادئاً من الاستنتاجات الموضوعية الأشبه بالحق ، والأقرب إلى الصواب ، فيما يتصل بجملة قضايا تحيط بموقف الحزب من الديموقراطية الليبرالية ، ومواقف القوى السياسية الأخرى منها ومن الحزب. وهى قضايا مرشحة لأن تبرز ، خلال الفترة القادمة من حياتنا السياسية ، لتثير قدراً إستثنائياً من الاهتمام والجدل ، وعلى رأسها: مستقبل التجمع الوطنى الديموقراطى ، ومواقف الأطراف المختلفة منه ، فى ضوء ما سيتمخض عنه الحراك السياسى الجارى فى الوقت الراهـن داخل (الإنقاذ) ، من جهة ، وداخل المعارضة ، من الجهة الأخرى ، وما بينهما ، من الجهـة الثالثة ، وحول مآلات المبادرات الأجنبية ، كالمصرية ـ الليبية ، والإيقاد ، وموقف شركاء الإيقاد ، وأمريكا تخصيصاً.

(9/5) ولا نضع النقطة فى نهاية السطر قبل أن نؤكد استحالة استشراف أى مخرج من مأزقنا الوطنى الراهن مع عزل أو إقصاء أى طرف من أطراف العملية السياسية ، مهما (دقَّ) حجمه بمعايير (التمدد الأفقى) ، أو (صغر) فى عين (الكبار) تحت أوهام (التركيبة الأساسية) و(الأحزاب الرئيسة) .. الخ. فسواء كان ذلك برغبة ذاتية أم بضغط خارجى ، فإنه لن يعدو كونه ضرباً من (البربرية) الفكرية والسياسية التى خبرناها بما فيه الكفاية ، وينبغى الكف عنها فوراً ، لأنها كبَّدت الجميع ، حتى الآن ، أبهظ الأثمان وأفدح الأضرار ، ولأنها مؤسسة، فى جوهرها ، على علاقة سلبية مع التاريخ ، ولأن التجارب السـابقة أثبتت أنها لا تحل الأزمة ، بل تعيد إنتاجها ، وأخيراً .. لأن من يجرب المجرب تحيق به الندامة!

 

 


                                    

 الإشارات

 

] نستخدم مصطلح (إشكالية) هنا بدلالة النظرية غير المكتملة.

 

]] أحد بناة وقادة الحزب والحركة العمالية المحلية والعالمية ، أصيب فى المعتقل ، على أيام جعفر نميرى عام 1979م ، بجلطة سببت له شللاً نصفياً ، ولم تتحرك السلطة نحو علاجه أو إطلاق سراحه إلا بعد أن تردت حالته الصحية نتيجة الاهمال ، فنقله الحـزب إلى لندن ، ثم إلى براغ ، حيث أسلم الروح هناك ، فأحضر جثمانه بالطائرة ليوارى ثرى الوطن فى مطلع العام 1980م.

 

]]] أثار الأستاذ نقـُد مؤخراً ، فى ورقته المشار إليها ، ضرورة إخضاع مفهوم (الرأسمالية الوطنية) للمراجعة ، ضمن منظومة المفاهيم والمصطلحات التى يتوقف على تجديدها تجديد الحزب وبرنامجه ، بين جملة عوامل أخرى. ويعرفه بأنه ".. متواتر فى برامج وأدبيات أحزاب وحـركات العـالم الثالث. وكانت الثورة الصـينية قد أضافت صفة التمايز ـ الكومبرادور ـ دالة على رجال الأعمال الصينيين الذين كانوا يقومون بدور الوكلاء للشركات والسفن البرتغالية فى الموانئ الصينية ، وأصل الكلمة برتغالى ، تمييزاً لهم عن رجال الأعمال الصينيين الذين كانوا يشاركون ، بمستوى أو آخر ، فى الحركة الوطنية. وأضافت الناصرية فى الستينات صفة تمايز: غير المرتبطة بالاستعمار". ولكن نقـُد ينبه إلى "المتغيرات الباطنية العميقة" فى كيان الفئات الرأسمالية فى بلادنا منذ منتصف السبعينات وتدفق البترودولار ، وأهمها ما ترتب على سياسات مايو فى التأميم العشوائى والمصادرة التى لا يسـندها قانون أو ضرورات سياسية أو اقتصادية ، ثم اتساع وتنوع شرائح وفئات الرأسمالية الطفيلية من فوق سطوة بيروقراطية جهاز الدولة  وتمويل الجهاز المصرفى للنشاط الطفيلى تحت شعار الأسلمة منذ أواخر السبعينات ، ونفوذ حزب الجبهة الاسلامية المطلق بعد انقلاب 1989م. هذه المتغيرات وغيرها تستدعى مراجعة مفهوم (الرأسمالية الوطنية) فى ظروف (العولمة) وموجبات ".. تدويل رأس المال ، وإعادة تقسيم العمل على مدى العالم ، ودمج وتوحيد الأسواق .. وتسخير نتائج الثورة العلمية التقانية ووسائط الاتصال فى بنية وتركيب وتراكم الثروة" ، حيث ".. يصعب ، إن لم يدخل فى باب الاستحالة تشييد غشاء ، دع عنك حاجز ، بين رأس المال المحلى ورأس المال الدولى ، والأخير ما عاد حاصل جمـع ـ كسابق عهده ـ لرأس مال عدد من الدول ، ينتمى لدولة بعينها وجنسية بعينها ، لقد عبر واجتاز حدود الدول ، وخصوصية الجنسيات ، وأصبح قوة وطاقة وسطوة دولية". ويخلص السكرتير العام إلى أن القضية المحورية التى تحدد الموقف ".. من رأس المال السودانى والدولى هى قضية التنمية فى أفقها الشامل .. و(دورهما) .. فى تمويل تحقيق أهدافها وأسبقياتها. لهذا ربما كان الأقرب إلى الواقع الانتقال من الشعار العام حول حماية مصالح (الرأسمالية الوطنية) ، كحكم معيارى مسبق ، إلى تركيز الأسبقية فى عنصرين: .. الأول حماية مصالح الرأسمالية السودانية التى تدفعها مصالحها الاقتصادية (ولا نستبعد المشاعر الوطنية) لاستثمار أموالها فى قطاعات الاقتصاد السودانى وفق أسبقيات التنمية .. (و) .. الثانى .. ما تستلزمه (مصلحة هذا الاقتصاد) من ضوابط ومعادلات النفع المتبادل فى التعامل مع رأس المال الدولى" (راجع ورقة "مبادئ موجهة ..").

 

            قيمة هذا الطرح تكمن فى أنه لا ينغلق على قطعيات نهائية ، بل يغوى بعصف الأدمغة واستولاد الأفكار. ولهذا فإننا لا نزال نلمح فيه تعقيداً طلسمياً ينبغى فضـُّه: إذ كيف يسـتقيم تصوُّر "رأسـمالية سودانية .. تدفعها مصالحها الاقتصادية" ـ دع عنك أن يتوفر لديها ما يكفى من المشاعر الوطنية ـ "لاستثمار أموالها .. وفق أسبقيات التنمية ، (وتنضبط) .. بضوابط ومعادلات النفع المتبادل فى التعامل مع رأس المال الدولى" ، بينما يكاد ".. يدخل فى باب الاستحالة ، تشييد غشاء ، دع عنك حاجز ، بين رأس المال المحلى ورأس المال الدولى" ، فى ظروف (العولمة) التى يعمل من خلالها (رأس المال الدولى) هذا على تسخير كل (منفعة) لصالحه هو وحـده ، ومن نافلة القول أن (صالحه) هذا لا يعترف بأى قيمة (للنفع المتبادل) ، وهو لم يعد ، بالفعل ، كما فى السابق ، (حاصل جمـع) لرءوس أموال ينتمى كل منها لدولة بعينها وجنسية بعينها multinational ، فلقد عبر واجتاز حدود الدول ، وخصوصية الجنسيات ، وأصبح قوة وطاقة وسطوة دولية transnational؟!

 

]]]] وللدقة ، فقد اتخذ قطب حزب الأمة الآخر ، السيد أمين التوم ، موقفاً شبيهاً فى مذكراته المنشورة عام 1985م بقوله: ".. أما تعديل الدستور وتحريم الحزب الشيوعى وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية .. فأمر أرى أن تعجلاً مضراً حدث بمقتضاه".

 

]]]]] (التجريبية): إتجاه فى نظرية المعرفة يردها إلى تجربة الأحاسيس والإدراكات ، وينحدر من (الأبيقوريين) و(الرواقيين) فى الفلسفة اليونانية القديمة ، حتى فلاسفة (الوضعية الجديدة) الذين يقرنون التجريبية بالتحليل المنطقى للمعرفة ، حيث يخضع الواقع لمراوحة لا نهائية بين (الصواب) و(الخطأ) ، فتصبح صياغة أى موقف سياسى أو أيديولوجى حول (الواقع) مرهونة بتحويل ذلك الواقع إلى حقل اختبار عملى دائم ، دون التوقف لحظة بهدف التقويم النظرى للخبرة. عيب التجريبية أنها ترى الفكر (صورة فكرية) ميكانيكية عن الواقع ، ولا تدرك أن (الواقع) لا يتسق مع الفكر إلا بقدر ما يجيب هذا الفكر على تساؤلات الواقع وإشكالاته. أما (التأملية): فتنطلق من أية (نظرية) ، حتى لو كانت ثورية ، لتنتهى إليها ، حين تقدمها للجماهير كصيغة (علمية) نهائية ، مستكفية بذاتها ، ومشتملة على كافة (الحلول) لقضاياها ، فتنكفئ عليها ، مسترخية فى الطمأنينة والأمل ، حيث يغدو الفكر منطلق ومعيار الواقع. ويشبهها بعض المفكرين بأسطورة سرير بروكست ، قاطع الطريق ، الذى كان يمدد عليه ضحاياه ، فإن كانوا أكثر طولاً من السرير ، قصَّ ما زاد منهم ، وإن كانوا أقصر ، مطـَّهم !!

 

]]]]]] رغم قدم ظاهرة (الأوروشيوعية) داخل الأحزاب الشيوعية الأوربية ، إلا أنها نشأتها حديثة ، نسبياً ، فى العلاقات البينية لهذه الأحزاب. ويعود تاريخ اجتماعاتها التأسيسية إلى اجتماع بروكسل (يناير 1974م) الذى جرى فيه تداول الخلافات علناً لأول مرة ، وكذلك إجتماع برلين (1971م). ولعل اجتماع مدريد (1977م) هو الذى يعتبر التاريخ المرجع ، وقد شارك فيه قادة الحزب الشيوعى الفرنسى والإيطالى والأسبانى.

 


                                      المصادر

الكتب:

(1) أ. إ. دينيسوف ؛ نظرية الدولة والقانون (محرر) ، ط 1 باللغة الروسية ، دار جامعة موسكو 1967م.

(2) برهان غليون ؛ إغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية ، ط 1، دار التنوير للطباعة والنشر ، بيروت 1985م.

(3) بشير محمد سعيد ؛ الزعيم الأزهرى وعصره ، القاهرة 1990م.

تيسير محمد احمد ، زراعة الجوع فى السودان ، القاهرة 1995م.

(4) تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة فى السودان ، ترجمة الفاتح التجانى ومحمد على جادين ، ط1 ، الخرطوم 1990م.

(5) جعفر النميرى ، النهج الاسلامى لماذا ، المكتب المصرى الحديث ، القاهرة 1980م.   

(6) حسن الترابى ؛ أضواء على المشكلة الدستورية ، بحث قانونى مبسط حول مشروعية حل الحزب الشيوعى ، المطبعة الحكومية بالخرطوم ، يناير 1967م.

(7) حيدر ابراهيم على ؛ ورقة فى "ندوة تقييم التجارب الديموقراطية فى السودان" التى نظمها "مركز الدراسات السودانية" و"مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام" ، القاهرة 4 ـ 6 يوليو 1993م ، كتاب: الديموقراطية فى السودان: البعد التاريخى والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، تحرير د. حيدر ابراهيم على ، مركز الدراسات السودانية ، القاهرة 1993م.

(8) حيدر أبراهيم على ؛ المجتمع المدنى والتحوُّل الديموقراطى فى السودان ، ضمن سلسلة دراسات مشروع المجتمع المدنى والتحوُّل الديموقراطى فى الوطن العربى ، مركز إبن خلدون ودار الأمين للنشر والتوزيع ، القاهرة 1996م.

(9) خضر حمد (مذكرات) ، ضمن د. محمد سعيد القدال ، معالم ..    

 (9) C. P. Macpherson; The Real World of Democracy, New york: Oxford University Press, 1972

(10) طيب تيزينى ؛ من التراث إلى الثورة ، حول نظرية مقترحة فى قضية التراث العربى، مشروع رؤية جديدة للفكر العربى من "العصر الجاهلى" حتى المرحلة المعاصرة ، ج1 ، ط 2 ، دار ابن خلدون ، بيروت 1978م.

(11) عبد الخالق محجوب ؛ لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ، ط 3 ، دار الوسيلة للنشر ، الخرطوم 1987م.

(12) عبد الخالق محجوب ؛ دفاع أمام المحاكم العسكرية ، ط 1 ، دار عزة للنشر ، الخرطوم 2001م.

(13) عصام محمد حسن "تحرير" ؛ تجديد الفكر السياسى فى إطار الديموقراطية وحقوق الانسان ـ التيار الاسلامى والماركسى والقومى ، كراسات ابن رشد 2 ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ، القاهرة 1997م.

(14) على الدين هلال ؛ "مفاهيم الديموقراطية فى الفكر السياسى الحديث" ، ضمن أوراق الندوة الفكرية التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية وأصدرها بعنوان "أزمة الديموقراطية فى الوطن العربى" ، ط1 ، بيروت ، نوفمبر 1984م.

(15) على عبد الرحمن الأمين ؛ الديموقراطية والاشتراكية فى السودان ، المكتبة العصرية ، صيدا ـ بيروت 1970م.

(16) ف. إنجلز ؛ "أصل العائلة ، الملكية الخاصة والدولة" ، ماركس وإنجلز ؛ المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 8

(17) ف. إنجلز ؛ "مسألة العشر ساعات ليوم العمل"  ، ماركس وإنجلز ؛ المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 7 

(18) ف. إ. لينين ؛ "الاقتصاد والسياسة فى عصر دكتاتورية البروليتاريا" ، المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 29

(19) ف. إ. لينين ؛ "حول السخرية من الماركسية وحول الاقتصاد الامبريالى" ، المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 30

(20) ف. إ. لينين ؛ "الدولة والثورة" ، المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 33

(21) ف. إ. لينين ؛ "حول ثورتنا" ، المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 33

(22) ف. إ. لينين ؛ "حول الديموقراطية والديكتاتورية"، المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 37

(23) ف. إ. لينين ؛ "مرض اليسارية الطفولى فى الشيوعية" ، المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 41   

(24) قاسم أمين ؛ الاتفاقية فى الميزان ـ ضمن د. محمد سعيد القدال ، معالم ..

(25) ك. ماركس ؛ "الثامن عشر من برومير لويس بونابارت" ، ماركس وإنجلز ؛ المؤلفات الكاملة بالروسية ، المجلد 8 

(26) محمد أبراهيم نقد ؛ حوار مع حسين مروة حول النزعات المادية فى الفلسفة العربية الإسلامية ، ط 1 ، دار الفارابى ، بيروت 1992م.  

(27) محمد جلال أحمد هاشم ؛ القومية السودانية وظاهرة الثورة.

(28) محمد سعيد القدال ؛ معالم فى تاريخ الحزب الشيوعى السودانى، ط 1، دار كوش ـ دار الفارابى ، بيروت 1999م.

(29) محمد سليمان ، اليسار السوداني في عشر سنوات ، الخرطوم 1969م.

(30) محمود محمد طه ؛ زعيم جبهة الميثاق الاسلامى فى ميزان: الثقافة الغربية ، الإسلام ـ أضواء على المشكلة الدستورية ـ

(31) هانز كلسن ؛ الديموقراطية: طبيعتها وقيمتها ، تعريب على الحمامصى ، المكتبة الأنجلو مصرية ، القاهرة.

 

الصحف والمجلات:

(1) صحيفة "السودان الجديد" ، 1/9/1944م ـ ضمن محمد نورى الأمين (رسالة دكتوراه).

(2) صحيفة "الميدان" ، 3/11/1958م ـ ضمن: د. محمد سعيد القدال ؛ معالم ..

(3) صحيفة "الأخوان المسلمون" ، 1/12/1958م.

(4) مجلة "الشيوعى" ، إصدار الحزب الشيوعى السودانى ، العدد 134  

(5) صحيفة "أخبار الأسبوع" ، 13/3/1969م ـ ضمن: د. محمد سعيد القدال ، معالم ..

(6) صحيفة "أخبار الأسبوع" ، 27/3/1969م.

(7) "مجلة طلاب جامعة الخرطوم" عام 1985م ، ضمن: د. محمد سعيد القدال ، معالم ..

(8) مجلة بيروت المساء ، آب/أغسطس 1985م.

(9) مجلة النهج ـ دفاتر الماركسية اللينينية فى العالم العربى ، العدد 25/1989م.             

(10) صحيفة "الصحافة" ، 2/1/2001م.

(11) صحيفة "الرأى العام" ، 31/3/2001م.

(12) صحيفة "الصحافة" ، 10/4/2001م.

(13) صحيفة "الصحافى الدولى" ، 6/5/2001م.

(14) صحيفة "الرأى العام" ، 17/5/2001م

(15) مجلة "عالم الفكر" ، العدد 4 ، المجلد/30 ، أبريل ـ يونيو 2002م.

 

الوثائق:

(1) دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، مارس 1953م.  

(2) برنامج الحزب الشيوعى السودانى "سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديموقراطية والسلم" ، 1956م.

(3) بيان المكتب السياسى  للحزب الشيوعى السودانى بعنوان  "17 نوفمبر إنقلاب رجعى" ، (18/11/1958م).

(4) مذكرة (المعارضة) إلى الفريق أبراهيم عبود عام 1960 ـ ضمن: تيم نبلوك ؛ صراع السلطة والثروة .. ، والقدال ؛ معالم ..

(5) مذكرة (كرام المواطنين) إلى الفريق أبراهيم عبود فى 29/11/1960م ـ ضمن: تيم نبلوك ؛ صراع السلطة والثروة .. ، والقدال ؛ معالم ..

(6) بيان المكتب السياسى للحزب الشيوعى السودانى حول (الاضراب السياسى العام) ، 29 أغسطس 1961م.

(7) إجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، 4/11/1964م.

(8) إجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، أبريل 1958م.

(9) إفادة الفريق أبراهيم عبود أمام لجنة التحقيق فى إنقلاب 17 نوفمبر 1958م ـ ضمن: تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة ..

(10) إجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، 14/1/1965م.

(11) دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، 27/5/1965م.

(12) الماركسية وقضايا الثورة السودانية "تقرير المؤتمر الرابع للحزب الشيوعى السودانى 1967م" ، دار الوسيلة ـ بدون تاريخ.

(13) برنامج الحزب الشيوعى السودانى ، 1967م.

(14) مضابط مداولات الجمعية التأسيسية ، 19/6/1968م.

(15) دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، يونيو 1968م.

(16) الدورة الاستثنائية للجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، مارس 1969م.

(17) "إصلاح الخطأ فى العمل بين الجماهير" ، ورقة عبد الخالق محجوب ؛ ط 3 ، دار عزة للنشر ، الخرطوم 2001م.

(18) "حول البرنامج" ، ورقة عبد الخالق محجوب ، 1971م.

(19) دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، يناير 1974م.

(20) البيان الجماهيرى للجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى بعنوان (جبهة للديموقراطية وإنقاذ الوطن: الديموقراطية مفتاح الحل) ، أغسطس 1977م.

(21) دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، ديسمبر 1978م.

(22) مذكرة الحزب الشيوعى السودانى إلى المجلس العسكرى الانتقالى حول قانون الانتخابات ، 1985م.

(23) "متغيرات العصر: نظرية جديدة لحركة ثورية جديدة ـ آفاق متجددة للاشتراكية" ، أوراق محمد إبراهم نقد فى مفتتح المناقشة العامة داخل الحزب الشيوعى السودانى ، يوليو 1991م ، م/الشيوعى ، ع/أغسطس 1991م.

(24) إفادة التجانى الطيب ، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ، فى ندوة "تقييم التجارب الديموقراطية فى السودان" ، التى نظمها بالقاهرة "مركز الدراسات السودانية" بالتعاون مع "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام" ، خلال الفترة من 4 ـ 6 يوليو 1993م ـ ضمن كتاب: الديموقراطية فى السودان: البعد التاريخى والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، تحرير د. حيدر ابراهيم على ، مركز الدراسات السودانية ، القاهرة 1993م.

(25) "مبادئ موجهة لتجديد البرنامج" ، ورقة محمد أبراهيم نقد ، ديسمبر 1997م  ، صحيفة "الرأى العام" ، 9/12/2000م.

 

 

 
  نسخة للطباعة