حافظ اسماعيل محمد

اتفاقيات السلام السودانية

بين تحقيق السلام والسلم الاجتماعي

 
 

بسم الله الرحمن الرحيم

  أي متابع لما يجرى في الساحة السياسية  السودانية يلاحظ أن هذه الأيام شهدت اتفاقيات سلام بدا بالاتفاقيات آلتي تمت بين الحكومة و الحركة الشعبية واخيرا الاتفاق  الاطارى بين السيد/ محمد عثمان الميرغنى بصفته رئيسا للتجمع الوطنى الديمقراطى و السيد على عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية. 

وكل هذه الاتفاقيات تتحدث عن تحقيق السلام و تحول ديمقراطى,  وهذا   شى جميل لكننا اذا قرأنا تاريخ السودان الحديث نرى ان الديمقراطية تحققت عدة مرات ولكن سرعنا ما قضى عليها. وان هنالك عدة اسباب لعدم استمرار الديمقراطية   مع العلم بان الديمقراطية نفسها وسيلة يمكن ان يحدث عبرها تغير و تبادل للسلطة  عبر الانتخابات.

لذلك أنني لا أري ان الديمقراطية القادمة سوف تكون  مستدامة   ((sustainable ما لم يحصل تغير حقيقى و اقصد بالتغير الحقيقي هو تغير اجتماعي/ اقتصادي و اى اتفاق أو ديمقراطية يجب أن تكون شاملة inclusive)) لكل ابناء السودان واقصد بالشمولية هو  ان تعنى وتمثل هذه الاتفاقيات و الديمقراطية القادمة  شى لهم اى يكونوا اصحاب مصلحة(stakeholders) و أعنى بشى لهم اى اثر مباشر فى حياته اليوميه وتطلعاتهم .

ان المتابع و القارئ لهذه الاتفاقيات يجد الآتى:

  1/ اتفاقيات الحركة الشعبية و الحكومة تتحدث عن قسمة الثروة والسلطة وتعنى  تقسيم السلطة و الثروة بين الشمال و الجنوب بشكل عام .نعم ان هنالك مناطق عديدة فى السودان واجهت كثير من الظلم  من أنظمة الحكم المتعاقبة فى السودان وخاصة المناطق التى كانت مسرح للحرب فقد عانت من هدم كامل للبنيه التحتية ونزوح لعدد كيبر  من المواطنين وتحتاج هذه المناطق الى استثمار فى مجال البنية التحتية   وفى المجالات الانسانية من صحة و تعليم واسكان ...... الخ. وكل هذا لكى يعيد التوازن بين اقاليم السودان المختلفة.

لكن هنالك مشكلة اساسية اجهلت تمام من قبل الحركة الشعبية و  هى حركة تمثل المحرومين من ابناء شعبنا وهم يعلقون امال كبيرة عليها لمناصرتهم. انه لابد من تحقيق عدل اجتماعى او سلم اجتماعى لان الفوارق الطبقية التى خلقت فى السنوات الأخيرة كبيرة للغاية حيث أن المجتمع السودان أصبح يتكون من طبقة عالية قليلة تحظى بأكثر من70%  من الثروة القومية وأغلبية من المسحوقين يعيشون تحت الحد الأدنى من الاحتياجات الاساسية للمعيشة وقد زالت الطبقة الوسطى تمام ,وكل ذلك قد تم بشكل مخطط ومدروسة من نظام الجبهه الإسلامية الذي عمل على افقار السواد الاعظم من الشعب السودانى بمحاربتهم اقتصاديا باساليب كفصل من الخدمه و منع عدد كبير من العمل وتصفية الاسواق من كل التجار غير الموالين للجبهة  والفقر هو اسوا انواع الاستعباد.واعادوا تعريف المواطنة السودانية بحيث اصبح هنالك درجتين للمواطنة.    

ان اتفاقيات الحركة الشعبية مع الحكومة لم  تتعرض للتفاصيل تحقيق قسمة الثروة اوتحقيق العدل الاجتماعى فان عليهم أن يضعوا فى الاعتبار الاغلبية من السودانيين المحرومين و المظلومين فى جنوب السودان و شماله. و يجب أن توفر الحكومة الاحتياجات الاساسية لهولاء حتى يتثنى لهم العيش عيشاً كريما.

2/ أما أتفاق السيد/ محمد عثمان الميرغنى مع على عثمان محمد طه  فيبدوا انه تم على عجل و بغياب تام لبقية اعضاء هيئة القيادة للتجمع و يتعارض مع كثير مما تم الاتفاق عليه فى التجمع و اذكر الاتى:

أ/ أولا هنالك نصوص فى هذا الاتفاق لا علاقة لها بكل أدبيات التجمع الوطنى الديمقراطى(مقررات اسمرة للقضايا المصيرية) مثل الجمهورية الرئاسية . وهى فكرة السيد/ الصادق المهدى و السيد/ محمد عثمان الميرغنى  بالاتفاق مع نظام الجبهة الاسلامية . بأى حق قام السيد/ محمد عثمان بوضعها فى اتفاق باسم التجمع .

ب/ فى ما يتعلق بالفقرة الخاصة بالقوات المسلحة و النظامية نص الاتفاق على قوميتها فى نفس الوقت امن على عدم حلها . ان قوات الامن الحالية هى ليست بالقومية بل هى قوات تمثل الجبهة الاسلامية , و اجهزة الامن هى قوات الامن التى ارتكبت  كل الفظائع من تعذيب و قتل، فكيف تبقى فى ظل ديمقراطية وسيادة حكم القانون. ان اتفاق نيفاشا يعتبر متقدما جدا لانه نص على تكوين قوات بشكل جديد.

ج/ والاسواء فى هذا الاتفاق هو نص  الفقرة الخامسة الخاصة بالسياسة الاقتصادية والجزء الاول من هذه الفقرة  جيد و ينسجم مع مقررات التجمع ( انتهاج سياسة  اقتصاية  متوازنة تراعى الاستفادة المثلى من امكانيات الوطن و توجهها نحو التنمية القومية و تطوير البنية التحتية) . اما الجزء الثانى الذى  ينص  على الاتى (المضى قدما فى سياسة الانفتاح ورفع يد الدولة و مؤسساتها عن الانشطة الانتاجية و التجارية و الخدمية بما  يصل بالاقتصاد الوطنى  الى اقتصاد السوق الحره وما يوفر منافسه لا تعرف الاحتكار.

لا أحد يتوقع مثل هذا النص فى اتفاق سلام معنى ببلد مثل السودان. الدولة فيه رفعت يدها تماما عن كل ما يتعلق بحياة المواطن من صحة و تعليم و كل اشكال الخدمات وجعلت  قوى السوق هى التى تحدد كل شىء بغض النظر عن حدود دخل المواطيين و إمكانياتهم.ليس هنالك دولة فى العالم تحترم نفسها  تتخلى تمام عن مسئوليتها تجاه مواطنيها مهما كان دخولهم وظروفهم المعيشية. سوف أتحدث عن الانظمة الراسمالية الموجودة فى العالم الان وكيف تتعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها.

وان هذا الاتفاق سوف يصبح حبر على ورق لانه تجاهل قضايا اساسية تهم المواطنين و عند ما أقرا هذه الفقرة  يخطر الى بالى مصلحة تجار هذا الحزب و ذاك لانها تتيح لهم حق عمل اى شى  من أجل تكريس الثروة وجمعها على حساب الملايين من الجوعى والمحروميين من أبناء شعبنا وان الحكومة قد أعطتهم  رخصه مفتوحة من اجل عمل ذلك. فالحكومات لديها مسئولية فيما يتعلق بتوجيه الاقتصاد نحو تحقيق نسب نمو و الحد من نسبة التضخم، وايضا تشيع الانشطة الاقتصادية لخلق فرص عمل. وان الحكومات في أمريكا و المجموعة الأوروبية تقوم بتقديم دعم للمز راعين وبعض الصناعات.

ان هذا النص ان دل أنما يدل على أن الذين قاموا بصياغتة والتوقيع  عليه ليس لديهم اّى علاقة  بمعانة ابناء شعبنا الذين حرمهم هذا النظام من أبسط مقومات الحياة الكريمة.

سوف أتحدث عن تجربة تحويل موْسسات القطاع العام الى  شركات خاصة مثل  المرافق العام  ماء، كهرباء، تلفونات......... الخ وسوف استرشد بالتجربة البريطانية لكى اثبت لهولاء ان النظرة  أولا واخيرا  يجب ان تكون لمصلحة المواطنين وليس لتحقيق أرباح فاحشة لفئة قليلة من الرأسمالية .

اذا كان التجمع ممثل  فى رئيسه السيد/ محمد عثمان الميرغنى يأمل فى تحقيق سلا م عادل يقود الى ديمقرطية  مستدامة . فيجب ان يحملوا معهم هموم و تطلعات الملايين من أبناء هذا الشعب في العيش الكريم والا سوف لا يكونوا حرصين على بقاء تلك الديمقراطية. فى الغرب يمتنع الناس عن الادلاء باصواتهم عندما يصابوا بخيبة امل من الاحزاب السياسية وهذا يمثل ضرر بالغ للعملية الديمقراطية لذلك تجد نسبة التصويت فى بعض الدول تصل الى اقل من 30% . إما في السودان فيكون الجو مهيئاً للانقلابين وتدور الامور في نفس  الحلقة المفرغة انقلاب / ديمقراطية. واننى ارى ان الفقرة   الخامسة لا تعبر الا عن مصلحة فئة قليلة من الطبقة العالية(elites) وسوف تعزل السواد الاعظم من ابناء شعبنا.

فنحن فى حوجة ماسة الى تغير اقتصادي اجتماعي راديكالي يخرجنا من الحلقة المفرغة التى ندور حولها.

عندما نتحدث عن نظام اقتصاد السوق و ان ترفع الدولة يدها عن كل  ادوات الانتاج    والخدمات فيجب ان نكون حذرين فى استخدام وفهم هذا التعبير، ليس هنالك دولة فى العالم ترفع يدها  كليا عن كل ما يعنى مواطنيها من صحة و تعليم ...الخ .وخاصة فى دولة مثل السودان يعيش اكثر من 90% من سكانها تحت حد الفقر. و ابسط الامثال  الى الحال الذى توصلت اليه الحالة الاقتصادية فى السودان هو ما حدث فى مدنية بورسودان فى شهر رمضان عندما مات اكثر من 30 شخص بينهم 12 طفلا ماتوا تحت اقدام الاقوياء عندما كانوا يقفون فى صفوف توزيع الزكاة.

ان ما يطبق الان فى السودان ليس هو  نظام رأسمالي ان ما هو نظام طفيلى لان الانشطة الاساسية فيه تعتمد على المضاربات فى السلع والعملة و تقوم فئة محددة باحتكار هذه  الأنشطة وتفصل سياسات الدولة الاقتصادية لمصلحتهم  دون اى  مراعاة لمصالح الملاين من ذوى الدخول المحدودة ، بينما نجد الانشطة الانتاجية مثل الزراعة و الصناعة اصبحت غير ذات جدوى، لذلك فاننا نجد ان نسبة البطالة قد ارتفعت ارتفاع حاد جدا خاصة وسط الخرجين من الشباب، لان الانشطة الطفيلة لا تخلق فرص عمل فى الاقتصاد. فى نفس الوقت رفعت الدولة يدها تماما عن تقديم اى خدمات للمواطنين  و عن انتهاج سياسية نقدية تسيطر على الارتفاع الحاد فى  معدلات التضخم و تحمى قيمة العملة الوطنية.

إذا نظرنا الى ما يجرى فى معظم دول العالم الرأسمالية ( آمريكا، بريطانيا، فرنسا، المانيا  ..الخ نجد ان الدولة تقوم بدور كبير فى تقديم الخدمات الى مواطنيها مجانا. فمثلا فى بريطانيا نجد ان الدولة تصرف حوالى 100 مليار جنيه استرلينى فى العام  اى ما يعاد30% من حجم الموازنة العامة للضمان الاجتماعي ( إعانات للعاطلين عن العمل، دعم للأسر باطفال، دعم كبار السن ...الخ) , وتصرف حوالي 20% في الخدمات  الصحية و ان العلاج مجانا عند الحوجة

(free at the point of need). و ايضا تقوم المجالس المحلية بتقديم كثير من الخدمات مثل توفير السكان بأسعار زهيدة..الخ

ان التدهور الاقتصادي الذي تم في السودان  فى الفترة من 1978 حتى الان، و بالتحديد فى الثلاثة عشر عاما الاخيرة ليس لها شبيه الا ما حصل فى المانيا بعد الحرب العالمية الثانية حيث اصبح الانسان يحتاج  الى سلة من النقود لكى يشترى سلة من احتياجاته اليومية. مما احتاجت الى مشروع مارشال لانقاذ اقتصادها.

و واحد من اهم من موشرات التدهور الاقتصادى هو التدهور الذى تم لسعر صرف الجنيه السودانى. حيث كان سعر الصرف فى يونيو 1989  واحد دولار امريكى يساوى 12 جنيه سودانى والان واحد دولار يساوى 2650 جنيه و كل هذه الزيادة هى زيادة تضخمية (افراط تضخمى) تنعكس بشكل مباشر على اسعار السلع و الخدمات.(و اذكر مقولة صلاح كرار الشهيرة لو  ما جئنا كان الدولار بقى بعشرين جنيه)

اعود الى واحد من اهم السياسات الاقتصادية التى انتهجها هذا النظام وهى  بيع مؤسسات القطاع العام (الخصخصه و كان مهندسها عبد الرحيم حمدى.

أتناول هذا الموضوع من الجانب الاقتصادي فقط و ليس من الناحية الايدلوجية (راسمالية/ اشتراكية) و فى التاريخ السياسى الحديث يقاس نجاح او فشل اى حكومة بنجاح او فشل برنامجها الاقتصادى. وخاصة فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية و معالجة مشكلة البطالة ((good economic is good politics و لهذه السباب لدى عدة مآخذ  على  ما تم :

1- قد تم بيع هذه الموسسات بأسعار زهيدة لا  تمثل القيمة الحقيقية لها  لذلك يجب مراجعة ذلك  و اعادة تقييم تلك المؤسسات باسعارها الحقيقية و فرض ضربية  اضافيه (windfall tax) بقيمة العجز  يتم دفعها على مدى سبعة الى عشر سنين  تستخدم عائداتها  لمحاربة القفر.

2- ان هذه الخصخصة منحت حق احتكار كامل لشركات خاصة تقدم خدمات اساسية دون وجود منافس او  منظم (Regulator) يكون لديه سلطة التدخل لتحديد اسعار الخدمات و نوعية الخدمة المقدمة.

أننى ارى ان اى اتفاق سياسى سوف لا يكتب له النجاح مالم  يشمل اتفاق على مواجهات برنامج اقتصادى واضح يعالج المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية التى تهم المواطن بشكل مباشر و ألخصها فى   الاتي:

1-     ازالة الفقر الذى اصبح يشمل اكثر من 90% من السودانيين. وذلك بازالة الفوارق الكبيرة بين الاغلبية الفقيرة والأقلية آلتي تنعم بأكثر من 70% من الثروة.

2-     محاربة الأنشطة الطفلية و تشجيع الأنشطة الإنتاجية لخلق فرص عمل لمعاجلة مشكلة البطالة المتفاقمة.

3-     ضرورة ان يتم الاستثمار فى مجال الصحة العلاجية و الاهتمام بالصحة العامة.

4-     ضرورة الاستثمار فى مجال التعليم و معالجة التدهور المريع  الذى حدث فى المواسسات التعليمية، لان اى مستقبل لتنمية اقتصادية او اجتماعية لا يمكن ان يتم دون مؤسسات  تعليمية قوية.

5-     معالجة الفوارق فى التنمية بين الأقاليم، وذلك سوف يساعد فى الهجرة العكسية الى الاقليم لعدد كبير من سكان الأقاليم الذين اجبروا لاسباب   أمنية  أو اقتصادية للهجرة لأطراف المدن والعيش فى ظروف معيشية قاسية جدا.

6-     ضرورة معالجة مشكلة المفصولين عن العمل، الذين شردهم  هذا النظام لاسباب سياسية.

اننى اعلم تمام ان تلك المطالب تحتاج لموارد مالية لتنفيذها لذلك اقترح بعض الموارد تتمثل فى الاتى:

1- الاستفادة  من   توفير الموارد الناتجة عن وقف الحرب.

2- استغلال الضريبة الإضافية الناتجة عن إعادة تقييم مؤسسات القطاع العام التى بيعت.

3-     فرض ضرائب على ذوى الدخول العالية بالذات الذين اثروا فى السنين الاخيرة.

4-     تقليل حجم الحكومة المركزية و الحكومات الإقليمية والاستفادة من التوفير.

5-     الاستفادة من المنح و القروض التى سوف تتاح بعد ان يتحقق السلام.

6-     ضرورة إجراء إصلاح ضريبي لتنشيط عملية التحصيل والاستفادة من تقنية المعلومات.

سوف اكتب بتفاصيل  عن بدائل لمعالجة الوضع الاقتصادي  و إصلاح الجهاز المصرفي  في وقت لاحق.

 حافظ اسماعيل محمد

مصرفي مقيم بلندن – انجلترا

hafiz2502@blueyonder.co.uk

 

 
 

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية