حكم مركزي
ام حكم فدرالي أم حكم إقليمي؟
لقد ظل الشيوعيون السودانيون
يدعون لقيام نظام حكم مركزي يتمتع فيه الجنوب بالحكم الذاتي الإقليمي وتتمتع
فيه باقي أجزاء الوطن بحكم محلي ديمقراطي واسع السلطات، ولم يتغير موقف
الشيوعيين هذا منذ المؤتمر الثالث للحزب في فبراير 1956، ومنذ ذلك الوقت كما
يقولون جرت مياه كثيرة تحت الجسور، وتغيرت ظروف اجتماعية وسياسية في
السودان، والشيوعيون السودانيون مطالبون بإعادة النظر في موقفهم هذا.
والمسألة معقدة وينبغي أن تتم دراستها بموضوعية وتفصيل، فهي ليست قضية
للمساومات المؤقتة بين القوى السياسية، في نفس الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل
موقف القوى السياسية المختلفة وخاصة القوى الإقليمية، ذلك أن شكل الحكم في
السودان هو من قضايا الديمقراطية والتي في النهاية يكون المرجع فيها
للاختيار الحر للجماهير، ومهمتنا أن نجعل ذلك الاختيار الحر واعيا بطرح
الموقف والبرنامج الذين يعالجان قضيتين هامتين: ديمقراطية الحكم والتنمية في
بلد تتعدد فيه القوميات ويتفاوت فيه التطور الاقتصادي والاجتماعي.
وفي الحقيقة فان هذين السمتين
: التعددية القومية والتنمية غير المتوازنة يشكلان قطبين متناقضين فيما يتعلق
بالعلاقة بين المركزية واللامركزية، فبينما تدعو التعددية القومية لأقصى
درجات اللامركزية، فإن التنمية المتوازنة تتطلب لمعالجتها درجة أعلى من
المركزية تستهدف إعادة توزيع الموارد والاستثمارات والخدمات.
ولنتناول القضية الأولى
الخاصة بالتعددية القومية والثقافية، فالسودان من ناحية موضوعية تسكنه مجوعات
قومية وإثنية وثقافية متعددة تنتمي إلى ثلاث مجموعات أساسية زنجية وحامية
وسامية تتحدث أكثر من مائة لغة وتسكن مناطق مختلفة في التطور الاقتصادي
والاجتماعي. ولكن السودان، المتعدد القوميات والثقافات هذا، ولظروف أسباب
تاريخية متعلقة بالبنية الاقتصادية الاجتماعية الموروثة من الاستعمار، ظل تحت
سيطرة تحالف اجتماعي سياسي من أواسط السودان الشمالي ومن أصل عربي إسلامي أو
مستعرب مسلم، بينما وجدت المجوعات الاثنية والثقافية والدينية الأخرى بعيدة
عن مركز السلطة ومحرومة من نتائج توزيع الثروة والخدمات، بل أنها في بعض
المناطق اضطرت لحمل السلاح مرتين للدفاع عن حقوقها.
وبالطبع من السهل هنا اللجوء
لعلم الديمغرافيا وتقسيم سكان السودان لمجموعات قومية ذات خصائص وثقافات
متعددة، ولكن هذا، رغم أهميته القصوى لفهم الواقع السوداني، يفقد معناه تماما
إذا لم يرتبط بتطور الوعي القومي والإقليمي ونشوء الحركات السياسية
الإقليمية.
لقد بدأ الوعي الإقليمي بجنوب
السودان لأسباب تاريخية محددة لا نحتاج لتكرارها، ولقد أدرك الشيوعيون
السودانيون منذ مطلع الخمسينات طبيعة الوضع الخاص لجنوب السودان واقترحوا
لتلك الظروف الخاصة أن يتمتع جنوب السودان بحكم إقليمي ذاتي وقد تبنى نظام
مايو تلك المقترحات وعلى أساسها توصل لاتفاقية أديس أبابا التي منحت الإقليم
الجنوبي حكما ذاتيا ولكن التجربة فشلت خلال عشرة سنوات وذلك:
لأن الحكم الإقليمي الذاتي في
جوهره حكم ديمقراطي لم يكن لينجح في ظروف الديكتاتورية التي كانت تحكم
البلاد. ولعل أهم سمات التناقض كانت أن الحكم الذاتي الإقليمي كان يتخذ
النظام البرلماني وتعمل داخله تيارات تعبر عن تعددية حزبية بينما النظام
المايوي يعتمد الجمهورية الرئاسية والحزب الواحد.
لأن الحكم الإقليمي الذاتي كان
من المفترض أن يمثل المدخل للتنمية المتوازنة ولإعادة تقسيم الثروة ولكن ذلك
لم يحدث، و أصبح عبئاً جديدا على ميزانية الدولة وعلى جماهير الجنوب، ولم يؤد
لتنمية الجنوب أو تطويره أو توسع الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم به. بل
حتى عندما اكتشف البترول بالإقليم الجنوبي بدأت مخططات مايو لاستغلاله بدون
تطوير الجنوب أو إقامة منشآت به.
ظل نصيب الجنوبيين في سلطة
الدولة المركزية ضعيف بطبيعتها الديكتاتورية وبطبيعتها الطبقية وتركيبتها
الإثنية والإقليمية.
وجاء تقسيم الإقليم الجنوبي
لثلاث أقاليم وإعلان الشريعة الإسلامية ليعبروا عن إستمرار سيطرة المجوعات
الشمالية من أصل عربي إسلامي على السلطة المركزية ومحاولتها لفرض
أيديولوجيتها الدينية على بقية أهل السودان، وكانت تلك القشة التي قصمت ظهر
البعير فبدأت الحرب الأهلية من جديد.
وقد بدأت الحركات الإقليمية في
جبال النوبة والبحر الأحمر منذ عام 1958 ولكنها ظهرت بشكل معروف ومؤثر بعد
ثورة أكتوبر ونال كل من اتحاد أبناء جبال النوبة ومؤتمر البجة عشرة دوائر في
انتخابات 1965.
وقد بدأت أول حركة إقليمية
بدارفور كحركة سرية باسم سوني (اسم بحيرة بجبل مرة) ولكنها تحولت لمنظمة
علنية بعد ثورة أكتوبر باسم جبهة نهضة دارفور واختارت عدم خوض الانتخابات،
رغم تدخلها كقوة ضاغطة مجبرة الأحزاب السياسية على أن تختار مرشحيها من أبناء
دارفور.
وتكونت أيضا بعد أكتوبر روابط
إقليمية وقبلية كثيرة، ترفع مطالب أهلها حول تصفية الإدارة الأهلية وتحسين
الخدمات مثل مياه الشرب والخدمات الصحية والتعليمية وأستمرت كقوة ضغط فعالة
حتى حلها نظام نميري.
ولكن منذ ثورة أكتوبر جرت
متغيرات كثيرة، أهمها زيادة عدد المتعلمين من أبناء الأقاليم الأقل نموا
والمهمشة، في وقت زاد فيه التفاوت في مستوى تطور هذه الأقاليم لاستمرار سياسة
تركيز الاستثمارات في المناطق الأكثر تطورا في أواسط السودان. وقد أدى كل ذلك
لنهوض حركات جديدة، بعضها يحمل السلاح تطالب بعدالة توزيع الثروة والسلطة.
وفي مثل هذه الظروف التاريخية،
وبعد تجربة الحكم الإقليمي على أيام نميري والديمقراطية الثالثة وتجربة الحكم
الفدرالي الشائهة على أيام سلطة الجبهة، يصبح من الصعب بمكان الحديث عن شكل
للحكم اللامركزي أقل مما تحقق لهذه الأقاليم.
ولكن وكما أثبتت فترتا حكم
نميري والجبهة، أنه لا الحكم الإقليمي ولا الحكم الفدرالي قد حل مشكلة عدالة
توزيع الثروة والسلطة وأن مجرد تبني هذا الشكل أو ذاك لا يحل الأزمة،
وبالتالي لا بد عند تبني أيهما أن يصاحب الشكل مجموعة من الإجراءات المركزية،
التي تضمن إغلاق هوة التباين في التطور الافتصادي وتوزيع الخدمات، من جهة
ويضمن مشاركة حقيقية للمناطق المهمشة في السلطة المركزية وتحويل أي سلطة
إقليمية لسلطة ديمقراطية حقيقية.
الحكم
المحلي كقاعدة للحكم الديمقراطي
لهذا يصبح من المهم النص في
الدستور على أن الحكم الديمقراطي في السودان يقوم على قاعدة للحكم المحلي.
صحيح أن تنظيم الحكم المحلي وتقسيم دوائره هو مسألة تفصيلية تترك عادة
للقانون. ولكن لا بد هنا من الاستفادة من تجربة السودان الطويلة في الحكم
المحلي التي تعود لعام 1937. وأرى أن نعود، حتى ولو بصفة مؤقتة، لتقسيم
المديريات والمجالس المحلية والريفية القديمة أو لشكل قريب منه بهدف تجميع
الموارد واختصار التكلفة، مع زيادة عدد أعضاء المجالس البلدية والريفية
لتمثيل قطاعات أوسع من السكان، على أن تكون المديرية السابقة لعام 1970 هي
وحدة الحكم الفدرالي، باستثناء الإقليم الجنوبي الذي سيضم المديريات الجنوبية
الثلاث ومنطقة جبال النوبة التي تصبح إقليما قائما بذاته ومنطقة جنوب النيل
الأزرق وجبال الإنقسنا التي تشكل إقليما قائما بذاته.
نحو حكم
فدرالي ديمقراطي
وانسجاما مع التحول الديمقراطي
لابد من معالجة الأخطاء التي أدخلها نظام نميري حيث فصل المحافظين والحكام
على شاكلة رئيس الجمهورية، فلا بد من قيام أقاليم أو ولايات يسودها الحكم
البرلماني المعروف، تتكون سلطتها من برلمان إقليمي منتخب انتخابا حرا مباشرا،
ينتخب رئيس للوزراء، ويقدم رئيس الوزراء سياسة حكومته الإقليمية ووزارته
للبرلمان لنيل ثقته.
تقسيم
السلطات
لا شك أن تقسيم السلطات بين
السلطة الاتحادية والأقاليم الفدرالية، يعتبر أحد أهم قضايا النزاع في
السوداني. وليس العبرة بإعطاء الأقاليم الفدرالية سلطات واسعة أو جعلها
مسؤولة عن تقديم الخدمات لمواطنيها، فذلك تكتيك قديم اتبعه نميري من قبل
عندما أنشأ الحكم الاقليمي بهدف شغل الجماهير في المناطق المهمشة والتي بدأت
تطالب بنصيب عادل في الخدمات ومشاريع التنمية، توجه مطالبها لحكام أقاليمها
وحكوماتهم بدلا من الحكومة المركزية. ولكن لا سلطة بدون موارد. لذا يجب الربط
بين تقسيم السلطات وتقسيم الموارد والثروة. ولكن في غير هذا يصبح تقسيم
السلطات مسألة عادية تهتدي بتجارب البلدان الأخرى وبالمفاوضات بين أطراف
النزاع السوداني ويمكن اقتراح التالي:
السلطات
الاتحادية:
1. الحدود والمياه
والأجواء الدولية.
2. رسم حدود الأقاليم
3. الدفاع والقوات
المسلحة والشرطة والأمن
4. الجنسية والجوازات
والهجرة وشؤون الأجانب.
5. العلاقات الخارجية
6. نظم الانتخابات
العامة للمؤسسات الدستورية الاتحادية والإقليمية والمحلية
7. القضاء والمحاماة
والنظم العدلية.
8. العملة والسياسات
المالية والنقدية والائتمانية والمصرفية.
9. المواصفات
والمقاييس والموازين والمكاييل والمواقيت.
10. التجارة الخارجية
والجمارك.
11. القوانين المنظمة
للمهن والحرف والتخصصات.
12. التعليم العالي
والجامعي بشقيه الفني والأكاديمي.
13. الأراضي والموارد
الطبيعية الاتحادية والثروات المعدنية والبترولية والثروات الطبيعية على سطح
الأرض وفي باطنها، والثروات في المياه الإقليمية السودانية وفي أعماق البحار.
14. المياه العابرة
والبحريات والأنهار.
15. المشروعات القومية
للكهرباء والطاقة والشبكات الناقلة لهما.
16. المشروعات والهيئات
والشركات القومية.
17. النقل الاتحادي
الجوي والطرق البرية والبحرية والنهرية العابرة والموانئ الجوية والبرية
والمواصلات والاتصالات العبرة الاتحادية.
18. الآثار والمناطق
الأثرية والوثائق القومية والمصنفات القومية الفنية والثقافية والتراثية وفقا
لما يحدده القانون.
19. مكافحة الأوبئة
والكوارث الطبيعية.
20. خطط التنمية
الاقتصادية القومية.
21. الموازنة العامة
للاتحاد والموارد المالية للاتحاد وتخصيص أوجه صرفها.
السلطات
الإقليمية
1. إدارة الإقليم وحفظ
الأمن والنظام.
2. التجارة والتموين.
3. ميزانية وموارده
المالية وتحديد أوجه صرفها.
4. الأراضي والموارد
الطبيعية الإقليمية والثروة الحيوانية والغابات.
5. المياه والطاقة
الكهربائية الإقليمية غير العابرة.
6. التعليم العام.
7. الصحة الوقائية
والخدمات الصحية الأولية.
8. طرق ووسائل النقل
والمواصلات والاتصالات الإقليمية.
9. وسائل الإعلام
والثقافة الإقليمية بما في ذلك المتاحف ودور العرض السينمائي والمسارح.
10. الحدائق العامة
وأماكن الترفيه.
11. الرياضة.
12. تسجيل المواليد
والوفيات ووثائق الزواج.
ولكن لأسباب الأزمة الاقتصادية
وضعف موارد الدولة في الوقت الحاضر، لا بد أن تتحمل الدولة المركزية عبء
تقديم بعض الخدمات، على أن تعود هذه الخدمات للأقاليم عند تطور مواردها، وأنا
أقترح أن توقع السلطات الاتحادية والإقليمية بروتوكولا تقوم بموجبه الحكومة
الاتحادية بتمويل وإدارة خدمات التعليم والصحة للمركز لفترة عشرة سنوات حتى
يتم وضع أسس حقيقية لموارد الأقاليم المالية وأن يكون هذا هو شكل الدعم
المقدم من الحكومة المركزية في هذا الجانب، يقدم الدعم في شكل خدمات مباشرة
يقوم المركز بتحمل نفقاتها وهذا بديل للشكل الحالي الذي يذهب في شكل موارد
مالية لا تصرف حقيقة في خدمة المواطنين. ويكون الهدف الأساسي هو ردم الفجوة
في تطور الخدمات بين مختلف الأقاليم السودانية بحيث تسلم هذه الخدمات
للأقاليم والمؤشرات الإقليمية تساوي المؤشر القومي أو تقاربه. ونعني بذلك
مؤشرات مثل عدد الأماكن بالمدارس بالنسبة لعدد الأطفال في سن التعليم، عدد
المدرسين بالنسبة للتلاميذ، عدد الأطباء بالنسبة للسكان، عدد السرائر بالنسبة
للسكان والأطباء إلى غيرها من المؤشرات.
تقسيم
الموارد والثروة
المهم في تفسيم الموارد
والثروة ليس هو تقسيمها لتستفيد منها الطبقات والفئات المسيطرةعلى االثروة في
الأقاليم والمركز، أي لا تصبح القضية هي اقتسام مغانم بين السادة، وانما
تقسيم للموارد على أساسين: بين الاستهلاك الضروري والاستثمار الموسع في
الانتاج والخدمات، وتقسيم الفائض الاقتصادي بين الأقاليم الأقل نموا والأكثر
نموا حتى نعالج مسألة النمو الاقتصادي غير المتوازن في البلاد. وفي الحقيقة
من الصعوبة معالجة المسألتين بنصوص دستورية، فالمسألتان لن تحلا حلا جذريا
بمجرد تقسيم الموارد بين المركز والاقاليم للآن كل من المركز والإقليم المعين
قد يستخدما الموارد المتاحة لهما لغير متطلبات التنمية الاقتصادية
والاجتماعية. وهذا يجعل القضية هي قضية سلطة: من يحكم الإقليم أو المركز.
ولثقتنا في النظام الديمقراطي فإننا نتلرك ذلك للصراع السياسي والاقجتماعي في
نطاق التعددية والديمقراطية.
ورغم كل هذا نقترح صيغة
لاقتسام الموارد فيما يلي:
أولا: الموارد الضريبية:
يكون للسلطات الاتحادية نسبة
60% من كل العائدات الضريبية بالسودان ويكون لكل إقليم نسبة 40% من العائدات
الضريبية المتولدة داخل الإقليم.
ثانيا:أرباح المؤسسات العامة
والمشاريع والشركات الحكومية:
يكون لكل من السلطات الاتحادية
السطات الإقليمية 40% من عائد ارباح المؤسسات الاتحادية والمشاريع والشركات
الحكومية ويخصص باقي ال20% من الأرباح للمؤسسات والمشاريع والشركات بهدف
تطويرها وتنميتها وزيادة رأسمالها.
ثالثا:العائدات من استغلال
الموارد الطبيعية كالبترول والغاز والمعادن والمناجم والمحاجر:
يكون لكل من السلطات الاتحادية
والإقليمية 40% من العائدات ويخصص باقي ال 20% لتطوير الاستثمارات وزيادة
رأس المال.